رياض قاسم حسن العلي
الحوار المتمدن-العدد: 8589 - 2026 / 1 / 16 - 12:21
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
لم يكن الخلاف بين جون لوك وغوتفريد فيلهلم لايبنتز مجرّد اختلاف في الرأي، ولا سوء تفاهم عابر بين فيلسوفين من بيئتين مختلفتين، كان تعبيرًا مبكرًا عن انقسامٍ عميق في العقل الأوروبي الحديث، انقسامٍ سيُشكّل لاحقًا البنية الأساسية للفلسفة الغربية بين التجريبية والعقلانية، وبين العقل بوصفه صفحةً بيضاء والعقل بوصفه بنيةً فاعلةً تحمل في ذاتها مبادئها الأولى.
حين نشر جون لوك كتابه الشهير «مقال في الفهم البشري» سنة 1690 كان يؤسّس لتحوّل جذري في طريقة التفكير الفلسفي في أوروبا الحديثة، واضعًا اللبنات الأولى لما سيُعرف لاحقًا بـ الفلسفة التجريبية الإنجليزية. جاء هذا العمل في سياق تاريخي شهد صراعًا حادًا بين العقلانية القارية، الممثلة بفلاسفة مثل ديكارت ولايبنتز، وبين تيار جديد يسعى إلى ردّ المعرفة إلى التجربة الحسية المباشرة.
وقد وجّه لوك في هذا الكتاب نقدًا جذريًا لفكرة الأفكار الفطرية، وهي الفكرة التي هيمنت طويلًا على الفلسفة الغربية منذ أفلاطون، مرورًا بالفلسفة المدرسية، ووصولًا إلى ديكارت، والتي تفترض أن العقل الإنساني يولد محمّلًا بمبادئ وقوانين معرفية سابقة على كل تجربة، مثل مبادئ الهوية، والسببية، والأخلاق وحتى فكرة الله ذاتها. رأى لوك أن هذه الفكرة تستند إلى افتراضات موروثة تكرّس سلطة فكرية غير قابلة للنقد.
وطرح لوك تصوره الشهير للعقل بوصفه لوحًا فارغًا (Tabula Rasa) عند الولادة، خاليًا من أي مضمون معرفي مسبق. ووفقًا لهذا التصور، فإن كل ما يمتلكه الإنسان من أفكار ومعارف إنما يتكوّن تدريجيًا من خلال التجربة، التي تنقسم عنده إلى مصدرين أساسيين:
الأول هو الإحساس، أي المعطيات التي ترد إلى العقل عبر الحواس من العالم الخارجي؛
والثاني هو الانعكاس، أي تأمل العقل في عملياته الداخلية، مثل التفكير، والإرادة، والشك، والتذكر.
وبهذا المعنى، فإن حتى أكثر الأفكار تجريدًا—كفكرة العلية أو الجوهر أو العدالة—ليست سوى نتاج عمليات عقلية تُركّب انطلاقًا من مواد أولية حسية. وهكذا، قام لوك بما يشبه نزع القداسة الميتافيزيقية عن العقل، فلم يعد العقل مصدرًا للحقيقة المطلقة أو مشرّعًا قبليًا للمعرفة، لكنه أصبح أداة تنظّم الخبرة وتشتغل ضمن حدود التجربة .
امتد هذا الطرح ليطال الميادين السياسية والأخلاقية، إضافة إلى نظرية المعرفة. فرفض الأفكار الفطرية كان يعني ضمنيًا رفض الادعاء بوجود سلطات طبيعية أو حقوق إلهية مغروسة في أشخاص أو مؤسسات بعينها. وهذا ما ينسجم تمامًا مع السياق الإنجليزي في أعقاب الثورة المجيدة، حيث تصاعدت الدعوة إلى تقييد السلطة الملكية، وترسيخ مفهوم العقد الاجتماعي، والمساواة الطبيعية بين البشر.
وقد شكّلت فلسفة لوك المعرفية أساسًا فكريًا لليبرالية السياسية، إذ إن الإنسان، ما دام لا يولد مقيّدًا بأفكار أو مبادئ مفروضة سلفًا، فإنه يملك قابلية التشكّل الحر، ويحق له أن يختار معتقداته وقيمه ونظام حكمه. أن "مقال في الفهم البشري" كان بيانًا فلسفيًا ضد السلطوية الفكرية، ودعوةً إلى جعل التجربة والعقل النقدي أساسًا للمعرفة، بدلًا من التسليم بالتقاليد والمسلّمات الموروثة.
حين اطّلع غوتفريد فيلهلم لايبنتز على كتاب جون لوك نظر إليه على أنه تحدٍّ فلسفي جوهري يهدد مكانة العقل ذاته في بنية المعرفة الإنسانية. فمن منظور لايبنتز، إن التسليم الكامل بأطروحة لوك التجريبية يفضي إلى تفريغ العقل من فاعليته الداخلية، وتحويله إلى مجرد مستقبل سلبي للانطباعات الحسية، أشبه بوعاء تُسكب فيه الخبرات من الخارج دون أن يشارك في تشكيلها أو تنظيمها.
وقد رأى لايبنتز أن هذا التصور يختزل المعرفة إلى عملية تراكم ميكانيكي للمدركات الحسية، ويتجاهل السؤال الأعمق: كيف يمكن لتلك الانطباعات أن تتحول أصلًا إلى معرفة منظمة، وقوانين عامة، وحقائق ضرورية؟ فالتجربة وحدها، في رأيه، لا تستطيع أن تفسّر مفاهيم مثل الضرورة، والكلّية، والهوية، والعلّية، والرياضيات، وهي مفاهيم تتجاوز المعطى الحسي إلى مستوى عقلي أعلى.
ومع ذلك، كان موقف لايبنتز توفيقيًا نقديًا. فقد أقرّ بأن التجربة شرطٌ لا غنى عنه لايقاظ المعرفة، لكنه رفض أن تكون مصدرها الوحيد أو منشأها الأصلي. فالعقل، بحسب لايبنتز يولد مشحونًا باستعدادات فطرية، وميول عقلية، وبُنى منطقية كامنة، لا تظهر للوعي دفعة واحدة، وإنما تتكشف تدريجيًا عند احتكاك العقل بالتجربة.
وللتعبير عن هذا الموقف الدقيق، صاغ لايبنتز عبارته الشهيرة التي أصبحت من أكثر الجمل تداولًا في تاريخ نظرية المعرفة: "لا شيء في العقل لم يأتِ من الحواس، إلا العقل نفسه" .
بهذه الصيغة، يقبل لايبنتز بالشق الأول من المقولة التجريبية، لكنه يضيف الاستثناء الحاسم الذي يحفظ للعقل دوره الخلّاق والمنظِّم. فالحواس تمدّ العقل بالمواد الخام، أما العقل ذاته فهو الذي يمتلك القوانين الداخلية التي تتيح الفهم، والتركيب، والتجريد، والاستنباط.
ويرسم لايبنتز خطًا فاصلًا بين التجربة باعتبارها مثيرًا خارجيًا والعقل بوصفه فاعلًا نشطًا يضفي على الخبرة معناها وبنيتها. فالمعرفة هي نتاج تفاعل معقّد بين معطيات الحس وبنية عقلية سابقة تجعل الإدراك والفهم ممكنين أصلًا.
وقد مهّد لايبنتز الطريق لاحقًا للفلسفة النقدية عند إيمانويل كانط، الذي سيحاول بدوره تجاوز التعارض الحاد بين التجريبية والعقلانية، عبر القول بأن التجربة تمدّنا بالمادة، بينما يمدّنا العقل بالصورة، في تركيب لا تقوم المعرفة بدونه.
سجّل غوتفريد فيلهلم لايبنتس اعتراضاته على أطروحات جون لوك في ملاحظات دقيقة ومنهجية، وكانت مشروعًا نقديًا متكاملًا استهدف الأسس المعرفية للتجريبية اللوكية. وقد حرص لايبنتز على أن تصل هذه الملاحظات إلى لوك في إطارٍ وديّ وعلمي، فأرسلها عبر صديقه المشترك توماس بيرنيت إلى بريطانيا، آملًا في فتح نقاش فلسفي جاد حول طبيعة العقل، وحدود التجربة، ومصدر المعرفة الإنسانية.
غير أن ما واجهه لايبنتز كان تجاهلًا مقرونًا بنوع من الاستخفاف الثقافي. فلم يُقدِم لوك على الرد ردًا فلسفيًا مباشرًا، ولم يناقش الاعتراضات التي طُرحت عليه، رغم عمقها وأهميتها، إذ قابلها ببرودٍ فكري عبّر عنه في مقولة ساخرة أصبحت دالة على الموقف كله: "نحن نعيش بسلام مع إخواننا السادة الألمان، لأنهم لا يفهمون ما نكتب، ونحن لا نقرأ ما يكتبون ".
هذه العبارة، وإن جاءت في صيغة دعابة ثقيلة الظل، إلا أنها تكشف عن أكثر من مجرد موقف شخصي؛ فهي تعبّر عن هوة معرفية وثقافية عميقة بين نمطين من التفلسف كانا يتبلوران في أوروبا الحديثة. فمن جهة، تمثّل الفلسفة الإنجليزية نزعة عملية وتجريبية، تهتم بما هو نافع وقابل للاختبار، وتميل إلى الشك في التأملات الميتافيزيقية الكبرى. ومن جهة أخرى، تمثّل الفلسفة القارية، ولا سيما الألمانية، تقليدًا تأمليًا نسقيًا، يسعى إلى بناء أنظمة عقلية شاملة تفسّر المعرفة والوجود من الداخل.
كما تكشف هذه العبارة عن نزعة استعلاء معرفي، تفترض أن ما لا يُفهم ضمن الإطار التجريبي الإنجليزي لا يستحق القراءة أو النقاش. وبهذا الموقف، لم يُغلق لوك باب الحوار مع لايبنتز فحسب، إنما أسهم—عن قصد أو غير قصد—في ترسيخ القطيعة بين التيارين الفلسفيين، قطيعة ستظل تؤثر في تاريخ الفلسفة الأوروبية لعقود لاحقة.
ولعل المفارقة التاريخية تكمن في أن هذا الحوار الذي أُجهض في مهده، سيُستعاد لاحقًا بشكل أعمق وأكثر نضجًا على يد إيمانويل كانط، الذي أدرك أن تجاوز الصراع بين التجريبية والعقلانية لا يتم بالاستخفاف المتبادل، لكن عبر نقدٍ جذري يبيّن حدود كلٍّ منهما، ويؤسس لتركيب جديد يجعل من العقل والتجربة شريكين لا خصمين.
إن حادثة تجاهل اعتراضات لايبنتز تمثل لحظة كاشفة عن بدايات الانقسام البنيوي في الفلسفة الحديثة بين التقليد الإنجليزي العملي والتقليد القاري التأملي، وهو انقسام لا تزال آثاره حاضرة في الفلسفة المعاصرة.
إزاء هذا التجاهل الذي قوبلت به اعتراضاته، لم ينزلق لايبنتز إلى ردود فعل انفعالية أو سجالات شخصية، بل اختار مسارًا أكثر هدوءًا وعمقًا، مسارًا يتناسب مع رهانه الفلسفي الأساسي: الكتابة المنهجية طويلة النفس. فقد أدرك أن الرد الحقيقي على أطروحة لوك يكون ببناء بديل نظري متماسك قادر على الصمود أمام الزمن.
ومن هنا شرع في تأليف كتابه الشهير: "مقالات جديدة في الفهم البشري" وهو عمل فريد في تاريخ الفلسفة الحديثة، من حيث مضمونه ومن حيث شكله الحواري. فقد صاغ لايبنتز الكتاب على هيئة حوار فلسفي بين شخصيتين رمزيتين:
شخصية تمثل أفكار جون لوك وتجسّد الموقف التجريبي،
وشخصية أخرى تمثل موقف لايبنتز العقلاني النقدي.
وبهذا الاختيار الأسلوبي، أجبر لايبنتز خصمه على “الحضور” داخل النص، حتى في غيابه الفعلي، وجعل من أطروحات لوك مادة للنقاش التفصيلي، فقرةً فقرة، وحجةً بحجة. ولم يكن هدفه من هذا الحوار الانتصار الجدلي أو تسجيل الغلبة الفكرية، إنما إنقاذ العقل من الاختزال إلى مجرد مستقبل سلبي للانطباعات الحسية.
وقد ركّز لايبنتز في هذا العمل على الدفاع عن فكرة أن المبادئ الرياضية والمنطقية والأخلاقية لا يمكن ردّها إلى التجربة وحدها. فالتجربة، في أفضل الأحوال، لا تقدّم سوى وقائع جزئية وأمثلة متكررة، لكنها تعجز عن تأسيس مفاهيم الضرورة والكلّية، وهما عنصران أساسيان في المعرفة العلمية واليقينية. فقولنا إن 2 + 2 = 4، أو إن التناقض محال، أو إن العدل قيمة واجبة، يستمد يقينه من بنية عقلية تتجاوز التجربة.
وخلص لايبنتز إلى ضرورة الاعتراف بوجود مبادئ عقلية سابقة على التجربة، غير أنها تُفهم باعتبارها استعدادات وقوى كامنة في العقل، لا تنكشف إلا حين تثيرها الخبرة الحسية. فالتجربة توقظ ما هو كامن، لكنها لا تخلقه من العدم.
وقدّم لايبنتز صيغة متقدمة من العقلانية تؤكد أن المعرفة الحقيقية هي ثمرة تفاعل خلاق بين ما يأتينا من الخارج وما يحمله العقل في بنيته الداخلية. وهو بذلك أسهم في تمهيد الطريق أمام المشروع الكانطي، الذي سيحوّل هذا الحوار المؤجل بين لوك ولايبنتز إلى لحظة تأسيسية في تاريخ الفلسفة النقدية الحديثة.
لم يُقدَّر لكتاب لايبنتز "مقالات جديدة في الفهم البشري" أن يرى النور في حياة جون لوك، إذ لم يُنشر إلا بعد وفاة الأخير، وهو ما حال دون تحقّق الحوار المباشر بين الفيلسوفين وجهًا لوجه. غير أن غياب هذا الحوار التاريخي لم يعنِ أبدًا إغلاق الملف الفلسفي الذي فتحه الخلاف بينهما، على العكس، فقد تحوّل هذا الجدل إلى قضية مركزية في الفلسفة الحديثة، وانتقل من مستوى السجال بين شخصين إلى مستوى البحث في شروط إمكان المعرفة ذاتها.
فبعد عقود، سيأتي "إيمانويل كانت" ليعيد قراءة هذا النزاع قراءة تركيبية، معتبرًا أن كِلَا الطرفين أصاب جانبًا من الحقيقة. فقد رأى" كانت" أن لوك كان محقًا في رفض فكرة الأفكار الفطرية الجاهزة والمكتملة الحضور في العقل منذ الولادة، لأن هذا التصور يفضي إلى ميتافيزيقا غير نقدية تتجاوز حدود التجربة الممكنة. وفي الوقت نفسه، أقرّ بأن لايبنتز كان محقًا في دفاعه عن وجود بنية عقلية قبلية، أي أشكال ومقولات ذهنية سابقة على التجربة، لا تستمد مشروعيتها منها، بل تجعلها ممكنة أصلًا.
وقد صاغ كانط موقفه الشهير الذي جمع بين التجريبية والعقلانية، مؤكدًا أن المعرفة تنشأ من تفاعل ضروري بين الحس والعقل ، فالتجربة تمدّنا بالمادة الخام للمعرفة، بينما يمدّنا العقل بالصورة والتنظيم. وبهذا المعنى، لا تكون التجربة ممكنة من دون العقل، ولا يكون العقل مثمرًا من دون التجربة.
إن الخلاف بين لوك ولايبنتز كان بداية سؤال فلسفي حاسم سيظل يوجّه التفكير الفلسفي حتى اليوم، وهو سؤال شروط إمكان المعرفة الإنسانية:
كيف تكون المعرفة ممكنة؟
وأين ينتهي دور التجربة، وأين يبدأ دور العقل؟
إن هذا السؤال، الذي وُلد من رحم ذلك الجدل أسّس لما سيُعرف لاحقًا بالفلسفة النقدية، واضعًا حدًا للقطيعة بين الحس والعقل، ومفتتحًا أفقًا جديدًا لفهم الإنسان بوصفه كائنًا معرفيًا فاعلًا، لا متلقيًا سلبيًا ولا عقلًا معزولًا عن العالم.
#رياض_قاسم_حسن_العلي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟