أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رياض قاسم حسن العلي - السندباد البحري















المزيد.....



السندباد البحري


رياض قاسم حسن العلي

الحوار المتمدن-العدد: 8574 - 2026 / 1 / 1 - 07:19
المحور: قضايا ثقافية
    


تُعد شخصية السندباد البحري من أبرز الشخصيات الرمزية في التراث العربي، وواحدة من أيقونات الأدب الشعبي والخيال البحري. ارتبطت مغامراته بالرحلات البحرية والمخاطر والاكتشافات، مما جعله رمزًا للمغامرة والشجاعة والخيال الإبداعي. على الرغم من جذورها التاريخية في التراث الهندي والفارسي، فقد تم تكييف قصصه ضمن الثقافة العربية الإسلامية، لتصبح جزءًا من التراث الشعبي في الخليج العربي، ومدينة البصرة على وجه الخصوص ، حيث سميت إحدى الجزر الجميلة وسط شط العرب باسمه، والتي كانت وجهة سياحية باذخة الجمال.
وامتدت تأثيرات السندباد إلى الأدب الحديث والفن الشعبي، بما في ذلك الشعر والمسرح والسينما والمسلسلات الكارتونية، ليجسد قيم البحث والاستكشاف والتجربة الإنسانية. ويهدف هذا البحث إلى دراسة شخصية السندباد من زاوية تاريخية وأدبية وفنية، وتحليل أبعادها الرمزية ودورها في تشكيل المخيال الثقافي العربي عبر العصور.

● سرقة السندباد
في بطولة الخليج التي أقيمت في مدينة البصرة، تم اختيار شخصية السندباد البحري كأيقونة تمثل البطولة وروح المنافسة، نظرًا لما تمثله من رمز للمغامرة والشجاعة والبحرية العربية الأصيلة. فقد ارتبط السندباد في الذاكرة الشعبية بملاحم البحارة في البصرة، وما يحمله من إرث ثقافي وتاريخي عميق يعكس حضارة الملاحة والتجارة البحرية في المنطقة.
ومع ذلك، فإن هذه الأيقونة البصرية والتراثية العراقية، التي كانت جزءًا من هوية البطولة وعلامة على التراث العراقي والخليجي المشترك، تعرضت لاحقًا لما وُصف بأنه استيلاء أو سرقة ممنهجة من قبل بعض الجهات الكويتية، حيث تم تبني رمز السندباد واستخدامه ضمن فعاليات ثقافية وفنية دون الإشارة إلى جذوره العراقية أو البصرية. وقد أثار هذا الحدث جدلاً واسعًا حول حقوق التراث الثقافي وأصالة الرموز التاريخية، وأهمية حماية الهوية الثقافية المشتركة في مواجهة محاولات تملكها أو تزييف تاريخها.

نتذكر جميعًا الأوبريت الغنائي الذي قدّمه المغني الكويتي شادي الخليج مع المغنية الكويتية المعروفة بأدائها للأغاني الوطنية، سناء الخراز، سنة 1979، والمسمى "مذكرات بحار"، وهو قصيدة للشاعر الكويتي محمد الفايز العلي ، أصدرها في ديوانه الذي يحمل نفس الاسم سنة 1962، ولحن الأوبريت الملحن غنام الديكان، والذي يقول فيها:
أوّاهُ يا أرضَ الحرائقِ والسّمومْ
البحرُ أحنى من ضِفافِكِ، والشراعْ
أذرى إليَّ من الصنوبرِ يا بحارْ
الملحُ فيكِ ألذُّ من عِنبِ الدوالي في المدينةْ
فخُذي شراعي يا رياحُ، خُذي السفينةْ
سأعيدُ للدُّنيا حديثَ "السندبادْ"

ولد الشاعر محمد الفايز العلي في العراق ضمن أسرة كويتية، وقد وردت هذه المعلومة في عدة مصادر تؤكد جذوره الكويتية رغم ولادته في العراق. ويُعد الفايز من أبرز شعراء المرحلة الثانية في المشهد الشعري الكويتي، حيث جاء بعد جيل روّاد الشعر الكويتي مثل أحمد العدواني وأحمد السقاف، وبرز إلى جانب شعراء معاصرين لهم تأثير ملحوظ مثل خليفة الوقيان وعلي السبتي.
بدأ الفايز مسيرته الأدبية في المجال السردي، قبل أن يتحول تدريجيًا إلى الشعر، حيث امتاز بأسلوبه الحداثي الذي جمع بين الأصالة والتجديد، مع محاولة التعبير عن التجربة الإنسانية بطريقة عميقة ومباشرة. أصدر خلال حياته عدة دواوين شعرية، تناول فيها موضوعات متعددة تتعلق بالهوية، والوطن، والحرب، والتجربة الإنسانية، وجاء آخر ديوان له بعنوان "تسقط الحرب" سنة 1989، ليشكل بذلك خاتمة لمسيرته الأدبية ويعكس تحوله النهائي إلى النص الشعري الحديث.
يُعد محمد الفايز أحد أبرز شعراء الحداثة في الكويت، حيث ساهمت أعماله في تطوير الخطاب الشعري وتقديم أشكال جديدة في القصيدة، معتمداً على لغة صافية ومباشرة، وأسلوب يتسم بالعمق الفكري والحس الفني، ما جعله علامة مميزة في تاريخ الشعر الكويتي الحديث.

وفي سنة 1978، عُرضت مسرحية "السندباد البحري" في الكويت، وهي من إنتاج مؤسسة البدر للإنتاج الفني، ومن تأليف الكاتب المصري المعروف محفوظ عبد الرحمن، وإخراج منصور المنصور. وقد مثل فيها كل من عبد الرحمن العقل، واستقلال أحمد، وخالد العبيد، وهدى حسين. وكانت المسرحية استعراضية غنائية موجهة إلى الأطفال.
هنا استوقفتني أغنية "بلادنا حلوة" التي غناها خالد العبيد، وعبد الرحمن العقل، واستقلال أحمد في المسرحية، وكتب كلماتها عبد الأمير عيسى ولحنها أحمد البابطين. حيث غنى سامي قفطان بنفس اللحن أغنية "أطفالنا سيروا"، وهي الأغنية التي صُورت على نهر دجلة، وظهرت في برنامج "افتح يا سمسم" حيث غناها الطائر "ميسلون" الذي أدى صوته الفنان عبد العزيز المسباح، ثم ظهرت لاحقًا بصوت سامي قفطان.

وفي سنة 1997، عُرض مسلسل "عودة السندباد" الذي كتبته إقبال أحمد، وأخرجه حسين المفيدي، ومثل فيه كل من علي المفيدي، وإبراهيم الحربي، وعبد الرحمن العقل. وهو من ضمن المسلسلات التاريخية الخيالية التي دأب التلفزيون الكويتي على إنتاجها منذ الثمانينات.

وفي سنة 1982، صدرت الترجمة العربية لكتاب "أبناء السندباد" الذي كتبه الكاتب والمصور والملاح الأسترالي ألن فلييزر (1891-1982)، وترجمه الدكتور الفلسطيني نايف خرما، صاحب كتابي "أضواء على الدراسات اللغوية المعاصرة" و"اللغات الأجنبية" الصادرين عن سلسلة عالم المعرفة. وقد كتب فلييزر هذا الكتاب كتوثيق لرحلته التي رافقه فيها النوخذة والتاجر الكويتي علي النجدي (1915-1979)، الذي توفي غرقًا عندما كان في رحلة صيد بحري في الخليج.
وبالرغم من حرص فيليرز على التوثيق الدقيق والاعتماد على الملاحظة المباشرة، إلا أن القارئ لا يستطيع تجاهل الطابع الذاتي لرؤية المؤلف، الناتج عن خلفيته الثقافية الأوروبية وانتمائه العرقي، وهو ما أضفى على النص بعداً نقدياً وساخرًا في بعض المواضع. يظهر هذا الاختلاف بوضوح عند مقارنة نظرة المؤلف إلى البحار العربي مع فهم العربي لذاته وقيمه وموروثاته الثقافية، ما يجعل الكتاب مادة غنية بالمفارقات التي تستحق الدراسة والتحليل.
وقد كتب الروائي الكويتي طالب الرفاعي رواية "النجدي" كتوثيق سردي لسيرة هذا النوخذة، والتي صدرت عن دار ذات السلاسل في الكويت سنة 2017. وقد ورد عنوان فرعي في كتاب "أبناء السندباد":
"قصة الإبحار مع العرب في مراكبهم الشراعية في البحر الأحمر، وحول ساحل الجزيرة العربية، إلى زنجبار وتنغانيقا، وقصة الغوص على اللؤلؤ في الخليج العربي، مع وصف حياة النواخذة - أي ربابنة السفن - والبحارة والتجار في الكويت."وترجم الكتاب بأسلوب رائع، ويحوي معلومات مفيدة حول الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
وللشاعرة الكويتية سعاد الصباح قصيدة بعنوان "بطاقات من حبيبتي الكويت"، والتي جاءت ضمن ديوانها "برقيات عاجلة إلى وطني" الصادر عام 1990. قامت الملحنة أنور عبد الله بوضع اللحن لهذه القصيدة، وقد أدى غناءها عدد من المغنين الكويتيين، منهم عبد الكريم عبد القادر، عبد الله رويشد، محمد البلوشي، محمد المسباح، ونوال ، وتم تصوير العمل عام 1995 وبُثّ عبر تلفزيون الكويت، ليصل إلى جمهور واسع في الكويت وخارجها، وقد جسدت القصيدة في كلماتها سرقة واضحة للسندباد حيث تقول:
"سندباد كان بحارًا خليجيًا عظيمًا من هنا
والذين اشتركوا في رحلة الأحلام هم أولادنا
والمجاديف التي شقت جبال الموج كانت من هنا
إننا نعرف هذا البحر جيدًا كما يعرفنا
فعلى أمواجه الزرق ولدنا
ومع الأسماك في البحر سبحنا
ومع الصبيان في الحي لعبنا وسهرنا وعشقنا"
وبعد أكثر من عقدين، أعاد المغني نبيل شعيل أداء جزء من هذه القصيدة على شكل إعلان لشركة زين للاتصالات سنة 2018. وقد ظهر في المقطع الذي غناه السندباد إلى جانب كل من شهيد العميري والطفل عبد الرحمن بشار الشطي. قام بشار الشطي بوضع اللحن للمقطع، ووزّعه موسيقيًا ربيع الصيداوي، بينما تولّى إخراج الإعلان عبد العزيز الجسمي، ليجمع بين روح القصيدة التراثية واللمسة المعاصرة للترويج الإعلامي.
ويطرح هذا الأمر سؤالاً جوهريًا يستحق التدقيق والتحليل التاريخي: إذا افترضنا جدلاً أن شخصية السندباد كانت شخصية حقيقية وليست خيالية، فهل يمكن القول إن الكويت كانت موطناً له؟ الإجابة التاريخية تشير إلى صعوبة هذا الافتراض، إذ إن الكويت في تلك الحقبة التاريخية لم تكن قد ظهرت بعد على مسرح التاريخ ككيان مأهول أو مستقل، ولم يكن يسكنها البشر بشكل دائم كما هو الحال لاحقًا بقرون عديدة.
ففي العصور الإسلامية المبكرة، كانت منطقة الكويت مجرد أراضٍ صحراوية مع بعض الواحات القليلة، وتمر عبرها قوافل التجار والحجاج، لكنها لم تتطور بعد لتصبح موانئ أو مدن مأهولة تؤهلها لتكون قاعدة لانطلاق مغامرات بحرية طويلة، كما هي حال السندباد في القصص. بناءً على ذلك، يبدو أن الأصول الحقيقية لرحلات السندباد كانت مرتبطة بموانئ مثل البصرة وصحار وموانئ خليجية أخرى كانت مركزاً لتجارة اللؤلؤ والملاحة البحرية في الخليج العربي، وليس بالكويت التي كانت آنذاك مجرد أراضٍ صحراوية غير مستقرة.
وبالتالي، أي ربط بين شخصية السندباد والكويت يبدو في ضوء الدراسات التاريخية ربطًا رمزيًا أو ثقافيًا متأخرًا، أكثر منه حقيقة تاريخية. هذا الربط ربما جاء لاحقًا نتيجة محاولة كويتية لطمس كل مايمت للعراق بصلة.

● مسلسل السندباد الكارتوني:

لا يمكن الحديث عن السندباد دون الإشارة إلى المسلسل الكرتوني "مغامرات السندباد"، الذي يمثل نقطة هامة في نقل حكايات هذا البطل البحري إلى الجمهور الشبابي في العالم العربي. أُنتج المسلسل بواسطة شركة نيبون أنيميشن اليابانية، إحدى أبرز الشركات في مجال الرسوم المتحركة، وكتب قصته تاكاهاشي فومي مستوحاة من قصص السندباد المأخوذة من ألف ليلة وليلة وغيرها من الحكايات الشعبية العربية. وقد أخرجه فوميو كوروكاوا، ما منح العمل طابعاً فنياً مميزاً يجمع بين الأسلوب الياباني في الرسوم المتحركة وبين الروح المغامراتية الشرقية.
عُرض المسلسل لأول مرة عام 1975 تحت العنوان الياباني "Arabian Naighto Shindobato no Bouken"، والذي يُترجم تقريباً إلى "مغامرات السندباد العربية الجديدة". بعد نجاحه في اليابان، تم دبلج المسلسل إلى اللغة العربية، ليحظى باهتمام واسع ومتابعة جماهيرية كبيرة في منطقة الشرق الأوسط، خاصة بين الأطفال والمراهقين. وقد ساهم الدبلج العربي في تقريب الحكايات من الجمهور المحلي، مع المحافظة على روح المغامرة والأساطير البحرية التي تميز شخصية السندباد.
يمثل هذا المسلسل مثالاً على انتقال التراث الشعبي العربي إلى وسائل الإعلام العالمية، كما يعكس الاهتمام الياباني بالأدب الشرقي التقليدي وإعادة تقديمه بأسلوب جذاب يناسب الأطفال والشباب، مما ساعد على تعزيز الوعي الثقافي والتاريخي بأبطال الرحلات البحرية والأساطير العربية، خاصة حكايات السندباد، لدى أجيال جديدة خارج بيئتها الأصلية.

● السندباد في الشعر العربي:

يعد الشاعر صلاح عبد الصبور من الرواد الذين وظفوا شخصية السندباد رمزًا للرحلة والاستكشاف، وأسقطوا هذا الرمز على الواقع العربي المعاصر، فاستعانوا به كقناع يسمح لهم بطرح تأملاتهم في الحياة والمجتمع والسياسة دون قيود مباشرة. يمكن ملاحظة هذا بوضوح في قصيدته "رحلة في الليل"، حيث حوّل عبد الصبور الرحلة البحرية الأسطورية للسندباد إلى رحلة ليلية رمزية، تفيض بالبحث المستمر عن الذات والمعرفة، وفي الوقت نفسه تحمل نقدًا ضمنيًا للواقع. فيقول عبد الصبور:
"في آخر المساء يمتلي الوساد بالورق
كوجه فأر ميت طلاسم الخطوط
وينضح الجبين بالعرق
ويلتوي الدخان أخطبوط
في آخر المساء عاد السندباد
ليرسي السفن
وفي الصباح يعقد الندمان مجلس الندم
ليسمعوا حكاية الضياع في بحر العدم."
تأتي هذه الصورة الشعرية غنية بالرمزية حيث المساء الملبد بالبؤس والدخان يمثل الواقع العربي بكل ما فيه من ألم وضياع، في حين أن السندباد، بعودته وعبوره للظلام، يعكس الأمل في البحث والمغامرة رغم المحن. وما يميز عبد الصبور أنه يحافظ على روح التفاؤل والتجديد، كما يظهر في أبياته:
"في الفجر يا صديقتي تولد نفسي من جديد
كل صباح أحتفي بعيدها السعيد
ما زلت حيًا! فرحتي! ما زلت والكلام والسباب والسعال..."
هذه الروح المتجددة تكشف عن علاقة السندباد بالحرية الداخلية والتطلّع إلى مستقبل أفضل، فتظل الرحلة المستمرة رمزًا للتفاؤل والبحث عن الأمل وسط الواقع القاسي.
وبالمثل، نجد أن الشاعر خليل حاوي وظف شخصية السندباد في أعماله الشعرية ليصبح المعادل الموضوعي لتجاربه الخاصة، من خلال قصائد مثل: "وجوه السندباد"، و"السندباد في رحلته الثامنة"، و"البحار والدرويش". عند حاوي، تتحول شخصية السندباد إلى ناطق باسم الشاعر، فتصبح أسفاره متوازية مع أسفار الشاعر، وأحلامه وتطلعاته تجسيدًا لرغبات الشاعر الداخلية، فتكتب الشخصية الشعرية نفسها لتخدم مقولات الانبعاث وعدم الاستسلام للموت والتجدد الدائم، كما يوضح في أبياته:
"ولم أزل أمضي وأمضي خلفه
أحسه عندي ولا أعيه
أود لو أفرغت داري عله
إن من تغويه وتدعيه
أحسه عندي ولا أعيه"
هنا، يتحول السندباد إلى كيان شعوري وروحي يمثل دافع البحث المستمر، ويصبح البعد الرمزي للشخصية أداة للشاعر لتشكيل رؤيته للعالم كبشارة جمالية ومعرفية، كما يوضح في قوله:
"عدت إليكم شاعرًا في فمه بشارة
يقول ما يقول
بفطرة تحس ما في رحم الفصل
تراه قبل أن يولد في الفصول"
بهذه الطريقة، يبرز السندباد كرمز شعري متجدد، يستطيع الشعراء من خلاله تجاوز الحدود التقليدية للرواية التراثية، واستثمارها في نصوص معاصرة تحمل معانٍ متعددة ، البحث، التجربة، الانبعاث، والمغامرة. وبالرغم من تعدد النصوص والأساليب، فإن شخصية السندباد حافظت على جاذبيتها، لتصبح أداة للتجربة الإبداعية لدى الشعراء، وساحة لربط التراث بالمستقبل، والفرد بالمجتمع، والأسطورة بالواقع المعاصر.( يراجع في هذا الصدد مقالة " اسطورة السندباد في الشعر المعاصر" للدكتور طامي الشمراني المنشورة في جريدة الرياض) .

● الأصل التاريخي لشخصية السندباد

تعد شخصية السندباد من أشهر الشخصيات التي وردت في قصص ألف ليلة وليلة، وهي في الأصل حكايات مترجمة عن الفارسية والهندية، ثم تم تعريبها لتتناسب مع الأجواء البغدادية والثقافة العربية. وقد أشار إليها ابن النديم في كتابه الفهرست باسم هزار افسان، والذي يعني بالعربية "ألف خرافة"، في إشارة إلى طبيعة الحكايات المليئة بالمغامرات والخيال.
وفي هذا السياق، تناول الشاعر والناقد العراقي سامي مهدي في كتابه الصادر عام 1984 بعنوان ألف ليلة وليلة… كتاب عراقي أصيل أصل هذه الحكايات، موضحًا موقفه من الجدل القائم حول نسبتها، ورد على من نسبها إلى فارس، الهند، أو اليونان، مؤكدًا الطابع العراقي في نقلها وتجميعها في نسختها النهائية.
حيث يعيد مهدي في بحثه قراءة النصوص القديمة التي استند إليها المستشرقون، ثم الباحثون العرب، للاقتناع بفكرة أن الكتاب مترجم من الفارسية. ويرى مهدي أن هؤلاء الباحثين أخطأوا في تفسيرهم للنصوص القديمة، خاصة نص المسعودي في "مروج الذهب" وابن النديم في "الفهرست". بعد دراسة متأنية، يفرق مهدي بين كتاب "ألف ليلة وليلة" وكتاب "هزار أفسان"، ويستنتج أن الكتاب الأصلي، أو ما يسميه "الأم القديمة"، ألِّف في العراق باللغة العربية، قبل أن تنتقل نسخ منه إلى الشام ومصر، حيث تم تحريفها وإدخال إضافات على أيدي الرواة الشعبيين.
يقول مهدي:
"من حين إلى آخر أعود للمتعة بقراءة كتب قديمة، ومن بينها كتاب ألف ليلة وليلة . ومع كل قراءة أطرح أسئلة قديمة جديدة، قديمة لأنها بدأت منذ دراسة المستشرقين للكتاب في القرن الثامن عشر، وجديدة لأنها لم تحظ بأجوبة قاطعة ومقنعة، على الأقل في رأيي. وعندما قرأت نسخة الدكتور الراحل محسن مهدي، تأملت مقدمته وتساءلت مجدداً: هل الكتاب الأصلي أجنبي مترجم، أم عربي مؤلف بلغة العرب؟ هل هو من السرود الشفهية أم من السرود المكتوبة؟ وهل أصله عراقي، أم مصري، أم شامـي؟"
ويشير مهدي إلى أن "الأم القديمة" هي نسخة الكتاب الأصلية قبل تحريفه وإدخال الإضافات عليها، وأن تصورها ممكن إذا ما رسمنا شجرة نسب للنسخ الخطية التي وصلتنا، كما فعل الدكتور محسن مهدي في مقدمة كتابه "ألف ليلة وليلة، من أصوله العربية الأولى". ولهذا السبب، يركز سامي مهدي في بحثه على هذه النسخة، ويستبعد الطبعات الأخرى بما فيها طبعة بولاق في مصر، لأنها تحتوي على زيادات أُدخلت لاحقاً وابتعدت عن الأصل.
يقول سامي مهدي : " أعتقد ، على أية حال ، أن كتاب ‘ ألف ليلة وليلة ‘ كتاب آخر غير كتاب ‘ هزار أفسانة ‘ . إذ لو كان هو نفسه لقال لنا المسعودي وغيره بوضوح إنه هو ، ولاحتوى الكتاب نفسه على قصص يعود زمنها إلى عهود قديمة سبقت ظهور الإسلام بكثير ، ولكان أبطال هذه القصص الأساسيون من غير المسلمين ، ولكانت المدن الإيرانية ، وليس بغداد والبصرة والموصل والقاهرة ودمشق وحلب ، هي مسرحه ، ولغدت بيئته غير البيئة العباسية ، ولوردت فيه أسماء الملوك الفرس ولم يرد اسم الخليفة هارون الرشيد وزوجه زبيدة ووزيره جعفر وخادمه مسرور . ولكن شيئاً من هذا لم يحدث ، الأمر الذي يزيدني قناعة بأن كتاب ‘ هزار أفسانة ‘ شيء ، وكتاب ‘ ألف ليلة وليلة ‘ شيء آخر .
ولرب سائل يسأل : وماذا عن حكاية شهرزاد ودنيا زاد التي وردت في وصف المسعودي لكتاب ‘ هزار أفسانة ‘ ؟ ألا يكفي وجودها في كتاب ‘ ألف ليلة وليلة ‘ دليلاً على أنه هو نفسه ذلك الكتاب ؟"
ويضيف : " لهذا كله أشعر بالأسف حين أجد عدداً من الباحثين العرب الذين كتبوا عن هذا الكتاب ، أعني كتاب ‘ ألف ليلة وليلة ‘ الأم ، قد توهموا فحسبوه كتاباً مترجماً . وبدلاً من أن يتحققوا من هذا الأمر ويدققوا في هوية الأم القديمة للكتاب ، تشاغلوا بالدفاع عن صوره المتأخرة التي وصل بها إلينا ، وراحوا يدافعون عن عروبة هذه الصور ، بدلاً من الدفاع عن عروبة الكتاب الأم نفسه ، بسبب قراءة نصي المسعودي وابن النديم قراءة سريعة . فهذا ما وقع فيه الأساتذة الفضلاء : محمود تيمور وأحمد أمين وسهير القلماوي وبيومي السباعي ومحمد مفيد الشوباشي وأحمد الشحاذ وغيرهم ."

وبرأيي فإن اسم "سندباد" يحمل دلالات متعددة، حسب التفكيك اللغوي:
سن: إله القمر البابلي.
دو: الخالق، كما في أسماء قديمة مثل أن كي دو.
باد: العبد.
وبالتالي يصبح المعنى المجمع للاسم: عبد الخالق.

ويُظهر البحث المعاصر حول أصل شخصية السندباد البحري تعدد الرؤى والافتراضات، ما يعكس الطبيعة المركبة لهذه الشخصية التي تجمع بين الأسطورة والتاريخ والرحلة البحرية. فقد اختلف الباحثون في تحديد ما إذا كانت قصص السندباد محض خيال أدبي مستوحى من الأساطير البحرية، أم أنها مأخوذة من أحداث تاريخية حقيقية شهدها البحارة العرب والفارسيون.
حيث يرى فريق من الباحثين أن شخصية السندباد نتجت عن نسج خيالي متأثر برحلات ومغامرات البحارة العرب في الخليج العربي وخليج عمان، وأن هذه الحكايات كانت منتشرة بشكل واسع في ميناء البصرة والموانئ الساحلية الأخرى. وقد ساهم الرحّالة والقبطان بزرك بن شهريار، المنحدر من خوزستان في القرن العاشر الميلادي، في جمع هذه الحكايات في كتابه المعروف باسم "عجائب الهند بره وبحره وجزائره"، إلا أن الكتاب لم يشر إلى اسم السندباد، حيث اكتفى بتوثيق الحكايات البحرية والتجارية التي كانت متداولة بين البحارة والتجار العرب.

وذهب فريق آخر من الباحثين إلى التأكيد على أن شخصية السندباد البحري قد تكون مستوحاة من تاجر عربي حقيقي عاش في العصر العباسي الأول، وسكن مدينة البصرة، التي كانت آنذاك مركزًا تجاريًا مهمًا يربط بين الخليج العربي والهند والصين عبر المحيط الهندي. ويُستدل على هذا الارتباط بموقع جزيرة موجودة اليوم على شط العرب، تسمى "جزيرة السندباد"، حيث يُعتقد أن البحار كان يخيم هناك قبل انطلاقه في رحلاته البحرية الطويلة.

في عمان، يُسود اعتقاد بين الناس أن شخصية السندباد البحري ترجع إلى بحار من مدينة صحار، التي كانت عاصمة قديمة للبلاد وواحدة من أهم الموانئ البحرية في الخليج العربي. فقد كان ميناء صحار نقطة انطلاق للتجار والبحارة نحو شبه القارة الهندية والصين، وفق طرق التجارة البحرية المعروفة آنذاك، مما يجعل السندباد رمزًا للمغامرة والتجارة البحرية العمانية.

وتشير بعض الدراسات إلى أن أصل اسم "سندباد" قد يكون فارسيًا، ويستند إلى كلمتين هما "بند آباد ، التي تعنيان "زعيم نهر السند"، ما يعزز فكرة أن شخصية السندباد البحري قد تكون مرتبطة بالبحارة والتجار الفرس الذين لعبوا دورًا مهمًا في طرق التجارة البحرية.
وتشير العديد من المصادر التاريخية والدراسات التراثية إلى أن شخصية السندباد البحري كان لها أساس حقيقي في التاريخ. فبحسب هذه المصادر، فإن السندباد الحقيقي يُرجَّح أنه كان مغامرًا وتاجرًا فارسيًا بارزًا يُعرف باسم سليمان السيرافي.
وسليمان السيرافي عاش في الحقبة العباسية، ويعود له الفضل في توثيق رحلاته البحرية الممتدة من بلاد فارس إلى جنوب الصين، والتي يقدر أنها بدأت حوالي عام 775 ميلادي. وقد أطلق عليه لقب "السيرافي" نسبة إلى ميناء سيراف، وهو ميناء مهم وذو شهرة واسعة في العهد العباسي، كان مركزًا رئيسيًا للتجارة البحرية بين الخليج العربي وبلاد فارس وبلاد الصين، وكان يشكل نقطة انطلاق أساسية للتجار والمسافرين العرب والفارسيين نحو شرق آسيا.
ويعتبر السيرافي من أوائل الرحالة العرب الذين سجلوا ملاحظات دقيقة حول السلع والمنتجات الصينية، ومن بينها الشاي، الذي أشار إلى وجوده في الصين قبل انتشار استعماله في العالم الإسلامي وأوروبا. هذه الملاحظات وثّقت جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والتجارية في تلك الحقبة، مثل أنماط التجارة، وأهمية الموانئ، وطرق الملاحة البحرية، والأساليب المتبعة في بناء السفن العربية التقليدية.
إن توثيق السيرافي لرحلاته جعل من شخصية السندباد البحري أكثر قربًا للواقع التاريخي، حيث أصبح واضحًا أن الأسطورة، رغم طابعها الخيالي والمغامرات المدهشة التي رُويت عنه في قصص ألف ليلة وليلة، مستوحاة من رحلات وتجارب حقيقية لتجار ومغامرين عرب وفارسيين، أبحروا في المحيط الهندي وخليج العرب وصولًا إلى الصين وجنوب شرق آسيا، حاملين معهم البضائع، والثقافة، والمعرفة.
ويرى سامح عسكر أنّه عند تتبع أصول قصص السندباد، يتضح أن أول ذكر تاريخي لها في التراث العربي الإسلامي جاء على يد المؤرخ أبو الحسن المسعودي (تـ 346هـ/957م) في كتابه «مروج الذهب»، حيث أشار إلى شخصية سندباد في سياق سرد أحداث ملكية قائلاً:
"ثم ملك بعده كورش.. فخرج عن مذاهب من سلف، وكان في مملكته وعصره سندباد، دون له كتاب الوزراء السبعة والمعلم والغلام وامرأة الملك، وهو الكتاب المترجم بالسندباد" (مروج الذهب 1/29).
وبعد هذا التدوين، جاء ابن حزم (تـ 384هـ/994م) ليذكر شيئًا مشابهًا في «رسائل ابن حزم»، حيث قال:
"وبعضهم يقول بتناسخ الأرواح، كصاحب كتاب سندباد من فلاسفة الهند" (رسائل ابن حزم 3/140) ، من خلال كلام المسعودي وابن حزم، الذين عاشا في القرنين الثالث والرابع الهجري (التاسع والعاشر الميلادي)، يتضح أن أصل حكايات السندباد يعود إلى التراث الهندي والفكر الفلسفي الهندي، خاصة الفلاسفة الذين يؤمنون بمبدأ تناسخ الأرواح. هذه الرؤية تُفسر بعض خصائص السندباد في القصص، مثل روحه المغامرة في البحر، واستكشاف الممالك والجزر الغريبة، وقتاله للوحوش والمخلوقات العجيبة، على أنها وسائل تمنح البطل مكانة بطولية في حياته الأخرى، أي أنه في كل مغامرة يُثبّت موقعه ويحقق نبوءة وجوده في الحياة القادمة.
وقد امتد تأثير التراث البحري أيضًا في الأدب الفارسي، حيث كتب ظهير سمرقندي في القرن السادس الهجري (أي الثاني عشر الميلادي) كتابًا بعنوان "سندباد نامه"، الذي وثّق مغامرات شخصية تشبه إلى حد كبير شخصية السندباد البحري العربي. ويعد هذا العمل دليلًا مهمًا على أن حكايات السندباد كانت جزءًا من التراث الثقافي البحري لشرق العالم الإسلامي، يعكس معرفة البحارة وأساليب الملاحة والتجارة والمغامرة في تلك الحقبة.
ومحمد بن علي الظهيري السمرقندي كان أحد الكتّاب والأدباء البارزين في أواخر القرن السادس الهجري وبداية القرن السابع الهجري. تميز في خدمته لبلاط الحكام الذين كانوا يسيطرون على منطقة ما وراء النهر، وهم من سلالة آل أفراسياب، وهي إحدى الأسر الحاكمة المعروفة في تلك الفترة. ورغم أننا لا نملك معلومات دقيقة عن تاريخ ميلاده أو وفاته، إلا أن المصادر تؤكد أن الظهيري السمرقندي كان يحظى بمكانة مرموقة داخل البلاط الملكي، وكان يحظى باحترام الحكام لما له من كفاءة عالية في الكتابة وصقل الأدب.
كان محمد بن علي الظهيري كاتباً وأديباً غزير الإنتاج، وله العديد من المؤلفات التي تم تدوينها وكتابتها، ومن أبرز أعماله كتاب "أغراض السياسة في أعراض الرياسة"، الذي يعكس بوضوح اهتمامه بالشؤون السياسية وأصول الحكم والإدارة. أما الكتاب الذي يشتهر به أكثر من غيره فهو كتاب "سِندباد نامة"، ويعرفه العرب بهذا الاسم، بينما يطلق عليه الفرس اسم "سندباد نامة" أيضًا. ويضم سجل أعماله أيضًا مؤلفاً آخر بعنوان "سمع الظهير في جمع الظهير"، الذي يعد مرجعًا مهمًا لدراسة أدبه ومهاراته في النثر والفكر السياسي والأدبي.
يُعد كتاب "سندباد نامة" أحد النصوص الفارسية القصصية القديمة التي ظهرت في القرن السادس الهجري، وقد كتبه الظهيري بأسلوب نثري متقن ومصنوع، أي متكلف ومزين بالعديد من الأساليب البلاغية والصناعات البديعية، مما يشبه إلى حد كبير أسلوب كتاب "كليلة ودمنة" المعروف. وقد أصبح هذا الكتاب نموذجًا يحتذى به من قبل الكتّاب والأدباء في الفترات التالية، لما احتواه من تراكيب لغوية دقيقة وأسلوب راقٍ يجمع بين النثر المنمق والشعر العربي والفارسي.
ومن الملاحظات الهامة في هذا الكتاب أن الظهيري السمرقندي في الحقيقة لم يكن مؤلفًا أصليًا بالكامل، إنما كان في كثير من الأحيان مترجمًا ومكيفًا للنصوص، حيث إن كتاب "سندباد نامة" كان مكتوبًا في الأصل باللغة الهندية، وكلمة "سندباد" نفسها تعود إلى اللغة الهندية وتعني "الحكيم" أو "الرجل الفطن"، مما يعكس التواصل الثقافي بين الهند وفارس في تلك الحقبة. ويظهر من خلال النص دمج بين التراث الهندي والفارسي مع لمسات بلاغية عربية، مما جعله عملًا أدبيًا متعدد الأبعاد ويستحق الدراسة والاطلاع عليه حتى اليوم.
لقد تُرجم كتاب "سندباد نامة" مرتين، أما الترجمة الأخيرة فكانت على يد محمد بن علي الظهيري السمرقندي، الذي نقل الكتاب إلى اللغة الفارسية وأضاف إليه لمسته الأدبية الخاصة. ففي الأصل، كان النص مكتوبًا باللغة البهلوية، لكن الظهيري أضاف إليه العديد من الأشعار الفارسية وكذلك الحكم والأمثال العربية، ليصبح عملًا غنيًا بالأبعاد الأدبية والثقافية.
كما ذكرنا سابقًا، فإن هذا الكتاب مزين بالكثير من الصناعات البديعية التي كانت شائعة في ذلك العصر. ويمكن ملاحظة استخدام الظهيري لغويًا وبكثرة للمترادفات والعبارات المكررة التي تعبّر عن الحيلة والمكر والخداع والغدر والهزيمة والفرار، وهو أسلوب يعكس الذوق البلاغي للفترة ويُظهر براعة الكاتب في استثمار اللغة للتأثير على القارئ.
وقد امتزجت في الكتاب الأشعار الفارسية التي أضافها الظهيري مع الأشعار العربية، كما استخدم عددًا كبيرًا من الكلمات العربية. والجدير بالذكر أن اللغة العربية كانت منتشرة في إيران وبلاد ما وراء النهر في ذلك الوقت، وكان الأدباء يتأنقون في استخدامها. ويُقدر أن حوالي 30% من كلمات الكتاب عربية، مما يدل على هذا الانصهار الثقافي واللغوي الذي ميز أعمال الظهيري السمرقندي.
أما من حيث البناء الأدبي، فإن كتاب "سندباد نامة" عبارة عن سلسلة قصصية على غرار "كليلة ودمنة"، حيث تُسرد القصص أحيانًا على لسان الحيوانات، كما تتناول القصص الإنسان وحكمته ومكائده. ومن أبرز القصص في الكتاب قصة "السبعة وزراء"، وقد تُرجمت هذه القصص أيضًا إلى اللغة العربية في ذلك العصر تحت عنوان طويل: "حكاية الملك المتوّج مع امرأة الملك والحكيم السندباد والوزراء السبعة وحكاية كل واحد منهم". وقد طبعت النسخة العربية من الكتاب ونشرت في مدينة إسطنبول.
تكمن روعة الكتاب في الترجمة الفاخرة التي قدمها الظهيري السمرقندي، على غرار ما فعله ابن المقفع عند ترجمته لكتاب "كليلة ودمنة" إلى العربية. فقد اعتمد الظهيري على الترجمة المفهومية الحرة، أي أنه نقل الأفكار والمعاني بلغة فارسية متأخرة، كانت سائدة في أواخر القرن السادس وبداية القرن السابع الهجري، وهي الفترة التي شهدت فيها اللغة والأدب الفارسي نهضة كبيرة. وقد قام بعض الشعراء في تلك الفترة، مثل الأزرقي، بتحويل هذه القصص إلى أشعار منظومة، مما زاد من انتشارها وتأثيرها الأدبي.
ومن مزايا الكتاب أيضًا استخدام المؤلف الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، جنبًا إلى جنب مع الأشعار والأمثال الفارسية والعربية، جميعها مزينة بالصناعات البديعية والأدبية المختلفة. وهنا تكمن أهمية الكتاب الكبيرة، إذ يمكن القول إنه أسس مذهبًا جديدًا في النثر الفارسي في عصره، وجمع بين الترجمة الأدبية والفكر الأخلاقي والسياسي، مما جعله مرجعًا للأدب الفارسي والعربي على حد سواء.
وهكذا، يظهر الانتشار الجغرافي لحكايات السندباد من البصرة والخليج العربي إلى الهند وفارس، مرورًا بجزر المحيط الهندي، ما يعكس أهمية الموانئ والتجارة البحرية في نشر هذه الحكايات وجعلها إرثًا ثقافيًا مشتركًا بين الشعوب.

●بداية حكايات السندباد
تبدأ قصص السندباد البحري في ألف ليلة وليلة من الليلة رقم 537، حيث يظهر السندباد الحمال، وهو شاب بسيط من سكان بغداد، يمارس أعماله اليومية في حمل البضائع والنقل بين الأسواق والموانئ. في هذه الليلة يلتقي بالحكاية الرئيسية للسندباد، وهو التاجر البغدادي الغني المعروف باسم السندباد البحري، الذي يمثل النسخة المغامرة والمكتسبة للخبرة من البحارة العرب.
يقوم السندباد البحري بحكاية رحلاته البحرية الطويلة والمليئة بالمغامرات والمخاطر للسندباد الحمال، الذي يحمل نفس الاسم، في إطار سرد قصصي ذكي يربط بين العالم الواقعي، الذي يعيشه الحمال في بغداد، والعالم الخيالي والمغامرات البحرية، التي خاضها السندباد الغني. هذه التقنية السردية تجعل من القارئ شاهدًا على تداخل الواقع والخيال، وتظهر البصرة كميناء مهم ومحور انطلاق الرحلات، وهو ما يعكس دورها التاريخي كمركز تجاري رئيسي في العصر العباسي.
تستمر الحكايات عبر السبع مغامرات الكبرى للسندباد البحري، وتستمر هذه الرحلة في السرد حتى الليلة رقم 566. خلال هذه الليالي السبع، يسرد السندباد البحري قصصه عن الجزر الغريبة، المخلوقات العجيبة، والكنوز المخفية، مع تقديم تفاصيل دقيقة عن موانئ الخليج، البحر الأحمر، المحيط الهندي، وسواحل الهند وإفريقيا الشرقية. ويكشف النص عن الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية للتجارة البحرية، مثل الغوص على اللؤلؤ، تجارة التوابل، وأنشطة الموانئ، وكذلك عن العادات البحرية وأعراف النواخذة والبحارة.
يمكن القول إن هذه البداية هي استراتيجية أدبية متقنة، تربط القارئ بتاريخ البحر العربي وحياة البحارة والتجار، وتضع البصرة كمركز ثقافي وتجاري يعكس قوة الشبكات التجارية العربية آنذاك. كما أنها تسمح بتوظيف السندباد كشخصية رمزية، تمثل المغامرة، الجرأة، والبحث عن الثروة والخبرة، وفي الوقت نفسه وسيلة لرسم صورة مجازية للبحث الإنساني عن المعرفة والتجربة.
وبهذا، تصبح بداية الحكايات أكثر من مجرد تمهيد، فهي بوابة لرصد العالم البحري العربي في العصر العباسي، وللاطلاع على تقاطعات بين الواقع التجاري اليومي والمغامرة الأسطورية، مما يجعلها محورًا غنيًا لدراسات الأدب المقارن والتراث الشعبي والبحري.

● اكتشاف سفينة "السندباد" الغارقة

وفقًا لموقع "RT عربية" الروسي، تحولت أسطورة السندباد البحري إلى حقيقة ملموسة في عام 1998، عندما عثر صيادون بشكل صدفي على سفينة عربية غارقة قبالة جزيرة بيليتونغ في إندونيسيا، محملة بكنوز ضخمة وفريدة من نوعها. يعد هذا الاكتشاف واحدًا من أهم الاكتشافات البحرية في جنوب شرق آسيا لما يمثله من جسر بين الأسطورة والتاريخ، بين الحكاية الشعبية والواقع البحري والتجاري للعالم العربي القديم.
ويعتقد الخبراء أن السفينة غرقت منذ حوالي 1200 عام، أي في القرن التاسع الميلادي، وكانت محملة بشحنة ضخمة من المنتجات الفاخرة التي تمثل التجارة العربية على طريق الحرير البحري. وقد وصلت السفينة إلى قاع البحر بكامل حمولتها دون أن تتحطم، الأمر الذي أعطى المؤرخين وعلماء الآثار فرصة نادرة لدراسة السفن العربية التجارية في تلك الحقبة، وفهم طبيعة التجارة البحرية العربية مع الصين وجنوب شرق آسيا.

أظهرت عمليات التنقيب أن السفينة كانت عربية تقليدية خفيفة ذات صار واحد، يبلغ طولها حوالي 18 متراً. وقد تم بناء السفينة باستخدام أخشاب من إفريقيا والهند، مع تقنيات بناء فريدة تعتمد على ربط الألواح باستخدام ألياف من لحاء جوز الهند بدل المسامير المعدنية، ما يعكس براعة الهندسة البحرية العربية القديمة والقدرة على ابتكار حلول عملية لمقاومة تآكل المياه المالحة.
تتضمن الحمولات المكتشفة ذهبًا، سيراميكًا، أباريق وأوعية للتوابل، محابر، وجرار وحقائب وصناديق فضية مرصعة بالذهب، معظمها من الصين، تعود إلى سلالة تانغ التي حكمت البلاد مطلع القرن التاسع. وقد تم تحديد تاريخ أحد الأوعية الفخارية على أنه يعود إلى عام 826 ميلادي، ما يساعد على تأريخ السفينة بدقة وربطها بالحقبة التاريخية الذهبية للتجارة العربية مع الصين.

اعتبر جون جاي، كبير أمناء قسم جنوب وجنوب شرق آسيا في متحف متروبوليتان للفنون بنيويورك، أن هذا الاكتشاف هو الأول من نوعه لسفينة عربية في مياه جنوب شرق آسيا، رغم أن الملاحين العرب كانوا معروفين بأنهم يسلكون طريق الحرير البحري ويقومون بتجارة نشطة. وقد وصف جاي الحمولات المكتشفة بأنها الأغنى والأكبر من بداية القرن التاسع المكتشفة في كنز واحد، مما يعكس مدى اتساع التجارة العربية وعلاقاتها الاقتصادية والثقافية مع الصين وجنوب شرق آسيا.
كما أن اكتشاف هذه السفينة يتيح فهماً معمقاً لتقنيات الملاحة العربية، لبناء السفن، ولشبكة التجارة البحرية في العصر العباسي. فقد مثلت السفن العربية على طريق الحرير البحري وسائل نقل رئيسية للسلع الفاخرة والثقافة والتكنولوجيا، وساعدت في نقل المعرفة والسلع بين الشرق والغرب، وفتحت أفقًا لفهم التفاعلات الاقتصادية بين العرب والصينيين والهنود.

تولت شركة خاصة، تدعى "Walterfang"، عمليات التنقيب ورفع الكنز من البحر، وشملت الحمولات منتجات ثمينة بلغت قيمتها الإجمالية حوالي ثمانين مليون دولار. حصلت إندونيسيا على مبلغ 2.5 مليون دولار نقدًا، وبعض القطع الأثرية، بينما اشترت حكومة سنغافورة في عام 2005 ما تبقى من الحمولات مقابل 32 مليون دولار.
هذا الاكتشاف أصبح رمزًا حيًا لأسطورة السندباد البحري، حيث أعاد الأسطورة إلى الواقع، وجعل من قصة البحار العربي الغني بالمغامرات حقيقة تاريخية يمكن دراستها علميًا. كما ساهم في فتح نقاشات جديدة حول تاريخ التجارة البحرية العربية، طرق الحرير البحرية، وتأثير العرب على التبادل الثقافي والاقتصادي بين الشرق والغرب في القرون الوسطى.



#رياض_قاسم_حسن_العلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العرب: بين الاصطلاح اللغوي والأسطورة التاريخية
- تاريخ الغطرسة
- في ذكرى السياب العراقي
- الباباوات السيئون: قراءة تاريخية نقدية في فساد السلطة الكنسي ...
- تأثير مدرسة الحوليات الفرنسية في الفكر التاريخي العربي: نحو ...
- مدرسة الحوليات الفرنسية: ثورة منهجية أعادت كتابة الماضي
- نعوم تشومسكي: العقل النقدي بين اللسانيات والسياسة
- جوليان بارنز
- الإشراقية: فلسفة النور بين العقل والذوق وميراث الحكمة الشرقي ...
- المثقفون الجدد
- العقل بين الازدهار والانكسار: مسار المعرفة في الحضارة الإسلا ...
- الإنسان على حافة الهاوية: بين ذئابية هوبز وألوهية فويرباخ – ...
- تجربة ابن سينا مع كتاب -ما بعد الطبيعة- لأرسطو
- الفلسفة وقيمة السؤال: نحو فهم جديد لمعنى التفكير الفلسفي
- انطباع ضد الموضوعية: دفاع عن الذات القارئة
- السرد، القارئ، والأنطولوجيا الإنسانية
- باروخ سبينوزا: الفيلسوف الذي عاش منفياً من معابد البشر
- عودة إلى سبينوزا مرة أخرى ورؤيته في علم الأخلاق
- الفردية والإيديولوجيا: قراءة فلسفية ونفسية في فكر كارل يونغ
- أفول أوروبا: بين النقد الجذري لأونفراي والسخرية الاستراتيجية ...


المزيد.....




- هل يمكن لترامب أن يتعلم شيئًا من ممداني؟.. شاهد ما قاله خبير ...
- الملياردير الإماراتي حسين سجواني يشارك بمزاد خلال حفل ترامب ...
- ترامب يسحب الحرس الوطني من شيكاغو ولوس أنجلوس وبورتلاند
- رئيس تايوان يتعهد بالدفاع عن سيادة الجزيرة بعد مناورات الصين ...
- حرب أوكرانيا.. بوتين وزيلينسكي يطلان برسائل رأس السنة
- الجيش الأميركي يهاجم قوارب لتهريب المخدرات ويقتل 8 أشخاص
- ترامب ينتقد كلوني بعد حصوله على الجنسية الفرنسية
- بلغاريا تتحول لليورو مع دخول 2026 في خطوة تثير الجدل
- الانتقالي الجنوبي يتحدث عن إعادة انتشار بمشاركة قوة حكومية ف ...
- أول تصريح لرئيس فنزويلا بعد ضربة CIA -غير المسبوقة-


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رياض قاسم حسن العلي - السندباد البحري