رياض قاسم حسن العلي
الحوار المتمدن-العدد: 8596 - 2026 / 1 / 23 - 18:18
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
يقول نيتشه في كتاب ما وراء الخير والشر، شذرة 43، صفحة 73، ترجمة جيزيلا فالور حجار، دار الفارابي : "على المرء أن يتخلّص من الذوق الرديء الذي يُريد الاتفاق مع الأكثرية. إن "الخير " لا يعودُ خيراً إذا تفوّه به الجار. فكيف يمكن أن يكون ثمّة خيرٌ عام! إن اللفظ يناقض ذاته: ما يمكن أن يكون عاماً، له أبداً قيمة ضئيلة وحسب. وفي النهاية، يجب أن تكون الأمور على ما هي عليه وعلى ما كانت عليه دائماً: تبقى الأشياء العظيمة للعظماء، الأعماق للعميقين، التفاصيل الدقيقة والارتعاشات للمرهفين، وجملةً واختصاراً: يبقى كل نادرٍ للنادرين".
يقدّم فريدريك نيتشه في هذا المقطع موقفًا نقديًا جذريًا من إحدى المسلّمات المركزية في الأخلاق التقليدية، وهي افتراض أن القيمة الأخلاقية تكتسب مشروعيتها من شيوعها أو من توافق الجماعة حولها. ينطلق نيتشه من رفض ما يمكن تسميته بـ"أخلاق الأكثرية"، معتبرًا أن السعي إلى الاتفاق العام دليل على انحطاط الذوق وضعف الحكم القيمي.
لا يتعامل فريدريك نيتشه مع مفهوم "الذوق الرديء" باعتباره مسألة جمالية سطحية تتعلق بما يُعجب الفرد أو ينفر منه، إذ يرفعه إلى مستوى الموقف الوجودي والأخلاقي. فالذوق، في فلسفته تعبير عن موقع الإنسان من ذاته ومن العالم، وعن قدرته على الحكم والتقييم انطلاقًا من خبرته الخاصة. ومن هذا المنطلق، يصبح الذوق الرديء علامة على خلل أعمق يتمثل في فقدان الاستقلال القيمي.
يرى نيتشه أن الإنسان الذي يسعى إلى الاتفاق مع الأكثرية يفعل ذلك بدافع الأمان. فالأكثرية توفّر للفرد شعورًا بالانتماء والحماية من العزلة والاختلاف، لكنها في المقابل تطالبه بثمن باهظ وهو التخلي عن قدرته على الحكم الذاتي. هذا التخلي يحدث بشكل ضمني حين يعتمد الفرد على ما هو شائع بوصفه معيارًا للصواب والخطأ، أو للجيد والرديء.
بهذا المعنى، يتحول الحكم القيمي إلى تبنٍّ آلي لقيم جاهزة. الذوق الرديء هنا يتمثل في عدم الاختيار.
وفي سياق هذا الامتثال، تتحول الأكثرية إلى مرجع للخير والحقيقة بسبب وزنها العددي. يرفض نيتشه هذا المنطق جذريًا، لأن العدد، في نظره غالبًا ما يطمس القيمة . فالأفكار التي تنتشر بسهولة هي، في الغالب، تلك التي لا تتطلب جهدًا فكريًا أو شجاعة وجودية، وتلك التي لا تهدد النظام القائم أو تزعزع راحة الجماعة.
وعليه، فإن شيوع قيمة ما قد يدل على قابليتها للاستهلاك العام. وهذا ما يجعل الأكثرية، في فلسفة نيتشه، قوة محافظة، تميل إلى التسوية والتبسيط، لا إلى الإبداع والاختراق.
ولا يقتصر أثر الذوق الرديء على الفرد وحده، لكنه يمتد ليصبح آلية جماعية لضبط السلوك. فحين تتكرّس معايير معينة بوصفها "ذوقًا عامًا" أو "أخلاقًا مشتركة"، يُمارَس ضغط غير مباشر على الأفراد للامتثال لها. هذا الضغط يعمل من خلال الإقصاء الرمزي، والسخرية، والتهميش، أو الوصم بالغرابة والانحراف.
وهكذا تتحول الأخلاق إلى نظام تطبيع، لا إلى مجال للاختيار الحر. والنتيجة مجتمعًا متشابهًا، تُكافَأ فيه الطاعة ويُعاقَب فيه الاختلاف.
ويرى نيتشه أن أخطر نتائج هذا الخضوع هو ما يسميه يمكن تسميته بـ"توحيد القيم" . فبدل أن تكون القيم متعددة، متصارعة، ومفتوحة على التجاوز، تُختزل في نموذج واحد يُفترض أنه صالح للجميع. هذا النموذج، بحكم كونه عامًا، لا بد أن يكون مبسّطًا، أي منزوع التعقيد والتوتر والتناقض، وهي العناصر التي يرى نيتشه أنها شرط أساسي للحياة الخلّاقة.
وبهذا التوحيد، تُمحى الفوارق الفردية: اختلاف الطبائع، وتفاوت القدرات، وتباين العمق الروحي. لا يعود يُسمح للقيم بأن تنبع من الفرد، إنما يُطلب من الفرد أن يتكيّف مع القيم. وهنا تتحقق، في نظر نيتشه، الهزيمة الكاملة للفرد أمام الجماعة.
ويربط نيتشه الذوق الرديء بنزعة معادية للحياة. فالحياة، كما يفهمها، تقوم على التعدد، والصراع، والتفاوت، والتجريب. أما الذوق الذي يسعى إلى الاتفاق العام، فهو ذوق يسعى إلى الاستقرار، والطمأنينة، وإنهاء الصراع. لكنه بذلك لا يحمي الحياة، بل يفرغها من قوتها.
يعد نقد نيتشه للذوق الرديء نقدًا جذريًا لأسلوب عيش يفضل السلامة على الإبداع، والانتماء على الصدق مع الذات، والراحة على المخاطرة.
يمضي نيتشه في نقده للأخلاق خطوة أكثر جذرية حين لا يكتفي بمهاجمة مصادر القيم أو حامليها، حيث يضع مفهوم «الخير» نفسه موضع مساءلة. فهو يتعامل مع الخير باعتباره بناءً تاريخيًا ولغويًا واجتماعيًا، خضع عبر الزمن لعمليات تبسيط وتعميم أفقدته معناه الأصلي. ومن هنا تأتي عبارته الصادمة: "إن الخير لا يعود خيرًا إذا تفوّه به الجار" .
ويميز نيتشه ضمنيًا بين الخير كتجربة معاشة، والخير كخطاب متداول. ففي مستواه الأول، يكون الخير فعلًا نابعًا من صراع داخلي، واختيار واعٍ، وتحمل لمسؤولية العواقب. أما حين ينتقل إلى مستوى الخطاب العام، فإنه ينفصل عن هذه الشروط الوجودية، ويتحوّل إلى صيغة لغوية جاهزة يمكن ترديدها دون اختبار أو معاناة.
بهذا التحول، يكون الخير عبارة تُقال وليس فعلًا يُعاش وتكمن خطورة هذا الانتقال في أن القيمة الأخلاقية تصبح مستقلة عن الفاعل، وعن نواياه، وعن قدرته على تحمّل ما يترتب على فعله. وهنا، يفقد الخير طابعه الأخلاقي لصالح طابع شكلي أو خطابي.
يرى نيتشه أن شيوع مفهوم الخير يؤدي إلى ابتذاله. فكلما أصبح الخير أكثر تداولًا، قلّ ما يتطلبه من جهد أخلاقي أو شجاعة وجودية. إذ يغدو الخير، في صورته العامة، قيمة آمنة لا تنطوي على مخاطرة، ويمكن للمرء أن يتبناها دون أن يغيّر شيئًا جوهريًا في حياته.
هذا الابتذال يجعل الخير قابلًا للتوظيف الاجتماعي والسياسي، حيث يُستخدم كشعار يُرفع بدل أن يكون مبدأ يُجسَّد. وفي هذه الحالة، يكون الخير علامة امتثال وقد يصبح وسيلة لإخفاء الضعف أو العجز تحت ستار الفضيلة.
ينطلق نيتشه من رفض فكرة أن الخير قيمة محايدة أو صالحة للجميع. فالقيم، في نظره، مشروطة بالبنية النفسية والقدرة الحيوية لمن يحملها. ما يُعد خيرًا لإنسان قوي، مبدع، ومقبل على الحياة، قد يكون قيدًا لإنسان آخر. لذلك، فإن تعميم الخير يفترض ضمنيًا مساواة بين أفراد غير متساوين في القوة والاستعداد.
من هنا، يصبح الخير العام تعبيرًا عن أخلاق المتوسط، أي أخلاق مصمّمة لتناسب أضعف أو أكثر الأفراد عددًا، لا أعمقهم أو أقواهم. وهذا ما يجعل الخير العام، في جوهره، قيمة مفرغة من طاقتها الخلّاقة.
حين يُفرض الخير بوصفه قيمة عامة، فإنه يتحول إلى أداة لضبط السلوك. فالخير هنا يُستخدم لتحديد ما هو مقبول وما هو مرفوض، ومن هو "الصالح" ومن هو "المنحرف" . وبهذا المعنى، يخدم الخير النظام الاجتماعي أكثر مما يخدم تطور الفرد.
يُظهر نيتشه أن هذا النوع من الخير يهدف إلى تدجين الإنسان فهو يحدّ من إمكانيات التجاوز والاختلاف، ويكافئ الطاعة والامتثال، ويعاقب الجرأة والتفرّد، ولو كان هذا التفرّد مصدرًا لإبداع قيمي جديد.
يدعو نيتشه إلى استعادة مفهوم الخير من قبضة العمومية والابتذال. فالخير، في صيغته الأصيلة، يمكن أن يكون تجربة فردية تتطلب قوة على الاختيار، واستعدادًا لتحمل العزلة، وقدرة على تحمّل التناقض.
بهذا المعنى، يصبح الخير فعل خلق، لا فعل طاعة. وهو لا يُقاس بمدى قبوله اجتماعيًا، لكن بمدى صدقه مع صاحبه، وبقدرته على التعبير عن قوة الحياة فيه.
يضع نيتشه مفهوم "الخير العام" في قلب نقده للأخلاق الحديثة باعتباره مفهومًا متناقضًا في ذاته. فالسؤال الذي يطرحه منطقي وأنطولوجي، وهو: كيف يمكن لقيمة أن تكون في آنٍ واحد عامة وعميقة؟ وكيف يمكن لما هو موجّه للجميع أن يحتفظ بقوته وفرادته؟
ينطلق نيتشه من ملاحظة أساسية مفادها أن كل ما يُراد له أن يكون عامًا يجب أن يكون قابلًا للفهم والتطبيق من قبل أكبر عدد ممكن من الناس. وهذا الشرط، بحد ذاته، يفرض عملية تبسيط قسرية على القيمة المعنية. فلكي يصبح الخير عامًا، يجب تجريده من تعقيداته، ومن توتراته، ومن شروطه الخاصة، حتى لا يشكّل عبئًا على الأغلبية.
وبهذه العملية، يفقد الخير كثافته وعمقه، ويغدو أقرب إلى قاعدة سلوكية دنيا لا تتطلب جهدًا استثنائيًا أو تجاوزًا للذات. فالعمومية، في نظر نيتشه، لا ترفع القيمة، إنما تسويها.
ويرى نيتشه أن الخير العام يُقاس بأدنى مستوى يمكن أن يلتقي عنده الجميع. ومن ثمّ، فإن معيار هذا الخير هو المتوسط الإنساني. إنه خير يُصاغ انطلاقًا من الإنسان العادي، لا من الإنسان الاستثنائي؛ من الحاجة إلى الاستقرار، لا من الرغبة في الارتقاء.
هذا التحول في المعيار يجعل الخير العام تعبيرًا عن قيم البقاء لا قيم الازدهار. فهو يحمي النظام، لكنه لا يخلق عظمة. يحافظ على المجتمع، لكنه لا يفتح أفقًا جديدًا للإنسان.
ويُظهر نيتشه أن كل خير عام يتعامل مع الاستثناء بوصفه تهديدًا. فالفرد الذي يتجاوز القاعدة، أو يبتكر قيمة جديدة، أو يعيش وفق معيار خاص، يزعزع منطق العمومية. ولذلك، تميل الأخلاق العامة إلى تطويعه أو إقصائه، لا إلى فهمه أو الاستفادة منه.
وهكذا يصبح الخير العام آلية دفاع ضد التفرد. فهو لا يحتمل ما لا يمكن تعميمه، لأن ما لا يمكن تعميمه يكشف حدود العمومية ذاتها. وهكذا، تُقصى العظمة لأنها غير قابلة للتعميم.
حيث يربط نيتشه بين العظمة والتفرّد ربطًا جوهريًا. فالعظمة، في نظره، لا تقوم إلا على المخاطرة، وعلى خوض تجارب لا تصلح نموذجًا عامًا. إن الفعل العظيم هو فعل لا يمكن نسخه أو تحويله إلى قاعدة، لأنه مشروط بقدرات واستعدادات خاصة.
لذا فإن ما هو عام لا يمكن أن يكون عظيمًا لأن العظمة بطبيعتها استثنائية. إنها تفترض اختلافًا في الدرجة والنوع، لا مساواة شاملة.
يصل نيتشه في تحليله إلى نتيجة حاسمة وهي أن مفهوم الخير العام يحمل تناقضه في داخله. فهو يطمح إلى القيمة، لكنه يسلك طريق التخفيف؛ يدّعي الارتقاء بالإنسان، لكنه يختار المتوسط معيارًا؛ يتحدث باسم الجميع، لكنه يفعل ذلك على حساب القلّة القادرة على التجاوز.
وبهذا المعنى يكون الخير العام حدّ الأخلاق الأدنى. إنه يحدد ما يجب ألا يكون الإنسان دونه، لا ما يمكن أن يصير إليه.
يُعدّ مبدأ التفاوت أحد المرتكزات الأساسية في فلسفة نيتشه، ويمثل نقطة قطيعة حاسمة مع الفكر الأخلاقي المساواتي الذي هيمن على الفلسفة الحديثة. غير أن هذا المبدأ يُطرح عند نيتشه بوصفه حقيقة أنطولوجية تتعلق ببنية الوجود الإنساني ذاته. فالتفاوت، في نظره شرطًا من شروط الحياة.
وينطلق نيتشه من رفض الفكرة القائلة إن البشر متساوون في العمق، أو في القدرة، أو في الاستعداد الوجودي. فالمساواة، كما تُطرح في الخطابات الأخلاقية إنكارًا للواقع. البشر يختلفون في طاقاتهم، في حساسيتهم، في قدرتهم على التحمّل، وفي مدى استعدادهم لمواجهة التناقض والمعاناة.
هذا الاختلاف لا يحمل في ذاته حكمًا قيميًا مسبقًا، ولا يُرتّب البشر إلى "أفضل" و"أسوأ" بمعيار أخلاقي خارجي، إذ يكشف عن تنوع في أنماط الوجود. ومن هنا، فإن محاولة فرض مساواة قسرية تؤدي إلى تسطيح للإنسان. ويربط نيتشه بين القدرة على إدراك القيم ودرجة العمق الوجودي لدى الفرد. فالأشياء العظيمة تتطلب استعدادًا خاصًا لفهمها وتحملها. العظمة، في هذا السياق علاقة بين القيمة ومن يستطيع استقبالها.
لذلك:
لا تُدرك العظمة إلا من قبل العظماء، أي أولئك الذين يملكون طاقة داخلية تسمح لهم بمواجهة ما هو سامٍ دون تبسيطه أو تشويهه.
لا تُتاح الأعماق إلا لمن يملك القدرة على النزول إليها دون أن يطلب تبسيطها أو تحويلها إلى شعارات.
لا يشعر بالتفاصيل الدقيقة إلا ذوو الحس المرهف، لأن هذه التفاصيل تفلت بطبيعتها من الإدراك الخشن والعام.
الحس المرهف هو ما يسمح للفرد بالتقاط الارتعاشات الدقيقة للحياة، تلك التي لا تظهر في التجارب الجماعية أو السطحية. وهذه الحساسية هي جزء من التكوين الوجودي للفرد.
وبالمثل، فإن القدرة على تحمّل العمق هي قدرة حيوية. فالأعماق فضاء للتوتر واللايقين ومن لا يمتلك الاستعداد لتحمل ذلك ينسحب طبيعيًا.
يصل نيتشه، انطلاقًا من مبدأ التفاوت، إلى فكرته الحاسمة وهي أن الندرة شرط للقيمة. فكل ما هو متاح للجميع يفقد، بحكم إتاحته، طابعه الاستثنائي. فالندرة نتيجة طبيعية لكون القيمة العالية تتطلب استعدادًا خاصًا لا يتوافر إلا لدى القلّة.
من هنا، فإن بقاء الأشياء العظيمة للنادرين اعتراف بحدود التلقي الإنساني. فالقيمة تُقاس بعمق من يستطيع أدراكها.
ويرفض نيتشه فكرة أن لكل إنسان الحق في كل قيمة ، ففكرة الاستحقاق العام تفترض أن القيمة شيء يمكن توزيعه بالتساوي، متجاهلة أن بعض القيم تتطلب تكوينًا داخليًا لا يمكن منحه أو فرضه. وبهذا، فإن تعميم القيم العليا يؤدي إلى إفراغها من معناها.
هذا الرفض لا يعني احتقار الآخرين، إنما رفض خداعهم بوعد قيم لا يستطيعون حملها. فليس كل إنسان مهيأ للأعماق، كما أن ليس كل إنسان مطالبًا بها.
#رياض_قاسم_حسن_العلي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟