أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رياض قاسم حسن العلي - ريلكه / شاعر العدم وإشراقات الوجود الخاطفة















المزيد.....

ريلكه / شاعر العدم وإشراقات الوجود الخاطفة


رياض قاسم حسن العلي

الحوار المتمدن-العدد: 8681 - 2026 / 4 / 18 - 16:55
المحور: الادب والفن
    


يُشكّل راينر ماريا ريلكه (1875–1926) حالة استثنائية في تاريخ الأدب الأوروبي الحديث؛ فهو شاعر عاش قلق عصره حتى أقصاه، وجعله مادةً أولى للكتابة والتأمل. لقد انشغل ريلكه بسؤال وجودي حاد: كيف يمكن للإنسان أن يحقّق وجوده الحقيقي في عالمٍ تحكمه الهشاشة والتبدّد؟ ومن هذا السؤال، تبلورت لديه رؤية قاسية لكنها عميقة، مفادها أن الحياة لا تسمح للإنسان بأن يتعمّق في أكثر من تجربة وجودية كبرى في الوقت ذاته؛ فإما أن يختار الانخراط في الحياة بما فيها من حبّ وعلاقات وانتماء، أو أن يهب نفسه للفن بوصفه قدرًا لا يقبل التجزئة.

هذه الفكرة تحوّلت إلى قرارٍ مصيري في حياة ريلكه. فقد اختار، بوعيٍ مؤلم، أن يتخلّى عن الاستقرار العاطفي لصالح الإخلاص التام للقصيدة. هذا الرفض كان نابعاً من إدراك عميق بأن الحب—بما يتضمنه من حضور الآخر—قد يبدّد تلك الطاقة الداخلية المركّزة التي يتطلبها الإبداع. وهكذا، أصبح الفن لديه عزلةً مختارة وغوصًا أكثر جذرية في العالم، عبر اللغة والتأمل.
لم يعرف ريلكه الانتماء بمعناه التقليدي؛ فرغم ولادته في براغ، لم يشعر يومًا بأنه ينتمي إلى مكان محدد. تنقّل بين مدن أوروبا، من روسيا إلى ألمانيا إلى باريس، دون أن يستقر، وكأنّه كان يبحث عن وطنٍ لا يمكن العثور عليه في الجغرافيا. لقد عاش ما يمكن تسميته بـ"جغرافيا القلق"، حيث يتحول المكان إلى تجربة داخلية، ويغدو الاغتراب شرطًا للوعي لا عارضًا طارئًا.
ومن خلال هذا الترحال الوجودي، توصّل ريلكه إلى فكرة مركزية: أن “البقاء” وهمٌ إنساني، وأن الوجود الحقيقي يتحقق في لحظات خاطفة من الإشراق. هذه اللحظات، التي تتكثف فيها التجربة إلى أقصى درجاتها، تمكّن الإنسان من تجاوز حدوده الفردية، والاندماج في الوجود بوصفه كُلًّا حيًا. إنها لحظات انكشاف نادرة، لكنها وحدها تمنح الحياة معناها، لأنها تحرّر الإنسان من الزمن، ومن الخضوع للقياس والمحدودية.
ويمكن فهم الطابع الخاص لشعر ريلكه، الذي يمزج بين الحسّ الصوفي والتجربة الجمالية. فالشعر عنده محاولة لاكتشاف ما وراء العالم واستحضارًا لللامرئي، ذلك الذي لا يُدرك إلا في لحظات الإشراق.
على المستوى الشخصي، كانت حياة ريلكه انعكاسًا حيًا لهذا التوتر بين الفن والحياة. زواجه من النحّاتة "كلارا ويستهوف" لم يدم طويلًا، إذ سرعان ما أدرك الطرفان أن الإبداع يتطلب استقلالًا لا تسمح به الحياة الزوجية التقليدية. غير أن هذا الانفصال يتحول إلى صداقة ناضجة. وعندما انتقلت كلارا إلى باريس للدراسة على يد النحّات الكبير أوغست رودان، لحق بها ريلكه، لتبدأ مرحلة مفصلية في مسيرته الفكرية.
في باريس، وجد ريلكه نفسه أمام مدينة تمثل ذروة الحداثة الأوروبية: صاخبة، متدفقة، مليئة بالفنّانين والأفكار. غير أن هذا الثراء الظاهري كان يخفي، في نظره، خواءً عميقًا. فقد رأى في الزحام شكلًا من أشكال التلاشي، وفي الضجيج صمتًا آخر، وفي كثافة الحياة قناعًا يخفي خوفًا جماعيًا من العدم.
في كتابه النثري الوحيد "دفاتر مالته لوريدس بريغه" عبّر ريلكه عن هذه الرؤية بحدة، متسائلًا: هل يأتي الناس إلى باريس ليعيشوا، أم ليموتوا؟ هذا السؤال كان تشخيصًا لواقع الإنسان الحديث الذي يفقد ذاته تدريجيًا وسط انغماسه في متع سطحية، يحاول من خلالها الهروب من فراغٍ داخلي عميق.
تتقاطع تجربة ريلكه مع نقد أوسع للحداثة؛ فالمدينة الحديثة، كما يراها تعيد تشكيل الإنسان نفسه، فتخضعه لمنطق القوة، وتغذّي فيه نزعة التملك والسيطرة. وهكذا، يتحول الحب إلى امتلاك، والحياة إلى صراع، والوجود إلى سباقٍ لا نهاية له.
لكن وسط هذا الاضطراب، جاءت تجربة ريلكه مع " رودان " لتشكّل نقطة توازن حاسمة. فقد كان عمله سكرتيرًا لديه أشبه بمدرسة روحية وفنية، تعلّم فيها أن الإبداع هو انضباط صارم، وعمل متواصل، واهتمام دقيق بالعالم الخارجي. لقد نقل رودان ريلكه من شعرية غارقة في الغموض الصوفي إلى شعرية أكثر تجسيدًا، قادرة على التقاط الأشياء وإعادة خلقها بلغة جديدة.
ومن خلال تأمله في منحوتات رودان، أدرك ريلكه أن العمل الفني الحقيقي هو لحظة انكشاف، لحظة يدرك فيها الفنان شيئًا يتجاوز الزمن. غير أن هذه اللحظة هي ثمرة جهد طويل، وتركيز عميق، وانخراط كامل في الفعل الإبداعي. وعندما سأل ريلكه رودان عن معنى الحياة، جاءه الجواب مكثفًا: المعنى يكمن في العمل.
هذا الجواب، على بساطته، يحمل رؤية فلسفية عميقة؛ فهو يؤكد أن الإنسان لا يجد ذاته إلا من خلال الفعل، وأن الإبداع ضرورة وجودية. وهكذا، يصبح العمل الفني وسيلة لمقاومة العدم، ومحاولة لانتزاع لحظات من المعنى في عالمٍ يتجه نحو الزوال.
يمكن قراءة تجربة ريلكه بإعتبارها رحلة دائمة في البحث عن لحظة الحقيقة، تلك اللحظة التي يتجاوز فيها الإنسان انقسامه الداخلي، ويتصالح مع وجوده—ولو لبرهة عابرة. إنها رحلة لا تنتهي، لأن الإشراقات التي يسعى إليها بطبيعتها زائلة، لكنها هي وحدها ما يمنح الحياة قيمتها.
يظهر ريلكه كفيلسوفٍ للقلق الوجودي، وككائنٍ جعل من الفن طريقًا للنجاة، ومن الشعر محاولة مستمرة لالتقاط ما لا يُلتقط، والتعبير عمّا يتجاوز اللغة نفسها.

● نماذج من شعره

ما أغرب أن تكون ميتًا

ما أغربَ أن تكونَ حيّاً،
أن تُحسَّ ذاتك محاطاً
بكائناتٍ أخرى
غريبةٍ أيضاً
وبأشياءَ خامدةٍ
تشدُّكَ
إلى صمتها فقط.
ما أغرب أن تسمعَ
الأصواتَ الأكثرَ خفاءً،
أن يتحولَ اللا مرئيُّ
مرئياً،
أن تلمسَ المنفلتَ
أبدًا
يباغتك أن يكون هذا
الذي يلفُّكَ
في الحقيقة واقعاً،
وأن تكون أنتَ ذاتك، كذلك.
فحياتُك لربما تدعمُهَا
هذه الغرابة.
----------
اللحظة الحرجة

الّذي يبكي الآن في مكان ما في العالم
دونما سبب يبكي في العالم
يبكي عليّ
الذي يضحك الآن في مكان ما في اللّيل
دونما سبب يضحك في اللّيل
يضحك مِنّي
الّذي ينهض الآن في مكان ما في العالم
دونما سبب ينهض في العالم
يأتي نحوي
الّذي يموت الآن في مكان ما في العالم
دونما سبب يموت في العالم
ينظر إليّ



#رياض_قاسم_حسن_العلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شئ عن التاريخ
- اختراع اللغة العبرية
- اسمي رياض
- العدوى المقدسة
- عن مفصل جواد علي
- كتابات نشأة الإسلام
- نقد الذوق الجمعي عند نيتشه
- بين جون لوك ولايبنتز
- رؤية في النظام الأمومي
- الدين والدم
- السندباد البحري
- العرب: بين الاصطلاح اللغوي والأسطورة التاريخية
- تاريخ الغطرسة
- في ذكرى السياب العراقي
- الباباوات السيئون: قراءة تاريخية نقدية في فساد السلطة الكنسي ...
- تأثير مدرسة الحوليات الفرنسية في الفكر التاريخي العربي: نحو ...
- مدرسة الحوليات الفرنسية: ثورة منهجية أعادت كتابة الماضي
- نعوم تشومسكي: العقل النقدي بين اللسانيات والسياسة
- جوليان بارنز
- الإشراقية: فلسفة النور بين العقل والذوق وميراث الحكمة الشرقي ...


المزيد.....




- الاحتلال يفرض سيادة بصرية.. 300 علم ورمز ديني تعيد تشكيل هوي ...
- أموت فارسا ولا أعيش -بندقية-.. كيف أنهى البارود دولة الممالي ...
- تحت ظل الشيخوخة
- قراءة مبسطة لديوان(النُوتِيلَا الْحمرَاء)للكاتب أسامة فرج:بق ...
- هل توقف قلبه؟ ومتى؟.. توضيح حول الحالة الصحية للفنان هاني شا ...
- الضيق في الرؤيا السؤال!
- الأرجنتين: بوينس آيرس تمزج الإيمان بموسيقى التكنو تكريما للب ...
- العائلة الملكية البريطانية تختار مؤرخة لكتابة سيرة الملكة ال ...
- ضمن فعاليات مهرجان زهرة المدائن التاسع عشر... ملتقى المثقفين ...
- قراءة في رواية(غريب ولكن..)للكاتب: أسامة فرج .بقلم: عادل الت ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رياض قاسم حسن العلي - ريلكه / شاعر العدم وإشراقات الوجود الخاطفة