أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - رياض قاسم حسن العلي - شئ عن التاريخ














المزيد.....

شئ عن التاريخ


رياض قاسم حسن العلي

الحوار المتمدن-العدد: 8681 - 2026 / 4 / 18 - 15:11
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


التاريخ، في حدّه الأدنى، هو "خبر"؛ أي ما وصلنا من آثار مكتوبة عن الوقائع، دوّنها شهود عيان أو نقلها رواة، ثم استقرّت في الحوليات والكتب. غير أن هذا التعريف، على بساطته الظاهرة، ينطوي على إشكال عميق ، إذ لا يوجد خبر خالص من شروط إنتاجه. فالخبر، في حقيقته هو نتاج اختيار وانتقاء وصياغة، يخضع لوعي الكاتب، وحدود معرفته، وسياق السلطة الذي يتحرك داخله. ما يُدوَّن هو ما أمكن تدوينه، أو ما أُريد له أن يُروى. ومن هنا يغدو التاريخ بنية سردية مركّبة، تتقاطع فيها الذاكرة مع الإيديولوجيا، ويتشابك فيها التوثيق مع التبرير، ويختلط فيها وصف الحدث بتأويله.
عند هذه النقطة تحديدًا، تنبثق "الرؤية" بوصفها المستوى الثاني من الاشتغال على التاريخ. فإذا كان الخبر يقدّم مادة الوقائع، فإن الرؤية تعيد مساءلتها، وتفكيك بنيتها، والكشف عن شروط إنتاجها. إنها انتقال من السرد إلى النقد، ومن النقل إلى التحليل. وهنا تُطرح الأسئلة التي تؤسس للمعرفة التاريخية الحديثة: من كتب هذا النص؟ ولأي جمهور؟ وتحت أي سلطة؟ وما الذي تم إقصاؤه أو تهميشه؟ وما الذي جرى تضخيمه أو إعادة تأطيره؟ بذلك يتحول التاريخ من مادة خام إلى موضوع للفحص، ومن رواية إلى إشكالية.
بهذا المعنى، يتمايز دور المؤرخ عن دور الباحث. فالمؤرخ—في صورته التقليدية—يجمع الروايات ويسجلها، بينما يتدخل الباحث لاحقًا ليختبر هذه الروايات، ويقارن بينها، ويربطها بسياقاتها الاجتماعية والسياسية والثقافية. إنها لحظة انتقال التاريخ من كونه سردًا إلى كونه علمًا؛ علمًا يسعى إلى ترجيح الحقيقة عبر أدوات منهجية، مثل النقد الداخلي للنص، وتحليل الأسانيد، والمقارنة بين المصادر، واستحضار السياق العام.
وضمن هذا الأتجاه تبرز التجربة التاريخية في الحضارة العربية-الإسلامية بإعتبارها إحدى أكثر التجارب نضجًا في العصور الوسطى، لكن دون الوقوع في وهم الأسبقية المطلقة. فقد عرفت حضارات أقدم تقاليد راسخة في كتابة التاريخ، كما في أعمال هيرودوت الذي سعى إلى تفسير الأحداث عبر السرد والتحقيق، وثوسيديديس الذي اقترب من المنهج النقدي بتحليله للحرب البيلوبونيسية، فضلًا عن التقاليد الصينية الكلاسيكية مثل "سجلات المؤرخ الكبير". غير أن ما يميز التجربة العربية-الإسلامية هو تطويرها لأدوات منهجية دقيقة في التوثيق والتحقيق، بلغت مستوى متقدمًا قياسًا بسياقها التاريخي.

وتشير تسمية "العربية-الإسلامية" إلى فضاء معرفي تشكّل باللغة العربية بإعتبارها لغة العلم والإدارة، ضمن أطر سياسية إسلامية. وقد كان هذا الفضاء، في جوهره، تعدديًا ومركّبًا؛ شارك في بنائه عرب وفرس وترك وسريان، ومسلمون ومسيحيون ويهود، وأسهمت فيه تقاليد فكرية متعددة. لذا فإن هذا الوصف ينبغي أن يُفهم بوصفه توصيفًا ثقافيًا-لغويًا، لا تصنيفًا عرقيًا أو دينيًا صارمًا.

وقد طوّر المؤرخون المسلمون أدوات فريدة، أبرزها نظام الإسناد، الذي انتقل من علوم الحديث إلى حقل التاريخ. ويظهر هذا المنهج بوضوح في أعمال محمد بن جرير الطبري، حيث تُعرض الروايات المتعددة للحدث الواحد بأسانيدها، دون فرض رواية واحدة بوصفها الحقيقة النهائية. هذه التقنية، رغم ما قد تسببه من تكدّس في الروايات، تعكس وعيًا مبكرًا بأن الحقيقة التاريخية هي نتيجة لعملية فحص وترجيح.
ولم يكن هذا المنهج خاليًا من الإشكالات. فالإكثار من النقل دون ترجيح قد يربك القارئ، كما أن بعض الأخبار تسللت إليها عناصر أسطورية أو ما يُعرف بالإسرائيليات. لكن القيمة المنهجية الحقيقية تكمن في هذا الفصل بين مرحلتين: مرحلة الجمع ومرحلة الحكم. فالمؤرخ يجمع ويعرض، بينما يُترك للباحث اللاحق أن يفحص ويوازن ويستخلص. وهي خطوة متقدمة إذا ما قيست بزمانها، لأنها تفصل بين سلطة الرواية وسلطة التأويل.
يبرز أحمد بن محمد بن يعقوب مسكويه (توفي 1030م) كونه نموذجًا لمرحلة انتقالية، حيث يعد التاريخ مجالًا للتفكير الفلسفي. في كتابه تجارب الأمم وتعاقب الهمم تتجاوز الكتابة حدود السرد إلى محاولة فهم القوانين التي تحكم التاريخ؛ إذ يتتبع مسكويه نشوء الدول وانحلالها، ويحلل سلوك الحكام، ويربط بين الأخلاق والسياسة، في مقاربة تقترب من الفلسفة السياسية بقدر ما تنتمي إلى علم التاريخ.
ومن المهم التدقيق في طبيعة هذا العمل؛ فهو يركّز—خاصة في أجزائه الأساسية—على التاريخ المتصل، وعلى الوقائع التي يمكن تحليلها ضمن سياقاتها السياسية والإدارية. وقيمته الحقيقية تكمن في نوعية نظره؛ إذ ينتقل من سؤال "ماذا حدث؟" إلى "لماذا حدث؟" و"ما الذي يمكن أن يُستفاد منه؟".

ويُقرأ هذا العمل كتمرينًا على التفكير التاريخي. إنه يسعى إلى ما يمكن تسميته "عقلنة الخبر"، أي تحويل الوقائع إلى مادة للتأمل، واستخلاص أنماط قد تتكرر في سلوك السلطة والمجتمع. ومع ذلك، فإن إسقاط هذه الأنماط على الحاضر يتطلب حذرًا منهجيًا؛ فالتاريخ يعيد إنتاج بنيات قد تتشابه وتختلف في آن.
تكمن أهمية قراءة التاريخ في تعلّم كيف نقرأ ما يُروى. فالقارئ الحقيقي يبحث عن فهم أعمق، ولا يكتفي بالسرد، بل يسائل شروطه وحدوده. ولعل هذا ما يمنح المقولة الشائعة—"من قرأ التاريخ أضاف إلى عمره أعمارًا"—معناها الفعلي؛ إذ تشير إلى اتساع في الوعي، وإلى امتلاك مسافة نقدية تتيح رؤية الحاضر بوصفه طبقة أخرى من تاريخ ما يزال يُكتب، ويُعاد تأويله، باستمرار.



#رياض_قاسم_حسن_العلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اختراع اللغة العبرية
- اسمي رياض
- العدوى المقدسة
- عن مفصل جواد علي
- كتابات نشأة الإسلام
- نقد الذوق الجمعي عند نيتشه
- بين جون لوك ولايبنتز
- رؤية في النظام الأمومي
- الدين والدم
- السندباد البحري
- العرب: بين الاصطلاح اللغوي والأسطورة التاريخية
- تاريخ الغطرسة
- في ذكرى السياب العراقي
- الباباوات السيئون: قراءة تاريخية نقدية في فساد السلطة الكنسي ...
- تأثير مدرسة الحوليات الفرنسية في الفكر التاريخي العربي: نحو ...
- مدرسة الحوليات الفرنسية: ثورة منهجية أعادت كتابة الماضي
- نعوم تشومسكي: العقل النقدي بين اللسانيات والسياسة
- جوليان بارنز
- الإشراقية: فلسفة النور بين العقل والذوق وميراث الحكمة الشرقي ...
- المثقفون الجدد


المزيد.....




- محادثات استثنائية بين -حماس- و-فتح- لاستكمال تنفيذ المرحلة ا ...
- رسائل تصعيد وسط توتر مع سيول.. بيونغ يانغ تختبر صواريخ باليس ...
- بروفيسور أمريكي: إيران ستصبح القوة الرابعة عالميا إذا احتفظت ...
- بإشراف أمريكي.. توحيد ميزانية ليبيا بعد 13 عاما
- -التحقيقات الفيدرالي- يواصل التحقيق بلغز اختفاء وموت 11 عالم ...
- جندي إسرائيلي يحطم تمثال -المسيح- في لبنان.. غضب وتحقيق بتل ...
- تصدع -العلاقة الخاصة-.. حرب إيران تدفع بريطانيا للعودة إلى أ ...
- استثمار أمريكي في مشروع للمعادن النادرة بجنوب أفريقيا
- التباين بين عراقجي وقاليباف.. هل كشف حدود سلطة الحكومة أمام ...
- بعد إعلان ترامب.. فيديو للحظة إطلاق النار على سفينة إيرانية ...


المزيد.....

- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان
- محاضرات في علم الصرف ( كتاب مخطوط ) . رقم التصنيف 485/252 ف ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - رياض قاسم حسن العلي - شئ عن التاريخ