أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - رياض قاسم حسن العلي - العقل والعالم














المزيد.....

العقل والعالم


رياض قاسم حسن العلي

الحوار المتمدن-العدد: 8698 - 2026 / 5 / 5 - 00:14
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


تُعدّ مسألة العلاقة بين العقل والعالم الخارجي من أكثر الإشكالات الفلسفية رسوخًا وتعقيدًا، إذ لا تنفصل عن سؤالين متلازمين: كيف نعرف؟ وما الذي يوجد فعلًا؟ ومنذ البدايات الأولى للتفكير الفلسفي، كان الإنسان يواجه العالم كلغز يتطلب تفسيرًا: هل ما ندركه هو الواقع ذاته، أم بناء ذهني يتشكل وفق شروطنا الخاصة؟ ومن هذا التوتر نشأت ثنائيات كبرى ستلازم تاريخ الفلسفة: العقل والحس، الذات والموضوع، الداخل والخارج.
في الفلسفة اليونانية، يمكن رصد البذور الأولى لهذه الإشكالية في التمييز الذي أقامه أفلاطون بين عالم المثل الثابت وعالم الحس المتغير؛ حيث تصبح المعرفة الحقيقية مرتبطة بالعقل لا بالحواس. في المقابل، سعى أرسطو إلى إعادة الاعتبار للتجربة الحسية، معتبرًا أن المعرفة تبدأ من الإدراك الحسي، وإن كانت لا تكتمل إلا بالفعل العقلي. ومع ذلك، ظل التوتر قائمًا بين ما هو معطى في التجربة وما يُبنى في الفكر.

غير أن هذه الإشكالية بلغت ذروتها مع الفلسفة الحديثة، خاصة مع المشروع العقلاني الذي بلغ تعبيره الأكثر حدة عند رينيه ديكارت. ففي محاولته تأسيس معرفة يقينية لا يطالها الشك، انتهى إلى الفصل الصارم بين “جوهر مفكر” (العقل) و“جوهر ممتد” (المادة). وبذلك، تحوّل العقل إلى ذات مكتفية بذاتها، بينما أصبح العالم موضوعًا خارجيًا منفصلًا. لكن هذا الحل، رغم صلابته المنهجية، أوقع الفلسفة في مأزق عميق: إذا كان العقل منغلقًا على ذاته، فكيف يمكنه الوصول إلى عالم مستقل عنه؟ وهنا ظهرت مشكلة التمثيل: هل المعرفة انعكاس مباشر للواقع، أم مجرد صور ذهنية لا نملك ضمانًا لمطابقتها له؟

في محاولة لتجاوز هذا الانقسام، قدّم إيمانويل كانت مشروعه النقدي، الذي أعاد صياغة العلاقة بين العقل والعالم على أساس التفاعل لا الفصل التام. فالمعرفة عنده نتيجة تلاقي معطيات التجربة مع البُنى القبلية للذهن. ومع ذلك، أبقى كانط على تمييز حاسم بين “الظواهر” كما تظهر لنا و“الشيء في ذاته” الذي يظل خارج متناول المعرفة. وهكذا، ورغم تقليص المسافة بين الذات والموضوع، بقيت فجوة ميتافيزيقية قائمة.
ضمن هذا الأفق الإشكالي، يأتي موريس ميرلوبونتي ليقترح تحوّلًا جذريًا، مستلهمًا أعمال إدموند هوسرل في الظاهراتية، لكنه متجاوزًا لها نحو أفق أكثر تجذرًا في التجربة الحية. فبدلًا من التساؤل عن كيفية اتصال العقل بعالم منفصل عنه، يشكك ميرلوبونتي في أصل هذا الفصل نفسه، معتبرًا إياه نتيجة تجريد فلسفي أبعدنا عن طبيعة وجودنا الفعلي.
ينطلق ميرلوبونتي من فكرة بسيطة في ظاهرها، عميقة في نتائجها: نحن لا نوجد أولًا كذوات مفكرة ثم نواجه العالم، بل نوجد منذ البداية داخل عالم نعيشه ونتفاعل معه. ومن هنا، يصبح الجسد عنصرًا مركزيًا في الفهم، باعتباره شرط إمكان كل تجربة. فالجسد ليس أداة نمتلكها، إنما هو نمط وجودنا ذاته؛ نحن “نكون” أجسادنا قبل أن “نملكها”.
هكذا يتحول الإدراك من عملية ذهنية خالصة إلى تجربة متجسدة. نحن لا نرى العالم كما تُسجّله آلة تصوير، ولا نفسّره عبر عقل منفصل، لكننا نلتقي به عبر حواس متجذرة في جسد يعيش في وسطه. إن الرؤية مثلًا انخراط فعلي في العالم؛ العين تتحرك، تختار، تركز، وتبني المعنى في تفاعل مستمر مع ما تراه.
ومن هنا، يعيد ميرلوبونتي صياغة العلاقة بين العقل والعالم كعلاقة تداخل لا تقابل. فالعالم ليس مادة خامًا ينتظر أن يشكله العقل، ولا العقل قالبًا جاهزًا يفرض نفسه على الواقع، إنما هو كلاهما يتكوّنان في لحظة التجربة ذاتها. حيث إننا لا نقف خارج العالم لنفهمه، لكن ننتمي إليه، ونشارك في ظهوره.
تتجلى هذه الفكرة في مفهومه عن التشابك حيث يصبح الوعي والعالم نسيجًا واحدًا متداخلًا. فحين نلمس شيئًا، لا يكون الفعل أحادي الاتجاه؛ نحن نلمس ونُلمس في الوقت نفسه. وهكذا، تتلاشى الحدود الصارمة بين الذات والموضوع، ليحل محلها نوع من “الامتداد المتبادل” الذي يتحدد فيه كل طرف عبر الآخر.
إن أهمية هذا التحول لا تقتصر على إعادة صياغة نظرية المعرفة، حيث تمتد إلى إعادة تعريف الإنسان ذاته. فبدلًا من كونه ذاتًا منعزلة تسعى إلى تمثيل عالم خارجي، يصبح كائنًا متجذرًا في تجربة معيشة، فالمعرفة حدث حي يتشكل في منطقة التماس بين الإنسان والعالم.

يفتح ميرلوبونتي أفقًا فلسفيًا يتجاوز ثنائيات الحداثة الصلبة، دون أن يسقط في إنكار الواقع أو اختزاله. إنه يعيد فهم الفرق بين الذات والعالم بوصفه علاقة ديناميكية، لا انفصالًا جوهريًا. وفي هذا الأفق، تكون الحقيقة أفقًا نشارك في انكشافه، ويكون الفهم انخراطًا في نسيج العالم الحي.

وهكذا، يمكن القول إن فلسفة ميرلوبونتي تمثل انتقالًا من منطق “المحو” الذي يفصل ويقصي، إلى منطق “التداخل” الذي يعترف بالاختلاف داخل وحدة التجربة. فالعالم ليس آخرًا ينبغي إخضاعه، ولا العقل سلطة تعلو عليه، إنما هو كلاهما يتكشفان معًا في تجربة إنسانية مفتوحة، لا تكتمل أبدًا، لكنها تظل قادرة على إنتاج المعنى في كل لحظة.



#رياض_قاسم_حسن_العلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من مركزية الإنسان إلى تفكيك الذات
- “علي” في تاريخ الحكم في العراق
- إنسان ما بعد الحداثة: قراءة في كتاب الدكتور أحمد جعيب كاظم.
- النقد بين ثقافتين
- في اليوم العالمي للكتاب
- عطسة تشرشل
- المخابرات العراقية / شهادة منقوصة
- أنا والبحرين
- ريلكه / شاعر العدم وإشراقات الوجود الخاطفة
- شئ عن التاريخ
- اختراع اللغة العبرية
- اسمي رياض
- العدوى المقدسة
- عن مفصل جواد علي
- كتابات نشأة الإسلام
- نقد الذوق الجمعي عند نيتشه
- بين جون لوك ولايبنتز
- رؤية في النظام الأمومي
- الدين والدم
- السندباد البحري


المزيد.....




- ترامب -لا يفكر في الوضع المالي للأمريكيين خلال حرب إيران-.. ...
- -خيانة عظمى-.. ترامب يهاجم وسائل الإعلام الأمريكية التي تفيد ...
- بتهمة -تمجيد الإرهاب-.. فرنسا تلاحق ناشطاً على خلفية تظاهرات ...
- تقرير يكشف: السعودية شنّت هجمات سرية على إيران في خضم الحرب ...
- روبيو باسمه الصيني الجديد يتوجه إلى بكين رغم العقوبات
- وسط انتقادات حقوقية.. محكمة تونسية تؤيد سجن صحفيَّين
- حرب إيران مباشر.. البنتاغون يكشف فاتورة الحرب وإسرائيل تعلن ...
- هل ستكون زيارة ترمب للصين على حساب إيران؟
- 4 سيناريوهات للتدخل.. كيف يوظف التنين الصيني نفوذه لإنهاء ال ...
- أتمنى ألا نُقصف في مهرجان كان.. عضو بلجنة التحكيم يهاجم هولي ...


المزيد.....

- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - رياض قاسم حسن العلي - العقل والعالم