أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - رياض قاسم حسن العلي - إنسان ما بعد الحداثة: قراءة في كتاب الدكتور أحمد جعيب كاظم.














المزيد.....

إنسان ما بعد الحداثة: قراءة في كتاب الدكتور أحمد جعيب كاظم.


رياض قاسم حسن العلي

الحوار المتمدن-العدد: 8691 - 2026 / 4 / 28 - 22:24
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


يقدّم مؤلف هذا الكتاب عرضًا سلسًا ومكثفًا لمفهوم الإنسان، كما تبلور في تصورات مفكري الحداثة وما بعد الحداثة، وعلاقتهم بالعالم من حوله. وقد نجح في تلخيص إشكاليات معقدة بلغة واضحة، دون أن يفقدها عمقها الفكري أو دقتها المفاهيمية.

ولا أخفي أنني كنت مترددًا في الإقدام على قراءة هذا الكتاب، انطلاقًا من تجربة سابقة مع بعض المؤلفات الفلسفية التي تميل إلى التعقيد المفرط، فتُغرق الأفكار في لغة اصطلاحية كثيفة تنفّر القارئ بدل أن تقرّبه. غير أن هذا العمل جاء على خلاف ذلك تمامًا؛ إذ وجدت نفسي منخرطًا في قراءته بسلاسة، متنقلًا بين أفكاره دون عناء أو ملل.

لقد تميز أسلوب المؤلف بقدرته على عرض الأفكار بوضوح وتنظيم، مع اعتماد تقنية كتابية تجمع بين الشرح والتحليل، دون الوقوع في التبسيط المُخل أو الإبهام المصطنع. وهذا ما يدل على أن الكاتب يمتلك فهمًا عميقًا للأفكار، ويعيد صياغتها بروح الباحث الذي يعي ما يكتب، ويعرف كيف يقدّمه للقارئ بأسلوب متماسك وجذاب.

بشكل عام، يمكن النظر إلى المشروع الحداثي كلحظة تاريخية رفعت من شأن الإنسان إلى أقصى حد ممكن، حين أُعيد تعريفه باعتباره “ذاتًا مفكِّرة” تمتلك القدرة على فهم العالم والسيطرة عليه. فمنذ رينيه ديكارت وإعلانه الشهير عن أولوية التفكير، أصبح الإنسان مركزًا للكون، لا مجرد كائن يعيش فيه. هذا التحول نقل الإنسان من موقع التابع للطبيعة أو الخاضع للميتافيزيقا إلى موقع السيد الذي يفسر ويُنتج المعرفة ويعيد تشكيل الواقع. وهكذا، تشكّلت صورة الإنسان الحديث ككائن عقلاني، مستقل، قادر على الفعل والتغيير، كأنّه “إله أرضي” يمسك بخيوط العالم.
غير أن هذه الصورة سرعان ما تعرّضت لتصدّع عميق مع بروز تيارات ما بعد الحداثة، حيث جاء مفكرون مثل ميشيل فوكو وجاك دريدا ليعلنوا، بشكل أو بآخر، “موت الإنسان” بإعتباره مركزًا ثابتًا للمعرفة. لم يكن المقصود اختفاء الإنسان البيولوجي، إنما انهيار ذلك المفهوم الميتافيزيقي الذي يفترض أن للإنسان طبيعة ثابتة وجوهرًا مستقرًا. فالإنسان، وفق هذا التصور الجديد هو نتاج شبكات معقدة من الخطابات والمعارف والبُنى الاجتماعية، وهو في حالة تشكّل دائم، لا يمكن تثبيته في تعريف نهائي.
لذا تصبح فكرة “الذات” نفسها موضع شك. لم تعد الذات كيانًا شفافًا يدرك نفسه والعالم بوضوح، لكنها صارت مشروطة بقوى خفية، منها ما هو لغوي، ومنها ما هو اجتماعي أو نفسي. وهنا يبرز تأثير مفاهيم مثل اللاوعي التي تعود إلى سيغموند فرويد، حيث لم يعد الإنسان سيد قراراته بالكامل، لكن تحكمه دوافع غير واعية. وبهذا المعنى، يتفكك التصور الحداثي للإنسان الحر القادر على تجاوز شروطه، ليحل محله إنسان محدود بإطاره البيولوجي والاجتماعي.

أما الحرية، التي كانت حجر الأساس في عصر التنوير، فقد فقدت الكثير من معناها في ظل هذه التحولات. فإذا كان الإنسان محكومًا ببُنى تتجاوزه، فإن الحديث عن حرية مطلقة يصبح موضع تساؤل. حيث أصبحت الحرية تُفهم داخل شبكة من الشروط والقيود التي يصعب تجاوزها. وهكذا، تتحول الحرية من قيمة مطلقة إلى مفهوم إشكالي، يرتبط بقدرة الإنسان على التفاوض مع هذه المحددات لا التخلص منها.
ومن جهة أخرى، تتبنى ما بعد الحداثة موقفًا نقديًا حادًا من “الكليات”؛ سواء كانت عقلانية أو دينية أو حتى مادية. فهي ترفض فكرة الحقيقة المطلقة أو المركز الثابت، وتؤكد أن العالم في حالة صيرورة مستمرة لا تعرف الاستقرار. في هذا العالم المتحوّل، تغدو مفاهيم مثل “المعنى” و”الحقيقة” نسبية ومتعددة ومفتوحة على قراءات لا نهائية. وهنا تتراجع سلطة العقل بوصفه الأداة الوحيدة لفهم العالم، ليحل محلها تعدد في المناهج والرؤى، يشمل العقل واللاوعي والخيال والخطاب.

لقد ساهم التطور الهائل في وسائل الاتصال في تعميق هذا التحول. فمع تعدد الوسائط وتداخلها، لم يعد هناك مركز واحد ينتج المعنى، إذ أصبحت المعاني موزعة ومتشظية عبر شبكات إعلامية وثقافية معقدة. وهنا يمكن استحضار أطروحات جان بودريار حول “المحاكاة” و”الواقع الفائق”، حيث يعيد الإعلام إنتاج الواقع بطريقة تجعل من الصعب التمييز بين الحقيقي والمصطنع.
وتحولت وسائل الإعلام إلى قوة فاعلة في تشكيل الوعي الجمعي. فهي تصنع صورة العالم في أذهاننا، وتحدد إلى حد كبير كيفية فهمنا للأحداث والقضايا. ومن هنا، يغدو تأثيرها عميقًا وخطيرًا في آن واحد، لأنها تعمل من داخل حياتنا اليومية، دون أن نشعر في كثير من الأحيان بآلياتها الخفية.
إن خطورة هذه الوسائط تكمن في بإنها تدخل إلى الفضاء الخاص للإنسان، إلى بيته ووعيه، دون مقاومة تُذكر. فهي تمارس نوعًا من الهيمنة الناعمة، حيث تُعاد صياغة الأفكار والقيم بطريقة تدريجية وغير مباشرة. وبذلك، تتحول وسائل الاتصال إلى أدوات سلطة بيد من يمتلكها، تُستخدم لإعادة تشكيل المجتمعات وتوجيه مواقفها، في ظل شعوب تبدو، في كثير من الأحيان، عاجزة عن امتلاك أدوات نقدية كافية لمواجهة هذا السيل المتدفق من الصور والخطابات.
إن ما بعد الحداثة نقدت مركزية الإنسان وكشفت أيضًا عن هشاشة المفاهيم التي بُنيت عليها الحداثة، وفتحت الباب أمام عالم بلا مركز ثابت، عالمٍ تتعدد فيه الحقائق وتتداخل فيه الحدود بين الواقع والتمثيل، وبين الحرية والهيمنة.



#رياض_قاسم_حسن_العلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- النقد بين ثقافتين
- في اليوم العالمي للكتاب
- عطسة تشرشل
- المخابرات العراقية / شهادة منقوصة
- أنا والبحرين
- ريلكه / شاعر العدم وإشراقات الوجود الخاطفة
- شئ عن التاريخ
- اختراع اللغة العبرية
- اسمي رياض
- العدوى المقدسة
- عن مفصل جواد علي
- كتابات نشأة الإسلام
- نقد الذوق الجمعي عند نيتشه
- بين جون لوك ولايبنتز
- رؤية في النظام الأمومي
- الدين والدم
- السندباد البحري
- العرب: بين الاصطلاح اللغوي والأسطورة التاريخية
- تاريخ الغطرسة
- في ذكرى السياب العراقي


المزيد.....




- -بدنا نروق-.. هيفاء وهبي في فيديو طريف مع حسن أبو الروس من م ...
- فستان بوزن 15 كيلوغرامًا يلفت الأنظار في مهرجان كان
- غزلان -مخمورة- تهدد الطرق في فرنسا.. تحذير غير مألوف للسائقي ...
- ما أبرز نقاط المحادثات بين لبنان وإسرائيل؟ وهل تمضي قدماً؟
- الحرب في أوكرانيا: هجوم روسي واسع النطاق على كييف بمسيّرات و ...
- حلم العمر يتحقق.. حجاج أردنيون يبثون فرحهم قبيل التوجه إلى م ...
- قبل قمة بكين بأيام.. واشنطن تعاقب شركات فضائية صينية بتهمة د ...
- شاهد.. أطفال يلوّحون بأعلام أمريكا خلال استقبال شي لترامب في ...
- -إنه لشرف لي أن أكون صديقك-.. ترامب يبدأ قمته الثنائية مع ال ...
- حصري: مشروع قوس ترامب يثير قلقًا داخل قطاع الطيران الأمريكي ...


المزيد.....

- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - رياض قاسم حسن العلي - إنسان ما بعد الحداثة: قراءة في كتاب الدكتور أحمد جعيب كاظم.