أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رياض قاسم حسن العلي - النقد بين ثقافتين














المزيد.....

النقد بين ثقافتين


رياض قاسم حسن العلي

الحوار المتمدن-العدد: 8690 - 2026 / 4 / 27 - 00:13
المحور: قضايا ثقافية
    


ليس من المبالغة القول إن لمصطلح “النقد” يحمل في الوعي العربي دلالة نفسية وثقافية تختلف جذريًا عن دلالاته في السياق الغربي. فالكلمة ذاتها، على بساطتها الظاهرة، تنطوي على تاريخ طويل من الالتباس، جعلها تتأرجح بين كونها أداة للفهم والتقويم، ووسيلة للهدم والتجريح. ومن هنا تنشأ ضرورة التمييز، على مستوى اللغة وكذلك على مستوى الرؤية الكامنة خلف استعمالها.
في التداول الشعبي العربي الشائع، غالبًا ما يُفهم النقد بكونه مرادفًا للنقص، أو كشفًا للعيوب بقصد التقليل من شأن الآخر. فيتحول النقد إلى فعل صدامي، يحمل طابعًا شخصيًا، ويُستقبل كتهديد للهيبة أو المكانة، لا كإسهام في تحسين الفكرة أو تطويرها. ولذلك، كثيرًا ما يُقابل بالرفض أو الحساسية أو حتى العداء، وكأنه اعتداء لا حوار.
غير أن هذا الفهم ليس أصيلًا في التراث العربي كما قد يبدو، هو نتيجة تراكمات تاريخية وثقافية، ارتبطت بطبيعة البنى السلطوية، سواء كانت سياسية أو دينية أو اجتماعية، حيث تم تقييد حرية السؤال، وإحاطة الأفكار بهالة من القداسة أو العصمة. ومع الزمن، تكرّس نمط ذهني يرى في الاختلاف خطرًا، وفي المساءلة خروجًا عن الإجماع، فغاب النقد كممارسة معرفية، وحضر كسلوك سلبي.

في حين يتخذ النقد في الثقافة الغربية معنى مغايرًا تمامًا. فهو فعل تأسيسي في بنية المعرفة، لا يمكن تصور تقدم علمي أو فلسفي من دونه. النقد هناك تحليل ومساءلة منهجية تهدف إلى الكشف عن الحدود واختبار الفرضيات وتصحيح المسارات. إنه جزء من آلية إنتاج الحقيقة نفسها، وليس مجرد رد فعل عليها.
العقل النقدي هو عقل يسائل المعطيات من الداخل والخارج معًا. من الداخل، عبر تفكيك البنية المنطقية للفكرة، واختبار تماسكها واتساقها. ومن الخارج، عبر البحث في أصولها وسياقاتها وظروف نشأتها. حيث يصبح النقد مرادفًا للعقلانية ذاتها، إذ لا عقل بلا تساؤل، ولا معرفة بلا مراجعة.

وربما الحداثة الغربية ليست سوى تكريس لهذا المبدأ: مبدأ عدم التسليم. فكل فكرة، مهما بدت راسخة، تظل قابلة للفحص، وكل مسلّمة تظل مفتوحة على الاحتمال. ومن هنا، كان النقد طقسًا يوميًا من طقوس الفكر، وأداة دائمة لإعادة بناء العالم.
غير أن الإشكال لا يكمن في وجود اختلاف بين الثقافتين، فهذا أمر طبيعي، لكن الأشكال يكون في تحوّل هذا الاختلاف إلى قطيعة مع أحد أهم شروط التقدم وهو حرية النقد. فحين يُرفض النقد بدعوى الحفاظ على الثوابت، أو يُساء فهمه بوصفه عدوانًا، فإن النتيجة تجميد الفكر. إذ إن الأفكار التي لا تُختبر، تذبل؛ والتي لا تُناقش، تتكلس؛ والتي لا تُنقد، تتحول إلى يقينيات مغلقة، عاجزة عن التفاعل مع الواقع.
والأهم من ذلك أن رفض النقد لا يعكس قوة، كما قد يُتصور، إذ يعكس هشاشة كامنة. فالثقة الحقيقية بالفكرة تظهر في قدرتها على الصمود أمام السؤال. النقد، هو اعتراف ضمني بقيمة الشيء، لأن ما لا قيمة له لا يُناقش أصلًا.
إن إعادة الاعتبار للنقد في الثقافة العربية تعني استعادة وظيفة أصيلة للعقل: أن يسأل، أن يفكك، أن يعيد النظر. تعني الانتقال من حساسية الاتهام إلى رحابة الحوار، ومن منطق الدفاع إلى منطق الفهم. فالنقد، حين يمارَس كفعل معرفي، فإنه يثري الهوية وينقي اليقين.

لا يمكن لأي مشروع فكري أو حضاري أن ينهض في غياب النقد، لأنه ببساطة الأداة التي تضمن حيويته واستمراره. وبين ثقافة ترى في النقد خطرًا، وأخرى تراه ضرورة، يتحدد مصير الأفكار: إما أن تعيش وتتطور، أو أن تنغلق وتندثر.



#رياض_قاسم_حسن_العلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في اليوم العالمي للكتاب
- عطسة تشرشل
- المخابرات العراقية / شهادة منقوصة
- أنا والبحرين
- ريلكه / شاعر العدم وإشراقات الوجود الخاطفة
- شئ عن التاريخ
- اختراع اللغة العبرية
- اسمي رياض
- العدوى المقدسة
- عن مفصل جواد علي
- كتابات نشأة الإسلام
- نقد الذوق الجمعي عند نيتشه
- بين جون لوك ولايبنتز
- رؤية في النظام الأمومي
- الدين والدم
- السندباد البحري
- العرب: بين الاصطلاح اللغوي والأسطورة التاريخية
- تاريخ الغطرسة
- في ذكرى السياب العراقي
- الباباوات السيئون: قراءة تاريخية نقدية في فساد السلطة الكنسي ...


المزيد.....




- بين فيلمين و20 عامًا من الموضة.. كيف تحولت إطلالات آن هاثاوا ...
- سعد لمجرد يعلن عودته إلى منزله بعد حكم قضائي بسجنه في فرنسا ...
- شاهد.. دبّان أسودان نادران يستمتعان بالاستحمام معًا داخل حدي ...
- مقتل قيادي في -داعش- بعملية أمريكية ? نيجيرية.. ماذا قال ترا ...
- شهد توقفًا لدقائق.. أنغام تحيي حفلا جماهيريًا بالقاهرة
- طفل غزة المتنازع على أبوّته ينتظر الحقيقة المؤجلة
- الإمارات ترد على إيران: لا نحتاج حماية من أحد ولدينا القدرة ...
- تحالف الدعم السريع -تأسيس- يطلب حواراً مع واشنطن
- برشلونة يعلن رسمياً رحيل مهاجمه ليفاندوفسكي
- أرسطو.. تلميذ أفلاطون و-المعلم الأول- للمنطق


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رياض قاسم حسن العلي - النقد بين ثقافتين