رياض قاسم حسن العلي
الحوار المتمدن-العدد: 8701 - 2026 / 5 / 8 - 15:55
المحور:
الطب , والعلوم
من أكثر الأفكار التي أسرت خيال الإنسان المعاصر فكرةُ تعدد الأكوان أو وجود عوالم موازية تسير جنبًا إلى جنب مع عالمنا، بحيث توجد نسخ أخرى من الواقع، قد تشبه حياتنا بصورة شبه كاملة، أو تختلف عنها جذريًا في أحداثها وقوانينها وحتى في شكل الإنسان نفسه. ولهذا ليس غريبًا أن تحظى الأفلام والمسلسلات التي تتناول هذه الفكرة بشعبية واسعة، لأنها تلامس شيئًا عميقًا في المخيلة الإنسانية: الرغبة في تخيل “الاحتمالات الأخرى” للحياة والوجود.
لقد أصبحت فكرة الأكوان المتعددة عنصرًا مركزيًا في كثير من الأعمال السينمائية والدرامية الحديثة، من أفلام الخيال العلمي إلى الأعمال الفلسفية والنفسية، لأنها تمنح السرد مساحة لا نهائية لطرح الأسئلة:
ماذا لو اتخذنا قرارًا مختلفًا في لحظة ما؟
هل توجد نسخة أخرى منا تعيش حياة مغايرة؟
هل يمكن أن تكون كل الاحتمالات التي لم تتحقق هنا قد تحققت في مكان آخر؟
وهل الكون الذي نراه ليس سوى فرع صغير ضمن بنية كونية أوسع وأعقد بكثير؟
إن جاذبية هذه الفكرة تعود إلى بعدها الوجودي، إضافة إلى البعدين العلمي والفلسفي. فالإنسان بطبيعته يميل إلى تخيل “العالم البديل”، سواء بوصفه مهربًا من الواقع أو محاولة لفهم المصير والصدفة والاختيار. ولهذا نجد أن فكرة العوالم المتوازية لها جذور رمزية وأسطورية ودينية عميقة في ثقافات مختلفة عبر التاريخ.
ففي كثير من الأساطير القديمة تظهر تصورات عن عوالم خفية موازية لعالم البشر، تسكنها كائنات أخرى أو أرواح أو قوى غير مرئية، كما في الميثولوجيا الإسكندنافية التي تحدثت عن عوالم متعددة مترابطة، أو في بعض المرويات الشرقية التي تصف طبقات مختلفة للوجود. كذلك نجد في بعض التصورات الدينية إشارات إلى عوالم غير مرئية أو مستويات وجود تتجاوز الإدراك الإنساني المباشر، وإن كانت هذه التصورات تختلف جذريًا عن المعنى الفيزيائي الحديث لفكرة الأكوان المتعددة.
وفي تاريخ الفيزياء الحديثة، قلّما اجتمعت الجرأة الفكرية مع العزلة الإنسانية كما اجتمعتا في سيرة هيو إيفريت الثالث.
فهذا الشاب الذي لم يتجاوز منتصف العشرينيات حين طرح إحدى أكثر الأفكار راديكالية في تاريخ ميكانيكا الكم، انتهى إلى حياة يغلب عليها الانطواء والتهميش، وكأن مصيره الشخصي كان على النقيض تمامًا من الاتساع الكوني الذي تخيله نظريًا.
لقد اقترح إيفريت تصورًا يهدم الفكرة التقليدية عن “الواقع الواحد”، ويستبدلها بكونٍ تتشعب فيه جميع الاحتمالات الممكنة إلى مسارات متوازية. ومع أن هذه الفكرة بدت في خمسينيات القرن العشرين أقرب إلى الخيال الميتافيزيقي، فإنها تحولت لاحقًا إلى واحدة من أشهر التفسيرات المطروحة في فيزياء الكم، وأكثرها إثارة للجدل الفلسفي.
وُلد إيفريت عام 1930 في الولايات المتحدة، ودرس الفيزياء والرياضيات في جامعة برنستون تحت إشراف الفيزيائي البارز جون أرشيبالد ويلر، أحد أهم الأسماء في الفيزياء النظرية في القرن العشرين.
في تلك المرحلة، كانت ميكانيكا الكم قد حققت نجاحًا رياضيًا وتجريبيًا هائلًا، لكنها بقيت تعاني من أزمة تفسيرية عميقة.
فالمعادلات الكمومية تصف الجسيمات بوصفها حالات احتمالية متراكبة، أي أن الجسيم لا يمتلك خاصية محددة بصورة نهائية قبل القياس. لكن المشكلة تظهر عند لحظة الرصد: لماذا نحصل على نتيجة واحدة فقط بدلًا من بقاء جميع الاحتمالات؟
كان التفسير السائد آنذاك هو تفسير كوبنهاغن المرتبط بأسماء مثل نيلز بور وفيرنر هايزنبرغ.
يفترض هذا التفسير أن دالة الموجة “تنهار” عند القياس، فتختفي جميع الاحتمالات ما عدا احتمالًا واحدًا يتحول إلى واقع فعلي.
لكن إيفريت رأى أن فكرة “الانهيار” تبدو إضافة غامضة إلى النظرية، وليست جزءًا طبيعيًا من قوانينها الرياضية. بالنسبة إليه، لم يكن السؤال: متى تنهار دالة الموجة؟ بل: لماذا نفترض أصلًا أنها تنهار؟
عام 1957 نشر إيفريت أطروحته الشهيرة بعنوان: “الصياغة النسبية لحالة ميكانيكا الكم” (Relative State Formulation).
في هذه الصياغة، اقترح أن دالة الموجة لا تنهار أبدًا ، حيث تستمر في التطور وفق معادلة إروين شرودنغر، بحيث تتحقق جميع النتائج الممكنة، لكن في فروع مختلفة من الواقع.
فعندما يحدث قياس كمومي، لا يختفي أي احتمال؛ إنما ينقسم النظام إلى حالات متعددة، في كل واحدة منها تتحقق نتيجة معينة. وهكذا، بدل أن يكون هناك “واقع واحد” ينتصر فيه احتمال واحد، يصبح هناك عدد هائل من الفروع المتوازية التي تتحقق فيها كل الإمكانات.
في هذا التصور لا توجد لحظة سحرية لانهيار دالة الموجة ، ولا يوجد امتياز خاص للمراقب البشري ، ولا يوجد فصل جذري بين الراصد والمرصود ، فالكون كله يُوصف بدالة موجة واحدة شاملة.
وقد عُرفت هذه الرؤية لاحقًا باسم تفسير العوالم المتعددة، رغم أن إيفريت نفسه لم يستخدم هذا الاسم بصيغته الشائعة لاحقًا.
تكمن أهمية طرح إيفريت في أنه حاول حل ما يُعرف بـ”مشكلة القياس” في ميكانيكا الكم.
فالعالم الكمومي يسمح بالتراكب والاحتمالات، بينما يبدو العالم اليومي ثابتًا ومحددًا.
السؤال كان دائمًا: كيف ننتقل من تعدد الإمكانات إلى نتيجة واحدة محسوسة؟
تفسير كوبنهاغن أعطى للمراقب دورًا محوريًا، لكنه ترك معنى “القياس” غامضًا. أما إيفريت فقد ألغى هذه المركزية تمامًا: الإنسان ليس كائنًا خارج النظام الكوني، لكنه جزء من البنية الكمومية نفسها.
ومن هنا ظهر مفهوم “دالة الموجة الكونية”، حيث يصبح الكون بأسره — بما فيه الوعي البشري — نظامًا واحدًا متشابكًا يتطور باستمرار دون انقطاع.
كانت هذه الفكرة صادمة فلسفيًا بقدر ما كانت جذرية علميًا، لأنها تنزع عن الإنسان امتيازه التقليدي بوصفه نقطة حسم الواقع.
الرفض والتهميش
لم يكن المجتمع العلمي مهيأً لتقبّل هذه الرؤية ، فحتى مشرفه ويلر، رغم إعجابه بذكاء إيفريت، حاول تخفيف الطابع الراديكالي للنظرية كي تصبح أكثر قبولًا داخل الأوساط الأكاديمية.
أما نيلز بور، الذي اطّلع على أفكار إيفريت، فلم يقتنع بها. وقد عد كثير من الفيزيائيين آنذاك أن النظرية أقرب إلى التأمل الفلسفي منها إلى الفيزياء التجريبية، خصوصًا أنها لم تقدّم تنبؤات مختلفة يمكن اختبارها عمليًا مقارنة بالتفسيرات الأخرى.
نتيجة لذلك، دخلت أفكار إيفريت في مرحلة طويلة من الإهمال، وغادر هو نفسه الوسط الأكاديمي مبكرًا.
بعد خروجه من الجامعة، عمل إيفريت في مؤسسات بحثية مرتبطة بالجيش الأمريكي، منها معهد تحليلات الدفاع ، وهناك استخدم قدراته الرياضية في تحليل السيناريوهات النووية ونمذجة استراتيجيات الردع خلال الحرب الباردة ، وقد ارتبط عمله بأبحاث تتعلق بمفهوم الدمار المتبادل المؤكد، وهو التصور الذي يقوم على أن امتلاك القوى النووية القدرة على التدمير الشامل يمنع الحرب المباشرة بينها.
المفارقة هنا لافتة ، فالرجل الذي تخيل وجود عدد لا نهائي من الأكوان الممكنة، أمضى جزءًا من حياته في حساب احتمالات الفناء الكوني داخل عالم واحد.
على المستوى الإنساني، كان إيفريت شخصية منطوية ومعقدة ، حيث وصفه المقربون بأنه شديد البرود العاطفي، قليل التواصل، ومنغلق حتى داخل أسرته. كما عانى من إدمان الكحول والتدخين، ويبدو أن حياته النفسية كانت مثقلة بشعور عميق بالاغتراب.
توفي عام 1982 إثر أزمة قلبية عن عمر 51 عامًا، قبل أن يشهد التحول الكبير في مكانة أفكاره داخل الفيزياء النظرية.
ابتداءً من سبعينيات القرن العشرين، بدأ الاهتمام يتجدد بأعمال إيفريت، خصوصًا بفضل الفيزيائي برايس ديويت الذي لعب دورًا أساسيًا في نشر مصطلح “العوالم المتعددة”.
ثم جاءت أبحاث إزالة الترابط الكمومي لتمنح تصور إيفريت دعمًا إضافيًا.
فإزالة الترابط لا تثبت وجود الأكوان المتعددة بصورة مباشرة، لكنها تفسر كيف يبدو العالم الكلاسيكي ثابتًا ومحددًا رغم الطبيعة الكمومية للتراكب، من دون الحاجة إلى افتراض “انهيار” فعلي لدالة الموجة.
ومع تطور الحوسبة الكمومية، عاد الاهتمام العملي بالتراكبات الكمومية، الأمر الذي أعاد إحياء النقاش حول تفسير إيفريت، حتى وإن ظل الجدل قائمًا حول قابليته للاختبار التجريبي.
واليوم يُعد تفسير العوالم المتعددة أحد أشهر التفسيرات المعاصرة لميكانيكا الكم، إلى جانب تفسيرات أخرى منافسة، من دون وجود حسم نهائي بينها.
قصة إيفريت تتجاوز حدود الفيزياء الخالصة ، فبعد سنوات من وفاته، تركت ابنته إليزابيث إيفريت رسالة مؤثرة قبل انتحارها عام 1996، كتبت فيها أنها تأمل أن “تلتقي به في كون آخر”.
تتحول النظرية الفيزيائية هنا إلى استعارة إنسانية للحزن والفقد، ويغدو مفهوم “العوالم الأخرى” أكثر من مجرد فرضية رياضية؛ يصبح محاولة لمقاومة نهائية الغياب.
عبقرية سبقت عصرها
تكشف سيرة هيو إيفريت الثالث مفارقة فكرية عميقة ، فكلما اتسعت صورة الكون، تقلّص شعور الإنسان بمركزيته داخله.
لقد حاول إيفريت إزالة التناقضات الكامنة في ميكانيكا الكم عبر أخذ معادلاتها على محمل الجد حتى نهايتها القصوى، لكنه فتح بذلك أبوابًا فلسفية هائلة:
هل توجد بالفعل نسخ متعددة منا؟
هل تتحقق كل اختياراتنا الممكنة؟
هل الواقع الذي نعيشه مجرد فرع من بنية أعظم؟
وهل الحقيقة هي ما نرصده فقط، أم أيضًا ما يتجاوز قدرتنا على الإدراك؟
ربما لم يكن إيفريت يسعى إلى تقديم يقين نهائي بقدر ما كان يحاول تحطيم الوهم القائل إن للواقع تفسيرًا واحدًا بسيطًا.
ولهذا بقيت أفكاره، حتى اليوم، عند الحد الفاصل بين الفيزياء والفلسفة، بين الرياضيات والأسئلة الوجودية، وبين العلم وما يعجز الإنسان عن تخيله بالكامل.
#اعداد
#رياض_قاسم_حسن_العلي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟