أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رياض قاسم حسن العلي - المشكلة العراقية: سماء الآخر ومظلة الوطن














المزيد.....

المشكلة العراقية: سماء الآخر ومظلة الوطن


رياض قاسم حسن العلي

الحوار المتمدن-العدد: 8699 - 2026 / 5 / 6 - 22:12
المحور: قضايا ثقافية
    


إذا أردنا أن نقترب من فهم ما يمكن تسميته بـ"المشكلة العراقية"، فلا يكفي أن نصفها بوصف سياسي عابر أو أزمة مرحلية مرتبطة بظرف تاريخي معين، فنحن أمام بنية عميقة من التفكير، تشكّلت عبر تداخل معقّد بين التاريخ، والسلطة، والأيديولوجيا، والمجتمع. هذه البنية تُنتج الانقسام، وتعيد إنتاجه باستمرار، بحيث يصبح الانقسام نفسه نمطًا مستقرًا من الوجود، لا حالة طارئة.
في ظاهر الأمر، تبدو المشكلة كأنها اختلاف في الآراء أو تعدد في الانتماءات، وهو أمر طبيعي في أي مجتمع. لكن ما يجعل الحالة العراقية مختلفة هو أن هذا التعدد لا يتحول إلى تنوع، إنما إلى تنافر، لأن الإطار الذي يُفترض أن يحتويه—أي فكرة الوطن—لم يترسخ بوصفه مرجعية عليا قادرة على تنظيم الاختلاف. وهنا تحديدًا تكمن الأزمة: ليس في وجود الانتماءات، لكن في غياب ما يعلو عليها.
من الناحية التاريخية، لم تتشكل الدولة في العراق الحديث كنتيجة تطور اجتماعي داخلي متدرج، حيث جاءت إلى حدّ كبير ككيان مفروض ضمن ترتيبات إقليمية ودولية. هذا النشوء المرتبك للدولة جعل العلاقة بينها وبين المجتمع علاقة غير مكتملة، وأحيانًا كانت علاقة ريبة متبادلة. فالدولة لم تنجح في أن تصبح التعبير النهائي عن الإرادة الجماعية، والمجتمع لم يرَ فيها دائمًا تمثيلًا صادقًا لهويته.
هذا الخلل البنيوي فتح المجال أمام الأيديولوجيات الكبرى لتملأ الفراغ. فبدل أن يكون الوطن هو الإطار الذي تُفهم من خلاله السياسة، أصبحت السياسة تُفهم من خلال أطر أوسع من الوطن: أممية، قومية، أو دينية. وهكذا، لم يعد العراق مركز الانتماء، إنما أصبح نقطة تقاطع لانتماءات تتجاوزه. الشيوعي يرى نفسه جزءًا من حركة عالمية، والقومي يذيب حدوده في أمة أوسع، والإسلامي ينتمي إلى جماعة تتجاوز الجغرافيا. في كل هذه الحالات، يتراجع الوطن من كونه "أصلًا" إلى كونه "فرعًا".
هذه الظاهرة تنعكس مباشرة في طريقة تقييم الأفراد. فالفرد لا يُحكم عليه بناءً على سلوكه داخل مجتمعه أو التزامه بمصالحه، لكن بناءً على موقعه داخل خريطة الانتماءات. يصبح السؤال الأساسي: إلى أي صف تنتمي؟ لا: ماذا تفعل لهذا المكان الذي تعيش فيه؟ وبهذا، يتحول الاختلاف الطبيعي إلى شبهة، ويصبح الحياد خيانة، ويُنظر إلى الاستقلال الفكري بوصفه موقفًا مريبًا.
الأخطر من ذلك أن هذه البنية الذهنية تُنتج نوعًا من "الوعي المُستعار"، حيث يُنظر إلى الواقع المحلي من خلال انعكاساته في الخارج. الأحداث التي تقع خارج الحدود تكتسب أحيانًا وزنًا أكبر من الأحداث التي تقع داخلها لأنها مرتبطة بالانتماءات التي تمنح الأفراد شعورًا باليقين. وهنا تتجسد المفارقة: قد يعيش الإنسان في واقع معين، لكنه يفسره ويتفاعل معه وفق معايير مستمدة من واقع آخر.
ويمكن فهم تلك الصورة المجازية: أن تُرفع المظلات هنا لأن السماء تمطر في مكان آخر كتوصيف دقيق لآلية ذهنية تجعل الخارج معيارًا للداخل، وتجعل الانتماء سابقًا على الواقع ومحددًا له.
ولا يقتصر الأمر على الأيديولوجيات الحديثة، حيث يمتد إلى البنى التقليدية، كالعشيرة. فبدل أن تتطور هذه البنية لتصبح جزءًا من نسيج وطني أوسع، نجد في بعض الحالات نزوعًا لإعادة تعريف الذات من خلال أصول خارجية، وكأن الانتماء المحلي غير كافٍ أو غير مُرضٍ. هذا البحث المستمر عن "جذر خارجي" يعكس، في عمقه، أزمة ثقة بالذات الجمعية، أو عجزًا عن إنتاج سردية وطنية جامعة تُشعر الأفراد بالاكتفاء.
النتيجة النهائية لكل ذلك هي ما يمكن تسميته بـ"انسحاب الوطن من الوعي". فالعراق لا يختفي كجغرافيا أو كدولة، لكن كفكرة جامعة. يتحول إلى مساحة تُمارَس فيها صراعات الآخرين، أو تُستعاد فيها معارك رمزية لا تنتمي بالضرورة إلى واقعه. ومع غياب هذا المركز، يصبح كل انتماء جزئي مشروعًا كليًا، وكل اختلاف تهديدًا وجوديًا.
إن أخطر ما في هذه الحالة هو تطبيع الانقسام ، حين يصبح من الطبيعي أن يُعرَّف الإنسان من خلال انتمائه الضيق، وأن يُقصى بسبب اختلافه، وأن يُشكك في وطنيته لأنه لا يردد خطابًا معينًا، فإننا نكون أمام مجتمع فقد معاييره المشتركة، ولم يعد يمتلك لغة جامعة للحكم على الأفعال.
تجاوز هذه الإشكالية لا يمكن أن يتم عبر الدعوة المجردة إلى "الوطنية"، لأن الوطنية نفسها فقدت معناها في هذا السياق، وأصبحت أحيانًا مجرد شعار يُستخدم داخل الصراعات. المطلوب هو إعادة بناء مفهوم الوطن بإعتباره إطارًا قانونيًا وأخلاقيًا يسبق الانتماءات ولا يلغيها، ويمنحها معنى بدل أن يتركها تتصارع في فراغ.

وهذا يقتضي...
أولًا، إعادة تعريف المواطنة بكونها علاقة حقوق وواجبات لا علاقة ولاءات.
وثانيًا، بناء سردية تاريخية وثقافية تُشعر الأفراد بأنهم جزء من قصة مشتركة، لا مجرد تقاطعات مؤقتة. كما يتطلب ذلك تحرير الفضاء العام من هيمنة الخطابات التي تُغلقه على تفسير واحد، وفتح المجال أمام تعددية حقيقية لا تُختزل في صراع هويات.

لا يمكن لأي مجتمع أن يستقر ما لم يمتلك مركزًا رمزيًا ومعنويًا يعود إليه أفراده عند الاختلاف. وفي الحالة العراقية، لا يبدو أن هذا المركز يمكن أن يكون إلا الوطن نفسه بكونه تجربة معيشة، وعدالة ملموسة، وإطارًا يعترف بالجميع دون أن يطلب منهم أن يتشابهوا.
وحينها فقط، قد تتغير الصورة: لن تُرفع المظلات لأن السماء تمطر في مكان آخر، لكن لأن الناس هنا بدأوا أخيرًا ينظرون إلى سمائهم.



#رياض_قاسم_حسن_العلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العقل والعالم
- من مركزية الإنسان إلى تفكيك الذات
- “علي” في تاريخ الحكم في العراق
- إنسان ما بعد الحداثة: قراءة في كتاب الدكتور أحمد جعيب كاظم.
- النقد بين ثقافتين
- في اليوم العالمي للكتاب
- عطسة تشرشل
- المخابرات العراقية / شهادة منقوصة
- أنا والبحرين
- ريلكه / شاعر العدم وإشراقات الوجود الخاطفة
- شئ عن التاريخ
- اختراع اللغة العبرية
- اسمي رياض
- العدوى المقدسة
- عن مفصل جواد علي
- كتابات نشأة الإسلام
- نقد الذوق الجمعي عند نيتشه
- بين جون لوك ولايبنتز
- رؤية في النظام الأمومي
- الدين والدم


المزيد.....




- زوجة خليل الحية تروي قصة فقدها 4 أولاد و5 أحفاد بنيران الاحت ...
- وزراء دفاع 40 دولة يبحثون تأمين الملاحة بمضيق هرمز
- -بحث مجالات التعاون والمستجدات الإقليمية-.. تفاصيل اتصال جدي ...
- -وداعا للسفن السريعة-.. ترمب يثير الجدل بصور هجومية ضد إيران ...
- 112 دولة تدعم مشروع قرار أمريكي خليجي في مجلس الأمن بشأن مضي ...
- الشيخ محمد بن زايد يتلقى اتصالا هاتفيا من ترامب
- رئيس دولة الإمارات يتلقى اتصالا هاتفيا من ولي عهد السعودية
- بولس: لا حل عسكريا للأزمة في السودان
- تقييم إسرائيلي: خياران أمام ترامب للتعامل مع إيران
- ترامب -لا يفكر في الوضع المالي للأمريكيين خلال حرب إيران-.. ...


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رياض قاسم حسن العلي - المشكلة العراقية: سماء الآخر ومظلة الوطن