أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بشرى الفكي - الإمارات: الدولة الوسيطة في عصر ما بعد الهيمنة الأحادية 9














المزيد.....

الإمارات: الدولة الوسيطة في عصر ما بعد الهيمنة الأحادية 9


بشرى الفكي
(Bushra Elfaki)


الحوار المتمدن-العدد: 8707 - 2026 / 5 / 16 - 04:49
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


حدود النموذج الإماراتي: أين تتوقف القوة؟
لا تُختبر قوة النماذج السياسية والاقتصادية في لحظات صعودها، ولكن في حدود قدرتها على الاستمرار حين تتغير الشروط التي صنعت هذا الصعود. فكل نموذج يبدو متماسكًا في زمن التوسع، لكنه يُكشف في زمن الانكماش، لا لأن بنيته تنهار فجأة، ولكن لأن تناقضاته، التي كانت كامنة، تطفو إلى السطح. وفي هذا المعنى، لا تُقرأ التجربة الإماراتية فقط من خلال نجاحاتها، إنما من خلال حدودها البنيوية، تلك النقاط التي يتوقف عندها الامتداد، أو يتحول إلى عبء.
إن أول هذه الحدود يتجلى في طبيعة الاقتصاد نفسه. فالنموذج الذي بُني على إدارة التدفقات، تدفقات رأس المال، والتجارة، والخدمات، يستمد قوته من انفتاح العالم، لكنه في الوقت نفسه يصبح رهينة لهذا الانفتاح. فحين تتباطأ التجارة العالمية، أو تتغير اتجاهات الاستثمار، أو تتعرض سلاسل الإمداد لاضطراب، لا يتراجع النمو فقط، ولكن أيضاً، تُختبر وظيفة الدولة نفسها بوصفها عقدة في هذه الشبكات. وقد أشار جيوفاني أريغي إلى أن المراحل المالية المتقدمة من الرأسمالية، رغم قدرتها على خلق ثروة سريعة، تكون أكثر عرضة للتقلبات (Arrighi, 1994). وفي هذا السياق، تبدو القوة الاقتصادية مرهونة بإيقاع عالمي لا تتحكم فيه الدولة بالكامل.
الحد الثاني يتصل بالبنية الاجتماعية التي يقوم عليها هذا الاقتصاد. فالنموذج يعتمد على توازن دقيق بين مواطنة محدودة عدديًا وامتيازًا، وبين أغلبية وافدة تشغّل الاقتصاد دون أن تنتمي إلى المجال السياسي. هذا الترتيب يمنح مرونة عالية، لكنه يخلق في الوقت نفسه فجوة بنيوية بين العمل والتمثيل. فالمجتمع الذي يُنتج الثروة لا يشارك في صنع القرار، والمجال السياسي الذي يدير الدولة لا يعكس التركيبة الكاملة للمجتمع. هذه الفجوة لا تتحول بالضرورة إلى أزمة فورية، لكنها تبقى كامنة، قابلة للتفعيل في حال تغيرت الشروط الاقتصادية أو الاجتماعية.
أما الحد الثالث، فيرتبط بالعلاقة بين الاستقرار والشرعية. فكما رأينا، يقوم النموذج على معادلة تجعل الاستقرار، المدعوم بالأداء الاقتصادي، أساسًا للقبول. لكن هذه المعادلة تفترض استمرار القدرة على تقديم الرفاه، وهي قدرة تعتمد على عوامل خارجية بقدر اعتمادها على السياسات الداخلية. هنا، يتقاطع التحليل مع ما طرحه ماكس فيبر حول أنماط الشرعية، حيث تكون الشرعية القائمة على الأداء أكثر هشاشة من تلك القائمة على مؤسسات مستقرة، لأنها تتآكل مع تراجع الأداء (Weber, 1978). فإذا تباطأ النمو، أو ارتفعت الكلفة الاجتماعية، يعود السؤال المؤجل وهو ما أساس الشرعية؟
الحد الرابع يظهر في البعد الجيوسياسي. فالدور الإقليمي الذي يعزز مكانة الدولة، يضعها في الوقت نفسه داخل شبكة من الصراعات والتنافسات. وكل توسع في النفوذ يخلق التزامات جديدة، وكل التزام يزيد من كلفة الحفاظ على هذا النفوذ. وهنا يظهر التوتر بين الطموح والقدرة، فالقوة الشبكية التي تمنح مرونة في الحركة، تظل أقل قدرة على السيطرة الكاملة، وتعتمد على شركاء وظروف قد تتغير بسرعة. ومع كل تحول في البيئة الإقليمية أو الدولية، يُعاد اختبار هذا الدور.
ومن زاوية أعمق، يمكن القول إن الحد الأكبر للنموذج يكمن في طبيعته الوسيطة نفسها. فالدولة التي تستمد قوتها من موقعها بين المركز والهامش، تبقى دائمًا معرضة لتغيرات في هذا الموقع. فإذا أعادت القوى الكبرى ترتيب أولوياتها، أو ظهرت مراكز جديدة للتراكم، قد تجد الدولة نفسها مضطرة إلى إعادة تعريف دورها من جديد. وقد أشار إيمانويل والرشتاين إلى أن المواقع الوسيطة في النظام العالمي ليست ثابتة، وإنما تتحرك وفق ديناميكيات أوسع، ما يجعل صعودها وإنجازاتها قابلة لإعادة التقييم (Wallerstein, 2004).
ومع ذلك، لا ينبغي فهم هذه الحدود بوصفها نقاط ضعف مطلقة، بينما يمكن وصفها بأنها شروطًا للتوازن. فالنموذج لا يعمل رغم هذه التناقضات، ولكنه يعمل من خلالها. إن قدرته على الجمع بين الانفتاح الاقتصادي والانضباط السياسي، وبين الدور الإقليمي والاعتماد على النظام العالمي، هي ما يمنحه مرونته، لكنها أيضًا ما يحدد حدوده.
وهنا يظهر البعد الفلسفي الأعمق، القوة علاقة وليست حالة ثابتة. إنها تعتمد على السياق، وعلى توازنات لا يمكن تثبيتها إلى الأبد. وما يبدو اليوم نموذجًا ناجحًا، قد يتحول غدًا إلى حالة تحتاج إلى إعادة تعريف. فالدولة التي بنت قوتها على إدارة التدفقات، قد تجد نفسها مضطرة إلى إدارة الانقطاعات. والدولة التي اعتمدت على الاستقرار، قد تُختبر حين يصبح الاستقرار نفسه موضع تساؤل.
في النهاية، لا يمكن طرح السؤال عن حدود النموذج الإماراتي بوصفه سؤالًا عن "متى سينهار"، ولكن يمكن طرحه بوصفه سؤالًا عن كيف سيتحول. فالأنظمة تتغير ولا تختفي عادة، وتعيد تشكيل نفسها استجابةً للضغوط. والسؤال الحقيقي ليس هل للنموذج حدود، ولكن السؤال كيف سيتعامل مع هذه الحدود حين تُصبح واقعًا لا يمكن تجاهله. وفي هذا التحول المحتمل، تكمن الإجابة التي لم تُكتب بعد.
قائمة المراجع
Arrighi, G. (1994). The Long Twentieth Century. Verso.
Weber, M. (1978). Economy and Society. University of California Press.
Wallerstein, I. (2004). World-Systems Analysis: An Introduction. Duke University Press.
Hanieh, A. (2018). Money, Markets, and Monarchies. Cambridge University Press.



#بشرى_الفكي (هاشتاغ)       Bushra_Elfaki#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإمارات: الدولة الوسيطة في عصر ما بعد الهيمنة الأحادية 8
- الإمارات: الدولة الوسيطة في عصر ما بعد الهيمنة الأحادية 7
- الإمارات: الدولة الوسيطة في عصر ما بعد الهيمنة الأحادية 6
- الإمارات: الدولة الوسيطة في عصر ما بعد الهيمنة الأحادية 5
- الإمارات: الدولة الوسيطة في عصر ما بعد الهيمنة الأحادية 4
- الإمارات: الدولة الوسيطة في عصر ما بعد الهيمنة الأحادية 3
- الإمارات: الدولة الوسيطة في عصر ما بعد الهيمنة الأحادية 2
- الإمارات: الدولة الوسيطة في عصر ما بعد الهيمنة الأحادية 1
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...


المزيد.....




- ترامب يدافع عن تصريحه -المثير للجدل- بأنه -لا يفكر في الوضع ...
- تمديد وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان 45 يومًا.. وواشنطن ...
- الأمن السوري يعتقل اثنين من رموز النظام المخلوع
- رؤية شي جين بينغ.. الاستقرار الإستراتيجي البنّاء لتجنب صدام ...
- -إدارة ترامب تقلّص عدد القوات الأمريكية في أوروبا بقرار مفاج ...
- إسرائيل تعلن استهداف قائد الجناح العسكري لحماس في غزة.. من ه ...
- في ذكرى النكبة.. قتل وانتهاكات بالضفة واستفزازات للمستوطنين ...
- خلال لقائه مع الجزيرة.. هذا ما صرّح به الحداد في آخر ظهور له ...
- المعارضة الصومالية ترفض تمديد ولاية الرئيس وتهدد بالتصعيد
- أبرز قيادات -القسام- الذين اغتالتهم إسرائيل منذ طوفان الأقصى ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بشرى الفكي - الإمارات: الدولة الوسيطة في عصر ما بعد الهيمنة الأحادية 9