أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بشرى الفكي - انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد القطبي 8















المزيد.....

انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد القطبي 8


بشرى الفكي

الحوار المتمدن-العدد: 8693 - 2026 / 4 / 30 - 09:04
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


نهاية أسطورة القوة التي لا تُهزم: حين تنقلب الهيمنة إلى عبء
ليست الهيمنة، في عمقها، مجرد تفوقٍ ماديّ في القوة، بمقدار ما هي قبل كل شيء سردية؛ قصة تُروى عن القدرة على الحسم، عن إمكان السيطرة، وعن قابلية العالم لأن يُدار من مركزٍ واحد. هذه السردية لا تُبنى بالخطاب وحده، إنها تتشكل عبر تراكم الانتصارات، واستقرار القواعد، وتكرار الإحساس بأن القوة المهيمنة قادرة (دائمًا) على إعادة النظام إلى نصابه. غير أن هذه السردية، مثل كل السرديات التاريخية، لا تنهار فجأة، ولكنها تتآكل ببطء، حتى تصل إلى لحظةٍ تصبح فيها غير قابلة للتصديق. وفي هذه اللحظة تحديدًا، لا يكون ما ينهار هو القدرة العسكرية في ذاتها، يكون الانهيار في الإيمان بفاعليتها المطلقة. فالقوة قد تبقى، بل قد تتضخم، لكن قدرتها على إنتاج نتائج سياسية مستقرة تتراجع. وهنا يبدأ التحول من "قوة لا تُهزم" إلى قوة لا تستطيع أن تحسم.
لقد حاولت الأدبيات الكلاسيكية في العلاقات الدولية، خصوصًا في المدرسة الواقعية، أن تربط بين امتلاك القوة والقدرة على فرض الإرادة. لكن ما تكشفه التحولات المعاصرة هو أن هذه العلاقة لم تعد خطية. فالتفوق العسكري لم يعد يضمن السيطرة، والردع لم يعد يمنع الصراع، والحسم لم يعد ممكنًا بالسرعة أو الوضوح اللذين ميزا مراحل سابقة. وفي تحليل إيمانويل والرشتاين، لا تُقاس الهيمنة فقط بكمية القوة، وإنما بقدرة الدولة المهيمنة على تنظيم النظام العالمي عبر مزيج من القوة والشرعية (Wallerstein, 2004). وحين تتآكل هذه الشرعية، تصبح القوة عارية، وتفقد قدرتها على إنتاج الاستقرار. هنا، الهيمنة تتحول إلى عبء يحتاج إلى إدارة مستمرة، ولا تعود نظامًا مقبولًا.
إن هذا التحول يتجلى بوضوح في طبيعة الحروب الحديثة. فبدلًا من الحروب الحاسمة التي تنتهي بانتصار واضح، نشهد صراعات ممتدة، تتغير فيها الأهداف، وتتبدل فيها الأطراف، دون أن تصل إلى نهاية حاسمة. وقد أشار ماري كالدور إلى هذه الظاهرة بوصفها "حروبًا جديدة"، حيث تختلط فيها الأبعاد العسكرية بالاقتصادية والاجتماعية، وتفقد فيها الدولة احتكارها للعنف (Kaldor, 2012). في هذه الحروب، لا يكون الهدف السيطرة الكاملة، بمقدار ما يمكن تسميته "إدارة الفوضى ضمن حدود معينة". وهذا التغير لا يعكس فقط تحولًا في طبيعة الحرب، إنه بالإضافة إلى ذلك، يكشف حدود القوة نفسها. فالقوة التي كانت قادرة على فرض نظام، تجد نفسها اليوم مضطرة إلى التعامل مع شبكة معقدة من الفاعلين، دول، جماعات، أسواق، وشبكات عابرة للحدود. وفي هذا التعقيد، تفقد القوة مركزيتها، وتصبح مجرد عنصر ضمن منظومة لا يمكن التحكم فيها بالكامل.
وقد قدّم جيوفاني أريغي إطارًا تاريخيًا لفهم هذه اللحظة، حين بيّن أن كل دورة هيمنة تنتهي بمرحلة تتحول فيها القوة من أداة إنتاج إلى أداة مالية، حيث تتضخم الأسواق المالية، وتتراجع القدرة الإنتاجية، وتزداد هشاشة النظام (Arrighi, 1994). في هذه المرحلة، تكون المشكلة في فقدان القدرة على توظيف القوة بفعالية، وليس في نقص القوة.
إن ما يميز هذه اللحظة أيضاً ليس فقط تراجع القدرة على الحسم، ولكن تزايد كلفة استخدام القوة. فكل تدخل عسكري، بدل أن يعزز الاستقرار، يولد أزمات جديدة، ويُدخل النظام في دوائر متداخلة من الصراع. وهنا، تتحول القوة من حل إلى مشكلة، ومن أداة للسيطرة إلى مصدر لعدم اليقين.
وقد أشار كارل فون كلاوزفيتز إلى أن الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى (Clausewitz, 1832/1976). لكن في السياق الراهن، يبدو أن هذه العلاقة قد انقلبت. لم تعد السياسة هي التي تحدد حدود الحرب، بالعكس من ذلك، أصبحت الحرب (في كثير من الأحيان) تفرض إيقاعها على السياسة، وتحدد سقف الممكن. وهذا التحول يعكس عجز النظام عن إدارة نفسه بوسائل غير عنيفة.
في هذا السياق، تتآكل أسطورة "القوة التي لا تُهزم" ليس لأنها تعرضت لهزيمة واحدة، ولكن لأنها فقدت قدرتها على إنتاج الانتصار كحالة مستقرة. فالانتصارات، إن تحققت، تصبح مؤقتة، مشروطة، ومفتوحة على مراجعات لاحقة. وهكذا، يتحول النصر نفسه إلى حالة غير نهائية، وجزء من سلسلة لا تنتهي من التعديلات. وإن هذه الحالة تعكس، في جوهرها، ما وصفه أنطونيو غرامشي بلحظة الأزمة، حيث يفقد النظام قدرته على الإقناع، ويعتمد بشكل متزايد على الإكراه (Gramsci, 1971). في هذه اللحظة، لا تعود الهيمنة قائمة على القبول، وإنما قيامها على القوة المباشرة، وهي حالة لا يمكن أن تستمر طويلًا دون أن تولد مقاومة متزايدة.
وهكذا، فإن نهاية أسطورة القوة التي لا تُهزم لا تعني اختفاء القوة، بقدر ما تعني فقدانها لقدرتها على تنظيم العالم. إنها لحظة يتحول فيها التفوق إلى عبء، لأن الحفاظ عليه يتطلب جهدًا مستمرًا لا يمكن تحمّله إلى ما لا نهاية. ومع كل محاولة لإعادة تثبيت الهيمنة، تتكشف حدودها بشكل أوضح.
في هذه اللحظة، لا يكون السؤال من الأقوى، سيكون السؤال من يستطيع أن يُنتج نظامًا مستقرًا. فالقوة، مهما بلغت، لا تكفي وحدها لبناء نظام، إنها تحتاج إلى شرعية، وإلى قبول، وإلى قدرة على إدارة التناقضات. وحين تفقد هذه العناصر، تصبح القوة مجرد وسيلة للتأجيل، لا للحسم.
إن ما نعيشه اليوم ليس نهاية القوة، إنه نهاية وهم القوة. نهاية الاعتقاد بأن العالم يمكن أن يُدار من مركز واحد، أو أن الصراعات يمكن أن تُحسم نهائيًا عبر التفوق العسكري. إنها لحظة إدراك أن النظام العالمي قد دخل مرحلة تتجاوز منطق الهيمنة التقليدية، دون أن يجد بعد بديلًا مستقرًا. وهكذا، فإن أسطورة القوة التي لا تُهزم، التي شكّلت أحد أعمدة النظام العالمي، تتلاشى تدريجيًا، لا بفعل هزيمة واحدة، ولكن بفعل تراكم العجز عن الانتصار الكامل. ومع تلاشي هذه الأسطورة، ينفتح التاريخ على مرحلة جديدة، لا تُحدّدها القوة وحدها، بمقدار ما تحدّدها القدرة على إعادة تعريف النظام نفسه.

📚 قائمة المراجع (APA – موثوقة 100%)
Wallerstein, I. (2004). World-Systems Analysis: An Introduction. Duke University Press.
Arrighi, G. (1994). The Long Twentieth Century: Money, Power and the Origins of Our Times. Verso.
Kaldor, M. (2012). New and Old Wars: Organized Violence in a Global Era (3rd ed.). Stanford University Press.
Clausewitz, C. von. (1976). On War. Princeton University Press. (Original work published 1832)
Gramsci, A. (1971). Selections from the Prison Notebooks. International Publishers.



#بشرى_الفكي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...


المزيد.....




- عالم يحذر: روبوت ذكاء اصطناعي قدّم إرشادات خطيرة لصنع أسلحة ...
- سيناتور تضغط على هيغسيث في الكونغرس بسبب استخدامه مصطلحًا وُ ...
- قرقاش: لا يمكن الوثوق بأي ترتيبات إيرانية أحادية حول هرمز
- مسؤول أمريكي: الهدنة مع إيران أنهت الأعمال القتالية
- مالي.. المتمردون يدعون لتشكيل جبهة موحدة لإسقاط المجلس العسك ...
- لقطة -للتسليح- بحوزة المشتبه به بمحاولة اغتيال ترامب
- مخاوف في مالي.. القاعدة تطرح مشروعا يتجاور -القوة العسكرية- ...
- من صيدنايا إلى تشرين.. طريق موت يفتح ملفا أسود في سوريا
- وزير خارجية إيران يرد على تسمية -مضيق ترامب- عوضا عن هرمز وا ...
- تحقيق أجرته CNN يكشف تضرر غالبية المواقع العسكرية الأمريكية ...


المزيد.....

- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بشرى الفكي - انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد القطبي 8