أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بشرى الفكي - انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد القطبي 6















المزيد.....

انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد القطبي 6


بشرى الفكي

الحوار المتمدن-العدد: 8691 - 2026 / 4 / 28 - 07:14
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الاقتصاد العالمي على حافة الانفجار: من منطق التراكم إلى حدود الاستحالة
ليس أكثر خداعًا من لحظة يبدو فيها الاقتصاد العالمي مستقرًا بينما تتراكم في عمقه شروط الانفجار. فالأزمات الكبرى لا تعلن نفسها بوصفها أزمات منذ البداية؛ بالعكس، فهي تتخفّى في هيئة نموّ، وتتسلل عبر أرقام إيجابية، وتُدار عبر سياسات نقدية تُؤجل الاعتراف بها. غير أن هذا الاستقرار الظاهري ليس إلا قشرة رقيقة تخفي تحتها تناقضًا بنيويًا، نظامًا يقوم على التراكم المستمر في عالمٍ محدود الإمكانات.
إن فهم هذه اللحظة لا يبدأ من مؤشرات الأسواق، إنه يبدأ من منطق النظام نفسه. فالرأسمالية، كما بيّن كارل ماركس، تقوم على سعيٍ دائم لزيادة فائض القيمة، أي توسيع التراكم عبر استغلال العمل وتوسيع الإنتاج (Marx, 1867/1976). غير أن هذا المنطق يحمل في داخله مفارقة لا يمكن تجاوزها، وهي أنه كلما زاد الإنتاج، تقلّ القدرة على الاستهلاك النسبي، لأن الأجور (بوصفها مصدر الطلب) لا تنمو بالوتيرة نفسها. وهكذا، ينشأ ما يُعرف بأزمة الإفراط في الإنتاج، حيث يصبح النظام قادرًا على إنتاج أكثر مما يستطيع استيعابه.
في المراحل السابقة، كان هذا التناقض يُحلّ عبر التوسع الخارجي، سواء عبر الاستعمار أو فتح أسواق جديدة. لكن مع اكتمال اندماج العالم في الاقتصاد الرأسمالي، لم يعد هذا الخيار متاحًا بالدرجة نفسها. وهنا، يدخل النظام في مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث يصبح التراكم نفسه موضع أزمة.

لقد أشارت روزا لوكسمبورغ إلى أن الرأسمالية تحتاج دائمًا إلى "فضاءات غير رأسمالية" لتصريف فائضها، لكنها في توسعها تقضي على هذه الفضاءات، فتخلق شروط أزمتها الخاصة (Luxemburg, 1913/2003). ومع تلاشي هذه الفضاءات، يصبح النظام محاصرًا داخل حدوده، عاجزًا عن إيجاد منافذ جديدة للتوسع.

لكن الرأسمالية لا تتوقف عند هذا الحد. فهي، بدل أن تتراجع، تعيد ابتكار نفسها عبر الانتقال إلى مستويات أكثر تجريدًا من التراكم. وهنا يظهر ما حلله جيوفاني أريغي بوصفه انتقالًا من التوسع الإنتاجي إلى التوسع المالي، حيث تتحول الأرباح من الإنتاج الحقيقي إلى المضاربات المالية (Arrighi, 1994). في هذه المرحلة، لا يعود المال وسيلة للإنتاج، وإنما يصبح غاية في ذاته.
هذا التحول يخلق وهمًا بالازدهار، لأن الأسواق المالية قادرة على توليد أرباح سريعة، لكنه في الوقت ذاته يعمّق الفجوة بين الاقتصاد الحقيقي والاقتصاد المالي. فبينما تتضخم الأصول المالية، يظل الإنتاج محدودًا، وتبقى القدرة الشرائية ضعيفة، مما يؤدي إلى هشاشة متزايدة في النظام.
وقد أشار هيمان مينسكي إلى هذه الديناميكية عبر تحليله لعدم الاستقرار المالي، حيث تميل الأنظمة الرأسمالية إلى الانتقال من التمويل الحذر إلى التمويل المضاربي، ثم إلى ما سماه "تمويل بونزي"، حيث تعتمد الاستثمارات على توقعات مستقبلية غير مضمونة (Minsky, 1986). في هذه المرحلة، يصبح النظام قائمًا على الثقة أكثر من اعتماده على الإنتاج، وحين تتزعزع هذه الثقة، يحدث الانهيار.
وهذا ما شهدناه بوضوح في الأزمة المالية العالمية عام 2008، التي لم تكن مجرد خلل في الأسواق، بقدر ما كانت تعبيرًا عن أزمة أعمق في بنية النظام المالي العالمي. فقد أدت عقود من التحرير المالي إلى خلق شبكة معقدة من الديون والمشتقات المالية، بحيث أصبح النظام بأكمله عرضة لانهيار متسلسل. ورغم أن هذه الأزمة تمت إدارتها عبر تدخلات حكومية واسعة، فإنها لم تُحلّ، وإنما تم تأجيل آثارها.
إن ما يميز المرحلة الحالية هو أن أدوات إدارة الأزمات نفسها أصبحت جزءًا من المشكلة. فالبنوك المركزية، عبر سياسات التيسير الكمي وضخ السيولة، نجحت في منع الانهيار الفوري، لكنها في الوقت ذاته زادت من الاعتماد على الديون، ورفعت مستويات المخاطر في النظام. وهكذا، أصبح الاقتصاد العالمي يعيش في حالة من "الاستقرار غير المستقر"، حيث يتم الحفاظ على التوازن عبر وسائل تزيد من هشاشته.

في هذا السياق، لا يمكن فصل الاقتصاد عن الجغرافيا السياسية. فالأزمات الاقتصادية لا تبقى داخل حدود الأسواق، بل تمتد إلى العلاقات الدولية، حيث تتحول المنافسة الاقتصادية إلى صراع على الموارد، والأسواق، ومسارات التجارة. وقد أشار ديفيد هارفي إلى أن الرأسمالية، في أزماتها، تلجأ إلى ما يسميه "التراكم عبر نزع الملكية"، أي إعادة توزيع الموارد عبر وسائل قسرية، تشمل الخصخصة، والاستيلاء على الأراضي، وحتى الحروب (Harvey, 2003).
وهنا، تتقاطع الأزمة الاقتصادية مع عسكرة النظام العالمي. فحين تعجز الأسواق عن استيعاب الفوائض، تصبح الحرب وسيلة لإعادة توزيعها. ليست الحرب هنا نتيجة مباشرة للأزمة الاقتصادية، لكنها تصبح إحدى أدوات إدارتها. وهذا ما يفسر الترابط المتزايد بين الأزمات المالية والتوترات الجيوسياسية.
إننا، بهذا المعنى، أمام نظام بلغ حدوده التاريخية. ليس لأنه توقف عن العمل، هو بتعبير أدق لم يعد قادرًا على العمل بالشروط التي قام عليها. فالتراكم لم يعد قادرًا على الاستمرار دون توليد أزمات أكبر، والأسواق لم تعد قادرة على التوسع دون خلق اختلالات أعمق، والمال لم يعد قادرًا على تحقيق الاستقرار دون أن يصبح مصدرًا لعدم الاستقرار.
في هذه اللحظة، يصبح السؤال ليس كيف يمكن إصلاح النظام، السؤال يصبح هل النظام قابلًا للإصلاح أصلاً. فالأزمات التي نواجهها ليست نتيجة سياسات خاطئة يمكن تعديلها، بقدر ما هي نتيجة منطق بنيوي وصل إلى حدوده. وهذا ما يجعل المرحلة الراهنة مفتوحة على احتمالات متعددة، من إعادة تشكيل النظام إلى انهياره.
وهنا، تلتقي التحليلات الاقتصادية مع الرؤية التاريخية الأوسع التي قدمها إيمانويل والرشتاين، حين أشار إلى أن الأنظمة التاريخية، حين تصل إلى مرحلة الأزمة البنيوية، تدخل في فترة انتقالية طويلة، حيث تتكاثر التناقضات، وتصبح النتائج غير قابلة للتنبؤ (Wallerstein, 2004). في هذه الفترات، لا يكون المستقبل امتدادًا للماضي، بل انقطاعًا عنه.
إن الاقتصاد العالمي اليوم يقف على هذه الحافة. ليس لأنه يواجه أزمة واحدة، أنه يواجه تراكبًا من الأزمات، أزمة تراكم، أزمة مالية، أزمة طلب، وأزمة ثقة. وكل محاولة لحل واحدة منها تؤدي إلى تفاقم الأخرى. وهكذا، فإن الانفجار (بأي شكل كان) لا يبدو احتمالًا بعيدًا، بل نتيجة منطقية لمسار طويل من التراكم غير المستقر.

قائمة المراجع
Marx, K. (1976). Capital: Volume I. Penguin Books. (Original work published 1867)
Luxemburg, R. (2003). The Accumulation of Capital. Routledge. (Original work published 1913)
Arrighi, G. (1994). The Long Twentieth Century. Verso.
Minsky, H. P. (1986). Stabilizing an Unstable Economy. Yale University Press.
Harvey, D. (2003). The New Imperialism. Oxford University Press.
Wallerstein, I. (2004). World-Systems Analysis: An Introduction. Duke University Press



#بشرى_الفكي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...


المزيد.....




- ترامب بتدوينة -إيران أبلغتنا أنها في حالة انهيار- ويوضح ما ت ...
- إيران توضح ما تفعله في الخليج ومضيق هرمز أمام مجلس الأمن
- ترامب: الولايات المتحدة -هزمت إيران عسكريا-
- وزير التعليم العالي السوداني للجزيرة نت: إغلاق المراكز الخار ...
- هآرتس عن قائد إسرائيلي: مهمتنا الوحيدة تدمير كل شيء بجنوب لب ...
- انتقم لأوروبا.. الملك تشارلز يرد على ترامب بـ-دعابة لاذعة-
- إحراج ملكي في واشنطن.. تعليق مفاجئ من ترامب
- إرهاق الحروب.. لماذا تختفي نزاعات من الشاشات؟
- إلهان عمر وتصريح -الحرب العالمية الحادية عشر- ما حقيقته؟
- القضاء الأمريكي يلاحق جيمس كومي بتهمة تهديد حياة ترمب


المزيد.....

- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بشرى الفكي - انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد القطبي 6