أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بشرى الفكي - انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد القطبي 5















المزيد.....

انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد القطبي 5


بشرى الفكي

الحوار المتمدن-العدد: 8690 - 2026 / 4 / 27 - 01:05
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


عسكرة الأزمات: حين تصبح الحرب أداة لإدارة الانهيار
إذا كانت الحروب في المراحل الكلاسيكية من النظام الدولي تُفهم بوصفها انقطاعًا في السياسة، فإن ما نشهده اليوم يشير إلى تحوّل أعمق، لم تعد الحرب استثناءً، ولكنها أصبحت امتدادًا منتظمًا لمنطق النظام نفسه. لم تعد تُستخدم فقط لحسم الصراعات، بقدر ما أصبحت تستخدم لإدارتها، تأجيلها، أو إعادة توزيعها. وفي هذا التحول، لا تكمن خطورة الحرب في حجم الدمار الذي تُخلّفه، إنما في موقعها الجديد داخل البنية؛ إذ غدت أداةً تشغيلية لنظام يعجز عن حل تناقضاته بوسائل أخرى.
إن هذا التحول لا يمكن فهمه دون العودة إلى طبيعة الأزمة البنيوية التي يعيشها النظام العالمي. فكما يوضح إيمانويل والرشتاين، فإن الأنظمة التاريخية الكبرى لا تنهار دفعة واحدة، ولكنها تدخل في مرحلة طويلة من الاختلال، حيث تستمر مؤسساتها في العمل، لكن قدرتها على إنتاج الاستقرار تتآكل تدريجيًا (Wallerstein, 2004). في هذه المرحلة، لا تعود الأزمات أحداثًا عارضة، ولكنها تتحول إلى نمط متكرر، ويصبح السؤال ليس كيف تُحلّ الأزمات، ولكن عن الكيفية التي بها تُدار.
هنا تحديدًا، تتقدم الحرب إلى الواجهة. لكنها لا تظهر بوصفها قرارًا طارئًا، تظهر كخيار يكاد يكون بنيويًا، مفروضًا بمنطق النظام ذاته. حين تضيق مجالات التوسع الاقتصادي، وتتراجع معدلات الربحية، وتتعاظم الفوائض المالية غير المستثمرة، يبحث النظام عن "مخارج" تعيد تنشيط حركته. وقد أشار ديفيد هارفي إلى هذه الظاهرة عبر مفهوم "الإصلاح المكاني”"(spatial fix)، حيث يُعاد توجيه الأزمات نحو فضاءات جغرافية جديدة، غالبًا عبر مشاريع كبرى أو صراعات تعيد فتح مجالات التراكم (Harvey, 2003). غير أن هذه المخارج، في مرحلتها المتأخرة، لا تكون سلمية بالضرورة؛ ولكنها تتخذ شكل توترات عسكرية وصراعات مفتوحة.
ومع انتقال النظام إلى ما وصفه جيوفاني أريغي بمرحلة "التوسع المالي"، حيث تتفوق المضاربات والتدفقات المالية على الإنتاج الحقيقي، تتعمق الفجوة بين الاقتصاد والواقع الاجتماعي، وتزداد هشاشة النظام (Arrighi, 1994). في مثل هذه الظروف، تصبح الحرب وسيلة لإعادة ترتيب العلاقات الاقتصادية، سواء عبر السيطرة على الموارد، أو إعادة رسم مسارات التجارة، أو حتى تحفيز الاقتصاد عبر الصناعات العسكرية. وهكذا، لا تعود الحرب مجرد صراع على السلطة، بقدر ما تدخل في صميم عملية إعادة إنتاج النظام.
لكن هذا الاستخدام المتكرر للحرب يحمل مفارقة عميقة: فهو ينجح مؤقتًا في إدارة الأزمات، لكنه يعجز عن حلها. بل أكثر من ذلك، إن كل حرب تُضيف طبقة جديدة من التعقيد، وتُنتج أزمات إضافية تتطلب بدورها إدارة جديدة. وهنا، يدخل النظام في حلقة مفرغة، حيث تتحول الحرب من أداة للحل إلى جزء من المشكلة. إننا أمام منطق دائري، يُعيد إنتاج ذاته عبر التوتر المستمر.
وقد قدّم كارل فون كلاوزفيتز إطارًا كلاسيكيًا لفهم العلاقة بين الحرب والسياسة، حين اعتبر أن الحرب هي "استمرار للسياسة بوسائل أخرى" (Clausewitz, 1832/1976) غير أن هذا التعريف، رغم دقته في سياق الدولة الحديثة، يبدو اليوم بحاجة إلى إعادة قراءة. فالحرب لم تعد مجرد أداة في يد السياسة، إنها أصبحت في كثير من الأحيان بديلًا عنها، أو تعبيرًا عن عجزها. لم تعد السياسة هي التي تقود الحرب، وإنما الحرب هي التي تفرض شروطها على السياسة.
في هذا السياق، تتغير طبيعة الصراعات نفسها. لم تعد الحروب الكبرى بين قوى متكافئة هي الشكل السائد، لقد ظهرت أنماط أكثر تعقيدًا: حروب غير متماثلة، صراعات بالوكالة، تدخلات محدودة، وحروب ممتدة بلا حسم. هذه الأنماط تعكس حقيقة أن الهدف لم يعد تحقيق انتصار نهائي، ولكن إدارة التوازنات ضمن حدود معينة. فالحرب التي تنتهي بسرعة قد تُغلق المجال أمام إعادة التشكيل، بينما الحرب الممتدة تتيح إعادة توزيع القوة تدريجيًا.
وقد أشار ماري كالدور إلى هذا التحول عبر مفهوم "الحروب الجديدة"، حيث لم تعد الصراعات تدور فقط حول السيطرة على الدولة، بقدر ما هي حول إدارة الفوضى، وتفكيك البنى، وإعادة تشكيلها (Kaldor, 2012). ففي هذه الحروب، يختلط العسكري بالاقتصادي، والسياسي بالهوياتي، وتصبح الحدود بين الحرب والسلم غير واضحة.
إن ما يجعل هذه المرحلة أكثر خطورة هو أن عسكرة الأزمات لا تحدث في فراغ، إنها تحدث في عالم شديد الترابط. فكل صراع محلي يحمل في طياته أبعادًا عالمية، وكل تدخل عسكري يمكن أن يولّد سلسلة من التفاعلات غير المتوقعة. وهكذا، يصبح النظام العالمي شبكة من الأزمات المتداخلة، حيث يصعب فصل سبب عن نتيجة، أو بداية عن نهاية.
في ضوء ذلك، يمكن القول إن الحرب، في مرحلتها الراهنة، لم تعد تعبيرًا عن قوة النظام، إنها تعبيراً عن أزمته. إنها علامة على أن الأدوات التقليدية لإدارة العالم لم تعد كافية، وأن النظام يلجأ إلى أكثر وسائله بدائية حين يعجز عن استخدام أكثرها تعقيدًا. ومع ذلك، فإن هذا اللجوء لا يوقف التدهور، بل يسرّعه، لأن كل استخدام للقوة يضعف ما تبقى من الشرعية، ويزيد من احتمالات الانفجار.
وهنا، تكتمل الصورة التي رسمها أنطونيو غرامشي التي ذكرناها سابقاً عن لحظات التحول التاريخي، حيث تتكاثر "الظواهر المرضية" في الفترات التي يعجز فيها القديم عن الاستمرار، والجديد عن التشكّل (Gramsci, 1971). فالحرب، في هذا السياق، ليست مجرد ظاهرة، بمقدار ما إنها أحد أبرز أعراض هذا المرض البنيوي.
إن عسكرة الأزمات، بهذا المعنى، ليست سياسة يمكن تغييرها بقرار، هي نتيجة منطقية لمسار تاريخي بلغ حدوده. إنها تعبير عن نظام لم يعد قادرًا على إدارة نفسه إلا عبر التوتر، ولا على الاستمرار إلا عبر تأجيل أزماته. لكنها، في الوقت ذاته، مؤشر على أن هذا المسار لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية. فكل نظام يعتمد على الحرب لإدارة أزماته، يقترب من اللحظة التي تصبح فيها الحرب أكبر من قدرته على احتوائها.
قائمة المراجع
• Wallerstein, I. (2004). World-Systems Analysis: An Introduction. Duke University Press.
• Arrighi, G. (1994). The Long Twentieth Century: Money, Power and the Origins of Our Times. Verso.
• Harvey, D. (2003). The New Imperialism. Oxford University Press.
• Clausewitz, C. von. (1976). On War. Princeton University Press. (Original work published 1832)
• Kaldor, M. (2012). New and Old Wars: Organized Violence in a Global Era (3rd ed.). Stanford University Press.
• Gramsci, A. (1971). Selections from the Prison Notebooks. International Publishers.



#بشرى_الفكي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...


المزيد.....




- زيارة الملك تشارلز للولايات المتحدة ستُقام رغم حادثة إطلاق ا ...
- ترامب يتحدث عن رد فعل زوجته ميلانيا خلال إطلاق النار بحفل عش ...
- وكالة: قائمة بـ-خطوط إيران الحمراء- سلمها عراقجي إلى باكستان ...
- معهد سيبري: قفزة غير مسبوقة في الإنفاق على التسلح عالمياً!
- من اليوم فصاعداً لا تتجنب المحادثات المملة.. لهذا السبب!
- ارتفاع نسبة الإنفاق العسكري العالمي للسنة الحادية عشرة على ا ...
- قصر بكنغهام يؤكد زيارة الملك تشارلز إلى الولايات المتحدة رغم ...
- تايمز: هل يخوض ترمب لعبة -البازار الإيراني-؟
- تطرف رقمي يهدد الأمن.. تحليل حادث الهجوم على ترامب
- قرصنة جديدة قبالة الصومال.. السيطرة على سفينة شحن


المزيد.....

- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بشرى الفكي - انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد القطبي 5