أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بشرى الفكي - الإمارات: الدولة الوسيطة في عصر ما بعد الهيمنة الأحادية 3















المزيد.....

الإمارات: الدولة الوسيطة في عصر ما بعد الهيمنة الأحادية 3


بشرى الفكي
(Bushra Elfaki)


الحوار المتمدن-العدد: 8699 - 2026 / 5 / 6 - 11:23
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الاقتصاد الإماراتي: رأسمالية معولمة بلا تحوّل سياسي
لا تُفهم الاقتصادات المعاصرة، خصوصًا في الدول الصاعدة، بوصفها مجرد أدوات لإنتاج الثروة، ولكنها تُفهم كآليات لإعادة تشكيل السلطة وتوزيعها. فالاقتصاد ليس حيّزًا محايدًا، إنه بنية تُنتج علاقات قوة، وتعيد تعريف موقع الدولة داخل النظام العالمي. وفي هذا السياق، تمثل التجربة الإماراتية، وخاصة نموذج دبي، حالة مكثفة لما يمكن تسميته رأسمالية معولمة بلا تحوّل سياسي موازٍ؛ أي اندماج عميق في دوائر رأس المال العالمي دون إعادة فتح المجال السياسي على نحوٍ يوازي هذا الانفتاح.
منذ التسعينيات، لم تعد الإمارات تعتمد على النفط وحده بوصفه ركيزة للاقتصاد، لقد شرعت في إعادة تعريف وظيفتها داخل النظام العالمي. لم يكن الهدف مجرد تنويع مصادر الدخل، كان هدفها التحول إلى عقدة (Hub) في شبكات التجارة والتمويل والخدمات. وهنا برزت دبي بوصفها المختبر الأكثر وضوحًا لهذه الاستراتيجية؛ مدينة تُبنى لتكون وسيطًا بين الشرق والغرب، لا مصدرًا تقليديًا للمواد الخام ولا اقتصادًا صناعيًا مكتملًا، وإنما صُنعت لتكون منصة تدفقات للمال، والبضائع، والأشخاص. وهذا التحول يعكس ما أشار إليه ديفيد هارفي حول إعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية للرأسمالية، حيث تسعى المنظومة إلى خلق فضاءات جديدة لامتصاص فائض رأس المال عبر الاستثمار في البنية التحتية والعقار والخدمات (Harvey, 2003). فدبي لم تنمُ فقط لأنها "جذبت الاستثمار"، بقدر ما هي نمت لأنها صُمّمت كمساحة قادرة على استيعاب هذا الفائض، مناطق حرة، تشريعات مرنة، بنية لوجستية عالية الكفاءة، وانفتاح واسع على حركة رأس المال.
غير أن هذا النموذج لا يقوم على الإنتاج الصناعي التقليدي بقدر ما يقوم على الوساطة الاقتصادية. فالإمارات، في هذا الإطار، لا تنتج السلع بقدر ما تُيسّر حركتها؛ لا تخلق رأس المال من الصفر، إنها تدير تدفقه. إنها اقتصاد يقوم على العبور، عبور السلع، وعبور الاستثمارات، وعبور الشركات. وهذا ما يجعلها جزءًا من الاقتصاد العالمي لا كطرفٍ مُنتِجٍ في سلاسل القيمة، ولكنها تمثل عقدة تنظّم هذه السلاسل. ومن هنا، يتخذ رأس المال في الإمارات شكلًا خاصًا. فهو ليس فقط رأس مال محليًا أو وطنيًا، إنه رأس مال عابر للحدود، متحرك، يبحث عن بيئات مرنة ومنخفضة القيود. وقد أشار جيوفاني أريغي إلى أن المراحل المتأخرة من تطور الرأسمالية تتسم بانتقال مركز الثقل من الإنتاج إلى التمويل، حيث يصبح المال قادرًا على توليد المال عبر آليات غير إنتاجية مباشرة (Arrighi, 1994). وفي هذا السياق، يمكن قراءة صعود دبي كمركز مالي وخدمي بوصفه تعبيرًا عن هذه المرحلة، حيث تتقدم الأنشطة المالية والعقارية واللوجستية على حساب التصنيع.
لكن هذا الاندماج العميق في الاقتصاد العالمي لم يُترجم إلى تحول سياسي موازٍ. فبينما فُتحت الأسواق على مصراعيها، ظل المجال السياسي محكومًا بإطار مركزي محدود المشاركة. هنا تتجلى المفارقة الأساسية: اقتصاد منفتح إلى أقصى حد، ونظام سياسي منضبط إلى أقصى حد. هذه المفارقة ليست عرضًا عابرًا، ولكنها جزء من بنية النموذج ذاته. وفي التحليل الغرامشي، لا تُفهم الهيمنة فقط بوصفها سيطرة قسرية، بقدر ما تُفهم كقدرة على تنظيم القبول عبر مزيج من الرضا والقوة. وفي الحالة الإماراتية، يُعاد إنتاج هذا التوازن عبر الاقتصاد ذاته. فالنمو الاقتصادي، وارتفاع مستويات المعيشة، وتوفر الخدمات، كلها عوامل تُسهم في خلق حالة من الاستقرار الاجتماعي تقلل من الضغط نحو التغيير السياسي. وهكذا، يصبح الاقتصاد أداة لإدارة المجال السياسي، لا مجرد نشاط منفصل عنه.
لكن هذا الاستقرار يحمل في داخله تناقضات بنيوية. فالنموذج الاقتصادي يعتمد بشكل كبير على تدفقات رأس المال الخارجي، العمالة الأجنبية، واستقرار الأسواق العالمية. وهذه عناصر لا تملك الدولة السيطرة الكاملة عليها. فحين يتباطأ الاقتصاد العالمي، أو تتغير اتجاهات الاستثمار، أو تتعرض سلاسل التوريد للاضطراب، تظهر هشاشة هذا النموذج. وقد كشفت الأزمة المالية العالمية عام 2008، حين تأثرت دبي بشدة بانهيار سوق العقارات، أن الاقتصاد القائم على التدفقات يمكن أن يكون سريع النمو، لكنه أيضًا سريع التأثر بالصدمات.
إلى جانب ذلك، يقوم النموذج على بنية اجتماعية خاصة، حيث يشكل العمال الوافدون غالبية القوة العاملة. هذا الترتيب يسمح بمرونة اقتصادية عالية، لكنه يخلق أيضًا طبقات متعددة من الحقوق والامتيازات، ويجعل الاقتصاد يعتمد على قوى عمل لا تنتمي سياسيًا إلى الدولة. وهنا، لا يكون السوق مجرد آلية اقتصادية، وإنما يُصبح بنية تُعيد تشكيل المجتمع ذاته.
وفي هذا السياق، يصبح السؤال الأعمق، هل يمكن لهذا النموذج أن يستمر دون تحوّل سياسي؟ أم أن التوتر بين الانفتاح الاقتصادي والانغلاق السياسي سيبقى كامناً؟ لا يقدم التاريخ إجابة واحدة، لكن تجارب أخرى تشير إلى أن هذا التوازن قد يكون مستقرًا لفترات طويلة، طالما استمر النمو الاقتصادي، لكنه يواجه تحديات حين تتغير الظروف.
ما يجعل التجربة الإماراتية مهمة ليس نجاحها الاقتصادي فقط، إنه قدرتها على إعادة تعريف العلاقة بين الاقتصاد والسياسة. فهي تقدم نموذجًا لدولة تستطيع الاندماج بعمق في النظام العالمي، دون أن تتبنى بالضرورة نموذجًا سياسيًا ليبراليًا. وهذا ما يجعلها حالة مركزية لفهم تحولات الرأسمالية المعاصرة، حيث لم يعد الارتباط بين السوق المفتوح والديمقراطية حتميًا كما كان يُفترض.
وفي النهاية، لا يمكن قراءة الاقتصاد الإماراتي كقصة نجاح أو فشل بمعزل عن هذا التعقيد. إنه نموذج يعكس إمكانات النظام العالمي وحدوده في آنٍ واحد. فهو يُظهر كيف يمكن للدولة أن تستفيد من العولمة، لكنه يكشف أيضًا أن هذه الاستفادة تأتي ضمن شروط، وأنها تُنتج بدورها تناقضات جديدة. وهنا، يصبح الاقتصاد ليس مجرد خلفية للسياسة، بقدر ما يُصبح أحد مفاتيح فهمها. فالدولة التي أعادت تعريف نفسها عبر الاقتصاد، تجد نفسها مطالبة، في لحظة ما، بإعادة تعريف العلاقة بين هذا الاقتصاد والسلطة.
قائمة المراجع
Harvey, D. (2003). The New Imperialism. Oxford University Press.
Arrighi, G. (1994). The Long Twentieth Century: Money, Power and the Origins of Our Times. Verso.
Hanieh, A. (2018). Money, Markets, and Monarchies: The Gulf Cooperation Council and the Political Economy of the Contemporary Middle East. Cambridge University Press.
Gray, M. (2011). A Theory of “Late Rentierism” in the Arab States of the Gulf. Georgetown University.



#بشرى_الفكي (هاشتاغ)       Bushra_Elfaki#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإمارات: الدولة الوسيطة في عصر ما بعد الهيمنة الأحادية 2
- الإمارات: الدولة الوسيطة في عصر ما بعد الهيمنة الأحادية 1
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...


المزيد.....




- ترامب -لا يفكر في الوضع المالي للأمريكيين خلال حرب إيران-.. ...
- -خيانة عظمى-.. ترامب يهاجم وسائل الإعلام الأمريكية التي تفيد ...
- بتهمة -تمجيد الإرهاب-.. فرنسا تلاحق ناشطاً على خلفية تظاهرات ...
- تقرير يكشف: السعودية شنّت هجمات سرية على إيران في خضم الحرب ...
- روبيو باسمه الصيني الجديد يتوجه إلى بكين رغم العقوبات
- وسط انتقادات حقوقية.. محكمة تونسية تؤيد سجن صحفيَّين
- حرب إيران مباشر.. البنتاغون يكشف فاتورة الحرب وإسرائيل تعلن ...
- هل ستكون زيارة ترمب للصين على حساب إيران؟
- 4 سيناريوهات للتدخل.. كيف يوظف التنين الصيني نفوذه لإنهاء ال ...
- أتمنى ألا نُقصف في مهرجان كان.. عضو بلجنة التحكيم يهاجم هولي ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بشرى الفكي - الإمارات: الدولة الوسيطة في عصر ما بعد الهيمنة الأحادية 3