بشرى الفكي
(Bushra Elfaki)
الحوار المتمدن-العدد: 8694 - 2026 / 5 / 1 - 18:22
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الإعلام وصناعة الحرب: كيف تُبنى الرواية قبل أن تُطلق القذيفة
لا تبدأ الحرب حين تنفجر الصواريخ، ولكن حين تُصاغ الجملة الأولى التي تجعل الصاروخ ممكنًا. فقبل أن تتحرك الجيوش، تتحرك اللغة؛ وقبل أن تُقصف المدن، تُقصف المعاني؛ وقبل أن يُقتل الإنسان في الميدان، يُجرَّد من إنسانيته في الشاشة، والخبر، والتقرير، والتحليل. الحرب، بهذا المعنى، لا تحتاج إلى السلاح وحده، إنما تحتاج إلى رواية تجعل السلاح يبدو ضرورة، والعدوان يبدو دفاعًا، والضحايا يتحولون إلى أرقامٍ عابرة في شريط الأخبار.
إن الإعلام، في لحظات الحرب، لا يعمل فقط كمرآة تعكس الواقع، إنه يعمل كآلة تنتج واقعًا قابلًا للتصديق. إنه لا يكتفي بنقل الحدث، بل يمنحه معنى، ويختار له أسماءه، ويحدد من هو المعتدي ومن هو الضحية، من يملك حق الخوف ومن يُطلب منه أن يموت بصمت. وهنا تكمن خطورته الفلسفية والسياسية معًا، فالإعلام يشارك في بناء الحرب ولا يكتفي بوصفها، فحسب.
لقد بيّن إدوارد هيرمان ونعوم تشومسكي في نموذج "صناعة القبول" أن الإعلام الجماهيري لا يعمل في فراغ بريء، وبينا إنه يعمل داخل بنية من الملكية، والتمويل، والإعلانات، ومصادر الأخبار، وضغوط السلطة؛ وهي مرشحات تجعل الرواية السائدة أكثر قابلية لخدمة مصالح الدولة والقوى الاقتصادية الكبرى، وتهمّش الأصوات المعارضة أو تجعلها تبدو شاذة وغير عقلانية. جوهر النموذج ليس أن كل صحفي يكذب، جوهره في أن النظام نفسه يُنتج حدودًا لما يمكن قوله وما لا يمكن قوله.
ومن هنا، تصبح الحرب محتاجة إلى عملية إعداد رمزي طويلة. لا يكفي أن يُقدَّم الخصم بوصفه خصمًا سياسيًا؛ يجب أن يُعاد تشكيله بوصفه خطرًا مطلقًا، كائنًا خارج العقل، خارج القانون، خارج الإنسانية. فالحروب الحديثة لا تُباع للجمهور بوصفها مصالح عارية، وإنما بوصفها معارك أخلاقية، دفاع عن الحضارة، حماية للأمن، إنقاذ للنساء، نشر للديمقراطية، أو مواجهة للشر. وكلما كانت المصالح أكثر مادية، احتاجت الرواية إلى لغة أكثر طهارة.
هنا نستعيد إدوارد سعيد، بوصفه مفككًا لعلاقة المعرفة بالقوة، وليس بوصفه ناقدًا للاستشراق فقط. ففي تغطية الإسلام، يوضح سعيد كيف ساهم الإعلام والخبراء في إنتاج صورة متجانسة ومختزلة عن الإسلام والعالم الإسلامي، صورة تجعل "الشرق" موضوعًا للخوف والتدخل والإدارة. فالخطورة ليست في الصورة النمطية وحدها، الخطورة في أن هذه الصورة تتحول إلى بنية معرفة تُبرر السياسات، وتمنح العنف غطاءً ثقافيًا وأخلاقيًا.
ولهذا، حين تُبنى رواية الحرب، يُبنى العدو معرفيًا قبل أن يُبنى عسكريًا. ويُعاد ترتيبه داخل الوعي العام، تاريخه يُختصر، سياقه يُمحى، مطالبه تُشوَّه، آلامه تُؤجل، وموته يُقدَّم كتكلفة ضرورية. إن صناعة العدو هي، في جوهرها، صناعة مسافة أخلاقية بين "نحن" و"هم". وكلما اتسعت هذه المسافة، أصبح القتل أسهل، وأصبح السؤال عن العدالة ترفًا غير مناسب في "زمن الخطر".
وتبلغ هذه العملية ذروتها حين تتحول اللغة نفسها إلى سلاح. فالاحتلال يصبح "عملية أمنية"، والقصف يصبح "ضربة دقيقة"، والقتل الجماعي يصبح "أضرارًا جانبية"، والحصار يصبح "ضغطًا اقتصاديًا"، والانحياز يصبح "دعمًا للاستقرار". إن اللغة هنا لا تخفف الجريمة فقط، إنها تعيد تصميمها لتبدو عقلانية. إنها تمنح العنف قناع الإدارة، وتمنح الوحشية قاموسًا بيروقراطيًا باردًا.
وقد درست سوزان كارذرز العلاقة الطويلة بين الإعلام والحرب، مبينة أن وسائل الإعلام كثيرًا ما لا تكتفي بمرافقة الحروب، بل تشارك في تفسيرها واستدامتها، وأن العلاقة بين الإعلام والدولة والمؤسسة العسكرية في زمن الحرب أكثر قربًا وتعقيدًا مما تحب المؤسسات الإعلامية الاعتراف به. فالحرب لا تحتاج إلى رقابة مباشرة دائمًا؛ أحيانًا تكفي الوطنية، والخوف، والاعتماد على المصادر الرسمية، وضغط الجمهور، حتى ينتج الإعلام رواية منضبطة دون أن يشعر بأنه مقيّد.
لكن أخطر ما في إعلام الحرب ليس فقط ما يقوله، ولكن الأخطر ما لا يقوله. الصمت هنا ليس غيابًا، إنه فعلٌ سياسي بإمتياز. حين لا تظهر جثث معينة، ولا تُسمع أصوات معينة، ولا تُروى حكايات معينة، فإن الإعلام لا يترك فراغًا بريئًا؛ إنه يحدد من يستحق أن يُرى ومن يستحق أن يُنسى. وهنا يصبح الحذف شكلًا من أشكال العنف الرمزي.
وقد عبّرت جوديث بتلر عن هذه المسألة بعمق في أطر الحرب، حين سألت: متى تُعدّ الحياة قابلة للرثاء؟ فالإعلام لا يعرض كل الأرواح بالطريقة نفسها. هناك حياة تظهر بوصفها خسارة إنسانية كبرى، وحياة أخرى تظهر كرقم، كظل، كخسارة مفهومة مسبقًا. وهكذا، لا تُدار الحرب فقط عبر السلاح، إنها تدار أيضاً عبر توزيع الحزن، من يحق لنا أن نبكيه، ومن يُطلب منا أن نتجاوز موته سريعًا.
في هذا المعنى، تصبح الرواية الإعلامية جزءًا من البنية الإمبريالية ذاتها. فالقوة لا تحتاج فقط إلى قواعد عسكرية وأساطيل ومصارف ومؤسسات دولية؛ إنها تحتاج إلى عين ترى العالم كما تريد القوة أن يُرى. تحتاج إلى شاشة تُعيد ترتيب الواقع وفق منطقها، المركز يتألم، الأطراف تضطرب؛ المركز يدافع، الأطراف تهدد؛ المركز يخطئ أحيانًا، الأطراف تجسد الخطر دائمًا.
وحين ننظر إلى الحروب في الشرق الأوسط، تبدو هذه الآلية شديدة الوضوح. فالمنطقة لا تُقدَّم غالبًا بوصفها فضاءً تاريخيًا معقدًا له ذاكرته وجروحه ومصالحه، ولكن تُقدّم كمنطقة أزمات دائمة، كأن العنف فيها طبيعة لا سياسة، وكأن الحروب تنبع من رمالها لا من تدخلات القوى الكبرى، وتحالفاتها، وصراعات الطاقة، والهيمنة. وهكذا، يصبح الشرق الأوسط في المخيال الإعلامي ليس منطقة تُفهم، بقدر ما هي منطقة تُدار؛ وليس شعوبًا لها حق تقرير المصير، بقدر ما هم ملفات أمنية تنتظر التدخل.
وهنا تتضح العلاقة بين الإعلام وصناعة الحرب على إيران أو حول إيران. فقبل أي صدام عسكري، يجري بناء إيران كرمز كثيف للخطر، خطر نووي، خطر مذهبي، خطر إقليمي، وخطر على "النظام". ولا يعني ذلك تبرئة أي دولة من سياساتها أو تناقضاتها، ولكن يعني رفض الطريقة التي تُختزل بها دولة ومجتمع وتاريخ كامل في صورة عدو مطلق. فحين يُختزل الخصم في تهديد واحد، يصبح الحوار ضعفًا، والتفاوض تنازلًا، والحرب احتمالًا عقلانيًا.
إن الرواية الإعلامية هنا لا تعمل منفصلة عن النظام العالمي، إنها تعمل كجزء من آليته. فإذا كان النظام العالمي يمر بمرحلة تراجع في قدرته على إنتاج الشرعية، فإن الإعلام يصبح أكثر أهمية، لأنه يحاول تعويض النقص في الشرعية عبر فائض من السرد. وحين لا يستطيع النظام أن يقنع العالم بعدالته، يحاول أن يقنعه بخطر أعدائه. وحين تتآكل الثقة في المشروع الإمبراطوري، تُستدعى لغة الخوف لتأجيل الأسئلة الكبرى.
لكن المشكلة أن هذا السرد لم يعد يعمل بالكفاءة القديمة. فالعالم الرقمي، رغم فوضاه وتضليله، كسر احتكار الرواية. لم تعد المؤسسات الإعلامية الكبرى وحدها قادرة على تحديد ما يُرى وما لا يُرى. الصور تتسرب، الشهادات تنتشر، الضحايا يتكلمون، والهوامش صارت تملك أدواتها الخاصة في فضح المركز. غير أن هذا لا يعني أن الحقيقة انتصرت؛ إنه يعني فقط، أن الحرب انتقلت أيضًا إلى مستوى جديد من صراع الروايات. لم تعد السلطة تسعى فقط إلى إخفاء الحقيقة، وإنما إلى إغراق المجال العام بفيضٍ من الروايات المتضاربة حتى يفقد الناس القدرة على التمييز.
وهنا يصبح الإعلام المعاصر أكثر خطورة (ليس لأنه يفرض كذبة واحدة دائمًا) لأنه يخلق ضبابًا كثيفًا يجعل الحقيقة نفسها تبدو مسألة رأي. وفي هذا الضباب، تُصبح الحرب أسهل، لأن الجمهور المنهك من التناقضات يتوقف عن السؤال. وحين يتوقف الناس عن السؤال، تنتصر الرواية الأقوى تمويلًا، لا الأكثر صدقًا.
إن صناعة الحرب إذن تبدأ من صناعة المعنى. تبدأ من اختيار المفردة، وترتيب الصورة، واستدعاء الخبير، وتكرار الخطر، وتغييب السياق، وتوزيع الحزن بشكل غير عادل. إنها عملية طويلة من تحويل العنف إلى ضرورة، والقتل إلى إدارة، والهيمنة إلى مسؤولية أخلاقية. ولذلك، فإن مقاومة الحرب لا تبدأ فقط بمعارضة السلاح، ولكنها تبدأ بتفكيك الرواية التي تجعل السلاح ممكنًا. تبدأ بالسؤال: من يتكلم؟ باسم من؟ ضد من؟ ماذا يُقال؟ ماذا يُحذف؟ من يظهر إنسانًا كاملًا؟ ومن يظهر كخطرٍ متحرك؟ من تُروى حياته؟ ومن يُختصر موته في رقم؟
في النهاية، الإعلام ليس مجرد شاهد على الحرب. إنه، في كثير من الأحيان، الجبهة الأولى لها. فإذا كان الجنرال يخطط للمعركة في غرفة العمليات، فإن السرد الإعلامي يخطط لقبولها في وعي الجمهور. وإذا كانت القنبلة تحتاج إلى طائرة، فإن الحرب تحتاج قبل ذلك إلى قصة تجعل القنبلة تبدو منطقية.
وهنا تكمن الحقيقة المرّة، الحروب لا تُشن فقط على الأرض، إنها تُشن أولًا على الخيال. ومن يخسر خياله، يخسر قدرته على رؤية الضحية إنسانًا، وعلى رؤية الحرب جريمة لا قدرًا محتوماً، وعلى رؤية السلام لا كضعف، بل كأعلى أشكال الشجاعة السياسية.
قائمة المراجع
Butler, J. (2009). Frames of War: When Is Life Grievable? Verso.
Carruthers, S. L. (2011). The Media at War: Communication and Conflict in the Twentieth Century (2nd ed.). Palgrave Macmillan.
Herman, E. S., & Chomsky, N. (1988). Manufacturing Consent: The Political Economy of the Mass Media. Pantheon Books.
Klaehn, J. (2008). The propaganda model: Theoretical and methodological considerations. Westminster Papers in Communication and Culture, 6(2), 43–58.
Said, E. W. (1997). Covering Islam: How the Media and the Experts Determine How We See the Rest of the World (Rev. ed.). Vintage Books. Original work published 1981.
Said, E. W. (1978). Orientalism. Pantheon Books.
Carruthers, S. L. (2011). The Media at War. Palgrave Macmillan.
#بشرى_الفكي (هاشتاغ)
Bushra_Elfaki#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟