أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بشرى الفكي - الإمارات: الدولة الوسيطة في عصر ما بعد الهيمنة الأحادية 1














المزيد.....

الإمارات: الدولة الوسيطة في عصر ما بعد الهيمنة الأحادية 1


بشرى الفكي
(Bushra Elfaki)


الحوار المتمدن-العدد: 8697 - 2026 / 5 / 4 - 16:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الإمارات كنموذج: لماذا هذه الدولة مهمة لفهم النظام العالمي؟
ليست كل الدول تُقرأ بوصفها كيانات سياسية قائمة بذاتها، منفصلة عن سياقها، كما توحي الخرائط والخطابات الرسمية. فبعض الدول، في لحظات تاريخية معينة، تتحول إلى ما هو أكثر من مجرد وحدة سياسية؛ تصبح مرآةً تعكس بنية أوسع، واختزالًا مكثفًا لتحولات عالمية تتجاوز حدودها. وفي هذا المعنى تحديدًا، لا يمكن فهم دولة مثل الإمارات العربية المتحدة من خلال تاريخها الداخلي فقط، ولا عبر سياساتها الاقتصادية أو علاقاتها الإقليمية بمعزل عن سياقها، وإنما يجب قراءتها بوصفها تعبيرًا عن لحظة في تطور النظام العالمي نفسه.
إن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح منذ البداية ليس: ماذا فعلت الإمارات؟ ولكن السؤال يجب أن يكون: ماذا تمثل الإمارات؟ فهذا التحول في زاوية النظر هو ما يسمح بالانتقال من الوصف إلى الفهم، ومن السرد إلى التحليل. الدول، كما يوضح إيمانويل والرشتاين، لا تتحرك في فراغ، وإنما تتحرك داخل نظام عالمي يحدد مواقعها ويعيد إنتاج أدوارها عبر الزمن (Wallerstein, 2004). ومن هذا المنظور، فإن الإمارات ليست مجرد دولة صاعدة في الإقليم، إنها تمثل نقطة تقاطع بين المركز والهامش، بين الرأسمالية العالمية والدولة الوطنية، وبين القوة العسكرية الغربية وإعادة تشكيل النفوذ في الجنوب العالمي.
وغالبًا ما تُقدَّم الإمارات بوصفها استثناءً في محيطها، حالة خاصة نجحت في تحقيق ما عجز عنه الآخرون، وكأنها معجزة اقتصادية أو نموذج منفصل عن سياق التاريخ. غير أن هذا الوصف، رغم جاذبيته، يخفي أكثر مما يكشف، لأنه يعزل التجربة عن شروطها الموضوعية، ويحولها إلى قصة نجاح مجردة من بنيتها. والحقيقة أن ما يبدو استثنائيًا في الإمارات هو في جوهره دلالة على تحولات أوسع، ترتبط بالعولمة المالية، وبانتقال مراكز التراكم، وببحث الرأسمالية عن فضاءات جديدة لإعادة إنتاج نفسها. وقد أشار ديفيد هارفي إلى أن الرأسمالية، في سعيها المستمر للتوسع، تعيد تشكيل الجغرافيا، وتنشئ مراكز جديدة للتراكم خارج مراكزها التقليدية (Harvey, 2003). وفي هذا الإطار، يمكن فهم الإمارات كإحدى هذه النقاط التي استوعبت تدفقات رأس المال، وأعادت توظيفها ضمن نموذج خاص.
لكن هذا النموذج لا يمكن فهمه ضمن ثنائية بسيطة تقسم العالم إلى دول مستقلة وأخرى تابعة. فالإمارات لا تنتمي بالكامل إلى أي من هذين التصنيفين. إنها تتحرك في منطقة وسطى، يمكن وصفها بدقة أكبر بأنها دولة وسيطة داخل النظام العالمي. فهي تعمل داخل بنية الهيمنة العالمية، لكنها لا تكتفي بدور المتلقي، ولكنها تسعى إلى إعادة توظيف هذا الموقع بما يوسع هامش حركتها. يتجلى هذا الدور الوسيط في كونها مركزًا ماليًا وتجاريًا يربط بين الشرق والغرب، وشريكًا استراتيجيًا للقوى الكبرى، وفاعلًا إقليميًا يتجاوز حدوده الجغرافية. وفي هذا المعنى، لا يمكن اعتبارها تابعًا تقليديًا، لكنها أيضًا ليست قوة مستقلة بالكامل، إنها كيان يتحرك داخل شبكة من العلاقات تمنحه القوة وتفرض عليه في الوقت نفسه حدودًا.
ومن أبرز ملامح هذا النموذج تلك المفارقة التي تجمع بين انفتاح اقتصادي واسع، وانغلاق سياسي واضح. فالإمارات اندمجت بعمق في الاقتصاد العالمي، واستطاعت أن تتحول إلى مركز جذب للاستثمار والتجارة والخدمات، دون أن يرافق ذلك تحول مماثل في بنيتها السياسية. لم تتطور مؤسسات تمثيلية واسعة، ولم يُفتح المجال السياسي بشكل يوازي الانفتاح الاقتصادي. وهنا يظهر نموذج يمكن وصفه بالرأسمالية السلطوية، حيث يتحقق النمو الاقتصادي في ظل بنية سياسية مركزية. هذا النموذج، رغم نجاحه الظاهري، يطرح أسئلة عميقة حول استدامته، وحول العلاقة بين الاقتصاد والسياسة، وحول إمكانية استمرار الاستقرار دون توسيع قاعدة المشاركة.
ولا يمكن فهم هذا المسار دون إدراك الدور الذي لعبته الجغرافيا، بوصفها أداة استراتيجية وليس كمعطىً ثابتًا. فالإمارات تقع في نقطة تلاقي حيوية بين الخليج والمحيط الهندي وطرق التجارة العالمية، لكن هذا الموقع لم يتحول إلى مصدر قوة تلقائيًا، ولكن تمّ ذلك عبر سياسات واعية استثمرت فيه، وطورت الموانئ، وبنت بنية تحتية متقدمة، وجعلت من الدولة عقدة في شبكة التجارة العالمية. وهكذا، لم تعد الجغرافيا مجرد موقع، لقد أصبحت جزءًا من استراتيجية الدولة في إعادة تعريف دورها.
ومع تطور هذا الدور، لم تبقَ الإمارات ضمن حدودها، إنما بدأت تتوسع خارجيًا، خاصة في الشرق الأوسط وأفريقيا. هذا التوسع لا يمكن فهمه فقط كسياسة خارجية نشطة، يجب فهمه أيضاً كتحول أعمق من دولة تركز على الداخل إلى فاعل يسعى إلى التأثير في محيطه. وقد أشار جيوفاني أريغي إلى أن فترات التحول في النظام العالمي تشهد صعود قوى جديدة تحاول إعادة تعريف مواقعها داخل النظام (Arrighi, 1994). وفي هذا السياق، يمكن قراءة الدور الإماراتي كجزء من هذه الديناميكية، حيث تحاول الدولة أن تتحول من مجرد جزء من النظام إلى عنصر مؤثر فيه.
وفي النهاية، لا تكمن أهمية الإمارات في حجمها أو عدد سكانها، ولكن تكمن أهميتها في قدرتها على تجسيد تحولات أوسع في النظام العالمي. فهي تعكس انتقال مراكز القوة الاقتصادية، وتغير طبيعة الدولة في عصر العولمة، وتداخل المحلي بالعالمي، وصعود فاعلين غير تقليديين. ومن هنا، فإن دراستها لا تقتصر على فهم حالة خاصة، بقدر ما تفتح الباب لفهم النظام العالمي في لحظة تحوله. لتُصبح الإمارات، بهذا المعنى، أداة تحليل، وليست مجرد موضوع للدراسة، من خلالها يمكن طرح أسئلة أعمق حول كيفية صعود الدول، وحدود هذا الصعود، وإمكانية إعادة تشكيل مواقعها داخل نظام غير متكافئ. وفي هذه الأسئلة تحديدًا، يبدأ التفكير الحقيقي.
قائمة المراجع
Wallerstein, I. (2004). World-Systems Analysis: An Introduction. Duke University Press.
Harvey, D. (2003). The New Imperialism. Oxford University Press.
Arrighi, G. (1994). The Long Twentieth Century: Money, Power and the Origins of Our Times. Verso.



#بشرى_الفكي (هاشتاغ)       Bushra_Elfaki#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...


المزيد.....




- ترامب يتوجه إلى الصين في زيارة تطغى عليها خلافات بشأن حرب إي ...
- ألمانيا ـ تقدم جديد لحزب البديل وتراجع حاد في تأييد المستشار ...
- حوار مع الرئيس إيمانويل ماكرون في ختام قمة -أفريكا فوروارد- ...
- أبرز الملفات التي تناولها ماكرون في لقاء خاص مع فرانس24
- حرب الشرق الأوسط: ما هي الخيارات المطروحة أمام ترامب بعد الر ...
- حصري: الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يُعلّق على السياسة الفر ...
- صراع من أجل شهيق.. منع -الأكسجين- يهدد حياة الآلاف بغزة
- ويلات سدي تيمان تلاحق طفلة مسنة وحفيدتيها بغزة
- عمار العقاد للجزيرة: نخشى تعرض والدتي وشقيقتي لانتهاكات الاح ...
- زيارة ترمب للصين.. هل تُعقّد المشهد الإيراني أم تفتح باب الح ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بشرى الفكي - الإمارات: الدولة الوسيطة في عصر ما بعد الهيمنة الأحادية 1