أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بشرى الفكي - انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد القطبي 12














المزيد.....

انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد القطبي 12


بشرى الفكي

الحوار المتمدن-العدد: 8695 - 2026 / 5 / 2 - 06:01
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الخلاصة: عندما ينهار النظام
لا ينهار النظام العالمي كما تنهار الجدران تحت وطأة ضربة واحدة، بل كما تتآكل المعاني في صمتٍ طويل. يبدأ الانهيار حين تفقد الكلمات قدرتها على الإقناع، حين تصبح "الشرعية" مجرد خطاب، و"القانون الدولي" أداة انتقائية، و"الاستقرار" اسمًا آخر للخوف المؤجل. في تلك اللحظة، لا يكون ما يتداعى هو البناء المادي فقط، إنما يتداعى هو الفكرة التي كانت تمنحه تماسكه، الفكرة القائلة إن العالم يمكن أن يُدار وفق قواعد مقبولة، وأن القوة قادرة على أن تتخفّى في هيئة نظام.
لقد أشار إيمانويل والرشتاين إلى أن الأنظمة التاريخية، حين تبلغ حدودها البنيوية، تدخل في حالة لا تعود فيها قادرة على إعادة إنتاج نفسها بالشروط التي قامت عليها (Wallerstein, 2004). لكن هذه اللحظة لا تُرى بسهولة، لأنها لا تعلن نفسها كـ "نهاية"، إنها تظهر في صورة اضطراب مستمر، أزمات تتكرر، حروب لا تُحسم، مؤسسات تعمل دون أن تُقنع، وأسواق تنمو دون أن تُطعم.
إن الانهيار، بهذا المعنى، حالة وليس حدثًا. حالة يصبح فيها الاستثناء قاعدة، ويصبح الطارئ دائمًا، وتتحول الفوضى إلى شكلٍ من أشكال النظام. لا تختفي السلطة، وإنما تتغير طبيعتها؛ تصبح أكثر قسوة، أقل شرعية، وأكثر اعتمادًا على القوة المباشرة. وهنا تحديدًا، تتحقق المفارقة الكبرى، كلما ازداد استخدام القوة، ازداد العجز عن السيطرة.
في هذه اللحظة، يستحضر فكر أنطونيو غرامشي توصيفه الدقيق للأزمة، حين "يموت القديم ولا يستطيع الجديد أن يولد"، فتتكاثر الظواهر المرضية (Gramsci, 1971). هذه "الأعراض" ليست انحرافات عابرة، إنها تعبير عن فقدان النظام قدرته على تنظيم العالم. الحروب، الأزمات الاقتصادية، تصاعد الشعبوية، انهيار الثقة في المؤسسات، كلها ليست أسباب الانهيار، بقدار ما أن السبب لغته.
غير أن لحظة الانهيار هي انفتاح التاريخ وليست نهايته. فحين يفقد النظام القديم قدرته على فرض نفسه، لا يعني ذلك أن نظامًا جديدًا قد وُلد، ذلك يعني أن التاريخ يدخل في مرحلة احتمالات. وقد بيّن جيوفاني أريغي أن الانتقالات بين الهيمنات تتسم دائمًا بفترات اضطراب، حيث لا يكون الصراع مجرد تنافس على القوة، إنما صراع على شكل النظام ذاته (Arrighi, 1994). في هذه الفترات، يكون المستقبل إعادة تعريف للماضي، وليس امتدادًا له.
لكن هذه الإمكانية تحمل في داخلها خطرًا وفرصة في آنٍ واحد. فالانهيار لا يضمن العدالة، كما لا يضمن الفوضى المطلقة. يمكن أن يقود إلى نظام أكثر قسوة، حيث تتعدد مراكز القوة دون أن تتغير طبيعتها، أو إلى نظام أكثر إنسانية، حيث يُعاد التفكير في معنى القوة والشرعية. الفرق بين هذين المسارين لا تحدده القوانين الاقتصادية وحدها، إنما يحدده الفعل السياسي والأخلاقي للبشر.
هنا، يتغير معنى السؤال. لم يعد السؤال، من سيحكم العالم؟ يصبح السؤال، كيف سيُحكم العالم؟ هل سيبقى منطق الهيمنة هو الأساس، أم يمكن تجاوزه؟ هل ستظل القوة هي اللغة الوحيدة للنظام، أم يمكن أن تظهر لغات أخرى كالعدالة، والتعاون، والكرامة؟
إن الانهيار يكشف أيضًا وهمًا قديمًا، أن الاستقرار يمكن أن يُبنى على الظلم. فكل نظام يقوم على عدم المساواة العميقة يحمل في داخله شروط تفككه. قد يستمر طويلًا، لكنه لا يستمر بلا نهاية. فالتاريخ لا يُنهي الظلم لأنه غير أخلاقي، يُنهيه لأنه غير مستقر.
وفي هذا السياق، تصبح الشعوب (وليس الدول فقط) فاعلًا حاسمًا. فالنظام العالمي لا يتغير فقط عبر الحروب بين القوى الكبرى، بل عبر حركات اجتماعية، وثورات، وتحولات في الوعي. حين يرفض الناس القواعد التي تحكمهم، تبدأ هذه القواعد في التآكل، حتى لو بدت قوية في ظاهرها.
لكن أخطر ما في لحظة الانهيار الغموض الذي يكتنفها، وليس العنف وحده. فحين تتعدد الروايات، وتتداخل الحقائق، ويصبح كل شيء قابلًا للتأويل، يفقد الإنسان يقينه. وفي هذا الفراغ، يمكن أن تنتصر أكثر السرديات تبسيطًا وخطورة. لذلك، فإن المعركة في هذه المرحلة ليست فقط على الأرض، إنها معركة في الوعي.
وهنا، يعود السؤال الفلسفي في أبسط صوره، ماذا نفعل حين ينهار النظام؟ هل ننتظر نظامًا جديدًا يولد من تلقاء نفسه، أم نشارك في صناعته؟ هل نقبل الفوضى بوصفها قدرًا، أم نحاول تحويلها إلى بداية؟
إن الجواب لا يُعطى نظريًا، إنما يُصنع تاريخيًا. فكل نظام عالمي هو، في النهاية، نتيجة لاختيارات بشرية، حتى لو بدت هذه الاختيارات محكومة بظروف أكبر منها. والانهيار، رغم قسوته، يفتح المجال لإعادة التفكير في هذه الاختيارات.
وفي النهاية، لا يمكن القول إننا نعيش "نهاية العالم"، بل نهاية طريقة معينة لفهمه وتنظيمه. النظام الذي عرفناه يتراجع، لكن العالم لا يتوقف. إنه يعيد تشكيل نفسه، ببطء وألم، عبر صراعات وتناقضات لم تُحسم بعد. فحين ينهار النظام، لا يسقط العالم. وإنما يُطرح عليه سؤال جديد. وسؤال العالم اليوم ليس عن القوة، إنه سؤالٌ عن المعنى.
قائمة المراجع
• Wallerstein, I. (2004). World-Systems Analysis: An Introduction. Duke University Press.
• Wallerstein, I. (2010). Structural crises. New Left Review, 62, 133–142.
• Arrighi, G. (1994). The Long Twentieth Century. Verso.
• Gramsci, A. (1971). Selections from the Prison Notebooks. International Publishers.



#بشرى_الفكي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...


المزيد.....




- ترامب مازحاً عن كوبا: -قواتنا ستسيطر عليها خلال العودة من حر ...
- -هذا لا يليق برئيس-.. ترامب يكشف عن فعل -تكرهه- ميلانيا خلال ...
- ترامب يواجه نهاية مهلة الستين يوماً
- مقال بواشنطن بوست: لماذا بدأ مؤثرون من اليمين فجأة في الإشاد ...
- حصار الموانئ يكلّف إيران مليارات..تقديرات أميركية تكشف الرقم ...
- أميركا تعيد تموضعها في أوروبا.. وتسحب آلاف الجنود من ألمانيا ...
- عاجل.. ترمب: إيران باتت دون دفاعات جوية أو أنظمة رادار وقدرا ...
- بعد تراشق ترامب وميرز حول حرب إيران.. أمريكا ستسحب 5 آلاف جن ...
- أول تصريح لترامب بعد إخطار الكونغرس بـ-انتهاء الأعمال العدائ ...
- لماذا لم نفهم المنطقة؟ ولماذا نتعثر؟


المزيد.....

- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بشرى الفكي - انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد القطبي 12