أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بشرى الفكي - الإمارات: الدولة الوسيطة في عصر ما بعد الهيمنة الأحادية 5















المزيد.....

الإمارات: الدولة الوسيطة في عصر ما بعد الهيمنة الأحادية 5


بشرى الفكي
(Bushra Elfaki)


الحوار المتمدن-العدد: 8701 - 2026 / 5 / 8 - 18:06
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الدولة الأمنية في الإمارات: الاستقرار كبديل للشرعية
ليست الدولة، في جوهرها، جهازًا إداريًا محايدًا، ولكنها بنية تنظّم القوة وتعيد توزيعها وتمنحها معنى. وفي التجربة الإماراتية، لا تُفهم هذه البنية من خلال مؤسساتها الرسمية فقط، وإنما تُفهم من خلال الكيفية التي تُدار بها العلاقة بين الأمن والشرعية. فهنا، يُقدَّم الأمن كـ أساسٍ لنظام الحكم، وليس بوصفه وظيفة من وظائف الدولة فحسب؛ وكأن الاستقرار نفسه قد حلّ محلّ الشرعية، كصيغة دائمة لإدارة المجتمع، لا كبديل مؤقت لها.
هذا التحول لا يمكن قراءته بمعزل عن طبيعة الدولة التي تشكّلت منذ البداية داخل نظام عالمي مضطرب، حيث يصبح الحفاظ على الاستقرار شرطًا للاندماج الاقتصادي وجذب رأس المال. فالدولة التي فتحت اقتصادها على العالم، وسمحت بتدفقات هائلة من الاستثمارات والعمل، كانت بحاجة إلى فضاء داخلي مضبوط، لا يسمح بانزلاق التوترات الاجتماعية إلى المجال السياسي. وهكذا، يصبح الأمن ليس مجرد رد فعل على تهديد، ولكنه منطقًا مسبقًا لتنظيم الحياة العامة.
في هذا السياق، يتقاطع التحليل مع ما طرحه ميشيل فوكو حول تحوّل السلطة الحديثة من القمع المباشر إلى أشكال أكثر تعقيدًا من الضبط والمراقبة، حيث لا تُمارَس السلطة فقط عبر المنع، ولكن عبر إدارة السلوك وتنظيم المجال (Foucault, 1977). وفي الحالة الإماراتية، لا تظهر الدولة الأمنية فقط في أدواتها الصلبة، ولكن إضافة إلى ذلك، في قدرتها على إنتاج بيئة مستقرة تجعل الانضباط يبدو وكأنه خيار عقلاني، لا مجرد فرض خارجي.
لكن هذه الدولة لا تُبنى على الخوف وحده، إنها تُبنى على معادلة أكثر تركيب، الأمن مقابل الرفاه. فالمجتمع الذي يحصل على مستويات عالية من الخدمات، والبنية التحتية، وفرص العمل، يُعاد إدماجه في نظام يحدّ من المجال السياسي، لكنه يوسع المجال الاقتصادي والاجتماعي. وهنا يتقاطع التحليل مع مفهوم الهيمنة عند أنطونيو غرامشي، حيث لا تقوم السلطة فقط على الإكراه، إنها تقوم كذلك على إنتاج القبول، أي جعل النظام يبدو طبيعيًا ومقبولًا، ومفيدًا (Gramsci, 1971).
في هذه المعادلة، لا يُلغى القسر، لكنه يُعاد تنظيمه. فالدولة لا تحتاج إلى استخدامه بشكل دائم، لأن البنية نفسها، الاقتصادية والاجتماعية، تُنتج قدرًا من الامتثال. يصبح الاستقرار قيمة بحد ذاته، ويُعاد تعريف السياسة ليس كمساحة صراع، يعاد تعريفها كخطر محتمل على هذا الاستقرار. وهنا يتحول المجال العام إلى فضاء مُدار بعناية، تُحدد فيه حدود التعبير، وتُراقَب فيه تدفقات المعلومات، ويُعاد تشكيله بما يتوافق مع أولويات الدولة.
غير أن هذا النموذج يطرح سؤالًا فلسفيًا عميقًا، هل يمكن للاستقرار أن يحلّ محلّ الشرعية؟ أم أنه يؤجل السؤال فقط؟ فالشرعية، في معناها الكلاسيكي، ترتبط بالمشاركة، وبإمكانية التأثير في القرار، وبوجود علاقة متبادلة بين الحاكم والمحكوم. أما حين تُختزل في القدرة على توفير الأمن والرفاه، فإنها تتحول إلى شرعية وظيفية، تعتمد على الأداء أكثر مما تعتمد على التمثيل. هذه الشرعية الوظيفية قد تكون فعّالة في المدى القصير، لكنها تحمل في داخلها توترًا كامنًا. فهي تفترض استمرار القدرة على تقديم الخدمات والحفاظ على النمو الاقتصادي، وهو أمر مرتبط بعوامل خارجية، مثل استقرار الاقتصاد العالمي وتدفقات رأس المال. وفي حال تعرضت هذه العوامل للاهتزاز، يصبح السؤال عن الشرعية أكثر حدة، لأن الأساس الذي تقوم عليه، أي الأداء، لم يعد مضمونًا.
هنا، يمكن الاستعانة بتحليل ماكس فيبر الذي ميّز بين أنماط مختلفة من الشرعية، منها الشرعية العقلانية القانونية، التي تقوم على مؤسسات وقواعد، والشرعية الكاريزمية، التي تقوم على شخصيات قيادية (Weber, 1978). في الحالة الإماراتية، لا تنطبق هذه الأنماط بشكل مباشر، ولكننا نواجه صيغة مركبة، حيث تتداخل الشرعية التقليدية مع الأداء الاقتصادي، ومع بنية أمنية تُنظّم المجال العام.
لكن ما يميز هذا النموذج ليس فقط غياب التعددية السياسية، ما يميزه إعادة تعريف السياسة نفسها. فبدل أن تكون ساحة للتنافس، تتحول إلى مجال مُؤطَّر، تُدار فيه الاختلافات ضمن حدود ضيقة. وهذا لا يعني غياب المجتمع، إنه يعني أن المجتمع يُعاد تنظيمه خارج السياسة، عبر الاقتصاد، والتعليم، والخدمات، بحيث يُعاد توجيه الطاقات نحو مجالات لا تُهدد البنية القائمة. ومع ذلك، فإن هذا الضبط لا يُلغي التناقضات، بقدر ما يعيد توزيعها. فالمجتمع الإماراتي، كما رأينا، ليس متجانسًا، ولكنه يتكون من طبقات مختلفة من المواطنين والوافدين، لكل منها موقع مختلف داخل النظام. وهذه التعددية، رغم إدارتها بنجاح نسبي، تحمل في داخلها إمكانات توتر، خاصة في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية.
ومن زاوية أخرى، فإن الدولة الأمنية تُفهم في علاقتها بالنظام العالمي، ولا تُفهم فقط داخليًا. فالدولة التي تقدم نفسها كفضاء آمن للاستثمار، تحتاج إلى الحفاظ على هذا الاستقرار كشرط لجذب رأس المال. وهنا، يصبح الأمن جزءًا من الاقتصاد، لا مجرد أداة سياسية. الاستقرار يُباع كميزة تنافسية، ويُعاد إنتاجه كشرط للاندماج في السوق العالمية. لكن هذا الترابط بين الأمن والاقتصاد يخلق بدوره اعتمادًا متبادلًا. فكما يعتمد الاقتصاد على الاستقرار، يعتمد الاستقرار على استمرار الاقتصاد. وهذا ما يجعل النموذج حساسًا للتغيرات العالمية، حيث يمكن لأي اضطراب خارجي أن ينعكس داخليًا، وهذا ما يتضح الآن فيما أفرزته الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران.
في النهاية، لا يمكن اختزال الدولة الأمنية في الإمارات في صورة نمطية بسيطة، لكن يجب فهمها كبنية معقدة، تجمع بين الضبط والرفاه، وتجمع بين القسر والقبول، كما تجمع أيضاً بين المحلي والعالمي. إنها ليست فقط نظامًا سياسيًا، إنها طريقة في تنظيم الحياة، حيث يُعاد تعريف العلاقة بين الفرد والدولة، وبين الحرية والاستقرار. وهنا، يعود السؤال هل الاستقرار غاية في ذاته، أم وسيلة؟ وهل يمكن لنظام أن يستمر إذا كان يعتمد على تأجيل الأسئلة بدل الإجابة عنها؟ هذه الأسئلة لا تجد إجابات نهائية، لكنها تكشف أن ما يبدو ثابتًا قد يكون، في عمقه، حالة توازن مؤقت. وفي هذا التوازن، تكمن قوة النموذج وحدوده في آنٍ واحد.
________________________________________
قائمة المراجع
Foucault, M. (1977). Discipline and Punish: The Birth of the Prison. Vintage Books.
Gramsci, A. (1971). Selections from the Prison Notebooks. International Publishers.
Weber, M. (1978). Economy and Society. University of California Press.
Hanieh, A. (2018). Money, Markets, and Monarchies. Cambridge University Press.



#بشرى_الفكي (هاشتاغ)       Bushra_Elfaki#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإمارات: الدولة الوسيطة في عصر ما بعد الهيمنة الأحادية 4
- الإمارات: الدولة الوسيطة في عصر ما بعد الهيمنة الأحادية 3
- الإمارات: الدولة الوسيطة في عصر ما بعد الهيمنة الأحادية 2
- الإمارات: الدولة الوسيطة في عصر ما بعد الهيمنة الأحادية 1
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...


المزيد.....




- ترامب يتوجه إلى الصين في زيارة تطغى عليها خلافات بشأن حرب إي ...
- ألمانيا ـ تقدم جديد لحزب البديل وتراجع حاد في تأييد المستشار ...
- حوار مع الرئيس إيمانويل ماكرون في ختام قمة -أفريكا فوروارد- ...
- أبرز الملفات التي تناولها ماكرون في لقاء خاص مع فرانس24
- حرب الشرق الأوسط: ما هي الخيارات المطروحة أمام ترامب بعد الر ...
- حصري: الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يُعلّق على السياسة الفر ...
- صراع من أجل شهيق.. منع -الأكسجين- يهدد حياة الآلاف بغزة
- ويلات سدي تيمان تلاحق طفلة مسنة وحفيدتيها بغزة
- عمار العقاد للجزيرة: نخشى تعرض والدتي وشقيقتي لانتهاكات الاح ...
- زيارة ترمب للصين.. هل تُعقّد المشهد الإيراني أم تفتح باب الح ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بشرى الفكي - الإمارات: الدولة الوسيطة في عصر ما بعد الهيمنة الأحادية 5