أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بشرى الفكي - الإمارات: الدولة الوسيطة في عصر ما بعد الهيمنة الأحادية 7















المزيد.....

الإمارات: الدولة الوسيطة في عصر ما بعد الهيمنة الأحادية 7


بشرى الفكي
(Bushra Elfaki)


الحوار المتمدن-العدد: 8705 - 2026 / 5 / 14 - 13:48
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الإمارات وأفريقيا (السودان نموذجًا): الاقتصاد، الموارد، وشبكات النفوذ
لا تُفهم أفريقيا في النظام العالمي المعاصر بوصفها "هامشًا" بالمعنى البسيط، ولكن تُفهم كمساحةٍ تتكثف فيها رهانات الطاقة والغذاء واللوجستيات والديون، أي كعقدةٍ تتقاطع عندها مصالح قوى متعددة. وفي هذه العقدة، لا تتحرك الدول الصاعدة بوصفها بدائل أخلاقية للقوى التقليدية، وإنما بوصفها فاعلين يبحثون عن موطئ قدم داخل شبكةٍ معقّدة من التنافس والتعاون. ومن هذا المنظور، يمكن قراءة الحضور الإماراتي في أفريقيا—وخاصة في السودان—بوصفه استراتيجية لبناء نفوذ عبر الاقتصاد والموارد والبنية اللوجستية، أكثر منه توسعًا عسكريًا تقليديًا.
هذا الحضور لا ينفصل عن طبيعة النموذج الاقتصادي الإماراتي ذاته، القائم على إدارة التدفقات. فالدولة التي أعادت تعريف دورها كمركزٍ لوجستي ومالي، تجد في أفريقيا فضاءً مناسبًا لتمديد هذه الوظيفة، حيث هناك موانئ تُدار، أراضٍ تُستثمر، سلاسل إمداد تُعاد صياغتها، وأسواقٌ تُربط بممراتٍ أوسع تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر فالمحيط الهندي. هنا، تكون الجغرافيا ممرًا للقيمة وليس مجرد موقع.
وقد أشار ديفيد هارفي إلى أن الرأسمالية، في بحثها عن تثبيت التراكم، تميل إلى الاستثمار في البنية التحتية الاستراتيجية—الموانئ، الطرق، المناطق الحرة—بوصفها وسائل لضمان تدفق السلع ورأس المال (Harvey, 2003). وفي أفريقيا، يتخذ هذا المنطق شكلًا واضحًا، فمن يملك نقاط العبور، يملك قدرةً نسبية على تنظيم الحركة الاقتصادية. ومن هنا، يصبح الاستثمار في الموانئ وإدارتها أداةً لإعادة توزيع النفوذ، لا مجرد نشاط تجاري.
لكن الاقتصاد وحده لا يفسر المشهد. فهذه الاستثمارات تتحرك داخل بيئات سياسية هشّة، حيث الدولة ليست دائمًا فاعلًا موحّدًا، الدولة ساحة تتقاطع فيها قوى داخلية وخارجية. وفي هذا السياق، يتخذ النفوذ شكلًا شبكيًا، بخلق شراكات مع حكومات، تفاهمات مع فاعلين محليين، وترتيبات أمنية مرنة. لا تُدار العملية من مركز واحد، ولكن عبر نقاط متعددة، تتكيف مع خصوصية كل بلد.
في السودان، تزداد هذه الصورة تعقيدًا. فالبلد يجمع بين وفرة الموارد—أراضٍ زراعية، ثروات معدنية، موقع استراتيجي على البحر الأحمر—وبين هشاشة الدولة نتيجة تاريخ طويل من الصراعات والانقلابات والانقسامات. هذا التناقض يجعل السودان مجالًا مثاليًا لنوعٍ من النفوذ الذي لا يقوم على السيطرة المباشرة، وإنما يقوم على التداخل بين الاقتصاد والسياسة.
تظهر هذه الديناميكية في ثلاثة مستويات مترابطة. المستوى الأول هو مستوى الموارد، حيث تصبح الزراعة والتعدين—خصوصًا الذهب—نقاط جذب رئيسية للاستثمار والتجارة. فالموارد هنا لا تُستخرج فقط، إنها تُدمج في شبكات أوسع من التصدير والتكرير والتمويل، ما يجعل قيمتها مرتبطة بمسارات خارجية بقدر ارتباطها بالإنتاج المحلي. والمستوى الثاني هو البنية اللوجستية، حيث تكتسب الموانئ والممرات أهمية مضاعفة، لأنها تربط الداخل بالسوق العالمية. أما المستوى الثالث فهو البعد السياسي–الأمني، حيث تتداخل الاستثمارات مع علاقات القوة داخل الدولة، في بيئة تتسم بتعدد الفاعلين وضعف المؤسسات.
في هذا الإطار، يمكن فهم الحضور الإماراتي بوصفه بناءً لنفوذ عبر ثلاثة مفاتيح، المورد، والممر، والعلاقة. المورد يضمن الدخول إلى سلاسل القيمة، والممر يضمن التحكم في التدفق، والعلاقة—مع فاعلين محليين ودوليين—تضمن الاستمرارية. هذه تمثل أدوات تعمل كأجزاء من استراتيجية واحدة، تتكيف مع الواقع المتغير، وليست أدوات منفصلة.
غير أن هذا النمط من الحضور لا يخلو من التناقضات. فحين يتحرك الاستثمار داخل بيئة غير مستقرة، يصبح عرضة للتسييس، كما يصبح جزءًا من توازنات داخلية قد تتغير بسرعة. وهنا، لا يكون الاقتصاد محايدًا، ولكنه يدخل في شبكة من الاصطفافات، حيث يمكن أن يُنظر إليه—من أطراف مختلفة—كعامل استقرار أو كجزء من الصراع. هذا ما يجعل النفوذ الشبكي فعّالًا في فتح الأبواب، لكنه أقل قدرة على ضبط النتائج في المدى الطويل.
ومن زاوية أوسع، يعكس هذا الحضور ما يمكن وصفه—بحذر تحليلي—بـ دور شبه إمبريالي، ليس بمعنى السيطرة الكلاسيكية، وإنما بمعنى المشاركة في إعادة تشكيل الفضاءات الإقليمية وفق منطق التراكم العالمي. وقد أشار جيوفاني أريغي إلى أن فترات انتقال الهيمنة تُنتج فاعلين يعملون داخل النظام، لكنهم يسعون إلى إعادة توزيع أدواره (Arrighi, 1994). في هذه الفترات، لا تختفي علاقات القوة، ولكن تتعدد مستوياتها.
مع ذلك، فإن هذا الدور يظل محكومًا بحدود واضحة. فالدولة التي تبني نفوذها عبر الشبكات، تعتمد في استمراريتها على استقرار هذه الشبكات. وإذا تعرضت نقاط الارتكاز—الموانئ، الشراكات، التدفقات—للاهتزاز، فإن النفوذ نفسه يصبح عرضة لإعادة التشكيل. كما أن العمل عبر وسطاء محليين يمنح مرونة، لكنه يقلل من القدرة على التحكم المباشر، ويجعل النتائج مفتوحة على احتمالات متعددة.
في حالة السودان، تتضاعف هذه الحدود. فالأزمة السياسية والعسكرية المستمرة لا تعيد تشكيل الداخل فقط، إنها تعيد تعريف شروط العمل الخارجي. وفي بيئة كهذه، يصبح كل استثمار جزءًا من معادلة أكبر، تتداخل فيها الاعتبارات الاقتصادية مع الحسابات الأمنية، وتُختبر فيها حدود القوة الشبكية أمام واقع لا يمكن ضبطه بسهولة.
وفي النهاية، لا يمكن فهم العلاقة بين الإمارات وأفريقيا—ولا مع السودان تحديدًا—كعلاقة خطية بين فاعل قوي ومجال ضعيف، ولكن كعلاقة معقدة بين نظام عالمي يبحث عن مسارات جديدة للتراكم، ودولٍ تحاول إعادة تعريف مواقعها داخله. فالإمارات ليست خارج هذا النظام، إنها تعمل من داخله، مستفيدة من فرصه، ومقيّدة بشروطه في آنٍ واحد. وهنا تكمن دلالة الحالة، إنها لا تكشف فقط عن صعود فاعلٍ جديد، بقدر ما تكشف عن طبيعة المرحلة نفسها، حيث لم تعد القوة تُمارَس عبر السيطرة المباشرة، ولكنها تُمارس عبر إدارة الموارد، وتنظيم الممرات، وبناء الشبكات. لكنها تكشف أيضًا أن هذه القوة، مهما بدت مرنة، تظل مرتبطة ببيئة عالمية مضطربة، حيث كل نفوذ قابل لإعادة التفاوض، وكل موقع عرضة للتحول.
قائمة المراجع
Harvey, D. (2003). The New Imperialism. Oxford University Press.
Arrighi, G. (1994). The Long Twentieth Century: Money, Power and the Origins of Our Times. Verso.
Hanieh, A. (2018). Money, Markets, and Monarchies: The Gulf Cooperation Council and the Political Economy of the Contemporary Middle East. Cambridge University Press.
United Nations Development Programme (UNDP). (2024). Human Development Report 2023/2024.
World Bank. (2025). Sudan Economic Update.



#بشرى_الفكي (هاشتاغ)       Bushra_Elfaki#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإمارات: الدولة الوسيطة في عصر ما بعد الهيمنة الأحادية 6
- الإمارات: الدولة الوسيطة في عصر ما بعد الهيمنة الأحادية 5
- الإمارات: الدولة الوسيطة في عصر ما بعد الهيمنة الأحادية 4
- الإمارات: الدولة الوسيطة في عصر ما بعد الهيمنة الأحادية 3
- الإمارات: الدولة الوسيطة في عصر ما بعد الهيمنة الأحادية 2
- الإمارات: الدولة الوسيطة في عصر ما بعد الهيمنة الأحادية 1
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...


المزيد.....




- شي جين بينغ: -النهضة العظيمة- للصين وشعار -لنجعل أمريكا عظيم ...
- بعد عمليات بحث واسعة.. العثور على جثة الجندية الأمريكية المف ...
- ترامب وشي يتبادلان نخب التكريم في مأدبة بكين
- أطفال أفغانستان يدفعون ثمن حروب المنطقة: مسؤول أممي يحذر من ...
- تحذير عراقي وراء توقيف سوري بشبهة التخطيط لهجوم في هامبورغ
- الصين - الولايات المتحدة: بين التعاون الإجباري والتنافس المف ...
- رويترز: فرنسا تحقق بشبهات تدخل شركة إسرائيلية في الانتخابات ...
- لن نرضخ.. طهران تؤكد أنها لن تتفاوض تحت الضغط ومستعدة للرد ع ...
- مسؤول لبناني يؤكد أن بيروت ستضغط على إسرائيل لوقف إطلاق النا ...
- عباس في مؤتمر فتح العام: نرفض أي سلاح خارج الشرعية الفلسطيني ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بشرى الفكي - الإمارات: الدولة الوسيطة في عصر ما بعد الهيمنة الأحادية 7