عادل الدول
كاتب
(Adil Al Dool)
الحوار المتمدن-العدد: 8707 - 2026 / 5 / 16 - 03:27
المحور:
قضايا ثقافية
“المعرفة لم تعد تُنتَج طلبًا للحقيقة، بل لإدارة الإدراك؛ وفي عصر الإعلام، غدت الحقيقة نفسها أكثر أشكال الاحتيال إتقانًا.”
مقدمة: مفارقة العصر الذي يعرف كل شيء ولا يعرف شيئاً
ثمة مفارقة عميقة تسكن عصرنا في صمت: لم يمتلك الإنسان في تاريخه كله ما يمتلكه اليوم من أدوات المعرفة وقنوات التواصل ومصادر المعلومات، ومع ذلك لم يكن في أي حقبة سابقة أكثر ضياعاً في تحديد ما هو حقيقي مما هو مصنوع، وما هو موضوعي مما هو مُدار. هذه المفارقة ليست عرضية، ولا هي نتيجة قصور فردي أو إخفاق تقني؛ بل هي، في جوهرها، نتاج تحول بنيوي عميق في الوظيفة الاجتماعية للمعرفة ذاتها.
لقد انتقلت المعرفة، في سياق الإعلام المتشعّب والفضاء الرقمي المتضخم، من كونها سعياً نحو الحقيقة إلى كونها أداةً لإدارة الإدراك. وهذا ما أسميه بـ"التدبير الاحتيالي"، أي ذلك النظام الناعم والمُحكم الذي لا يُزيّف الحقيقة بالمعنى الكذوب الفجّ، بل يُوظّفها ويُجزّئها ويُوقّتها ويُؤطّرها، حتى تغدو في يد من يتحكم في إطارها أشدّ خداعاً من الكذب الصريح.
أولاً: من إنتاج المعرفة إلى إدارة الإدراك
في الفلسفة الكلاسيكية، وحتى في الحداثة بمعناها النهضوي، كان إنتاج المعرفة يستهدف، ولو نظرياً، كشف الحقيقة والاقتراب منها. كانت العقلانية التنويرية تفترض إمكانية وجود معرفة موضوعية، وإن تعذّر بلوغها بالكامل، فإن الاقتراب منها يظل غاية مشروعة. غير أن ما نشهده اليوم يتجاوز النقد الإبستيمولوجي لهذه الدعوى إلى ما هو أخطر: لم تعد المعرفة تُنتَج أصلاً بوصفها استجابةً لسؤال الحقيقة، بل باتت تُنتَج كاستجابة لسؤال مختلف جوهرياً، هو: كيف نُشكّل ما يُدركه الآخرون؟
وهذا التحوّل في غاية المعرفة هو تحوّل في طبيعتها من حيث المبدأ. فالمعرفة التي تُنتَج لإدارة الإدراك لا تُقاس بمعايير الصدق والكذب، بل بمعايير الفاعلية والتأثير. وبهذا المنطق، تصبح المعلومة الصحيحة التي تُعرض في سياق مضلّل أكثر فاعلية في التضليل من المعلومة الكاذبة المكشوفة.
ثانياً: فوكو، السلطة، والمعرفة بوصفها نظاماً للضبط
لا يمكن فهم ظاهرة التدبير الاحتيالي دون العودة إلى ما أنجزه ميشيل فوكو من تفكيك لعلاقة المعرفة بالسلطة. كان فوكو الأكثر إلحاحاً في تأكيد أن المعرفة ليست تعبيراً عن الحرية، بل هي في أحيان كثيرة أحد أشكال ممارسة السلطة الأكثر نعومة وفاعلية. فالخطاب الذي يُحدّد ما هو "حقيقي" هو ذاته الذي يُحدّد ما هو "طبيعي" و"مشروع" و"مقبول". يرى فوكو أن الأنظمة المعرفية (مثل العلم والطب والقانون) تعمل على تصنيف الأفراد وتحليلهم بطرق تسهم في السيطرة عليهم، على سبيل المثال، إنّ تصنيف الأشخاص إلى مرضى وأصحاء أو عاقلين ومجانين هو شكل من أشكال ممارسة السلطة لأنه يحدد السلوكيات المقبولة وغير المقبولة.
في سياق الإعلام المعاصر، تجلّى هذا الفهم الفوكوي بأوضح صوره. فأنظمة إنتاج المعلومات الكبرى، سواء كانت مؤسسات إعلامية أو شركات تقنية أو مراكز أبحاث موجّهة، باتت تمارس ما يمكن وصفه بـ"السلطة المعرفية الناعمة"، وهي سلطة لا تفرض نفسها بالمنع أو القمع، بل بالتأطير والانتقاء والترتيب. هي لا تقول لك "لا تعرف هذا"، بل تجعلك لا تسأل عنه أصلاً.
والأخطر من ذلك أن هذه السلطة تنتج ما يمكن تسميته "أُفق التوقع المعرفي"، أي تلك المساحة الضيقة التي يعتقد فيها المتلقي أنه يسأل أسئلة حرة، في حين أن الأسئلة ذاتها قد صِيغت له سلفاً. الحقيقة في هذا النظام لا تُقمع؛ بل تُدجَّن.
ثالثاً: بودريار والمحاكاة: حين تأكل الصورة مرجعها
ذهب جان بودريار في تحليله للواقع المعاصر إلى ما هو أبعد من نقد الإعلام كوسيط مشوِّه للواقع؛ فقد طرح فكرة أكثر إزعاجاً وهي أن الصورة لم تعد تمثيلاً للواقع، بل غدت هي الواقع ذاته. ما أسماه بـ"المحاكاة الفائقة" هو ذلك الحال الذي تحلّ فيه النماذج والتمثيلات محلّ ما كانت تفترض تمثيله، حتى يصبح الواقع الأصلي بلا مرجعية يمكن العودة إليها.
في السياق الراهن، يبدو بودريار أكثر راهنية مما كان عليه في سياقه الأصلي. فنحن نعيش عالماً باتت فيه الأحداث تُصنَع أو تُعاد صياغتها بطريقة تجعل تغطيتها الإعلامية أهمّ من وقوعها ذاته. السياسيون لا يديرون بالا للواقع بل للكاميرا. الحروب لا تُروى بل تُؤطَّر. المآسي لا تُعاش بل تُنتَج كمحتوى. وفي هذا المناخ، لا يكون الإعلام مجرد وسيط يُعطّل الحقيقة، بل يُصبح مولّداً لواقع موازٍ يُنافس الواقع الفعلي ويتفوّق عليه في أحيان كثيرة.فتقرير الطقس أكثر إثارة للاهتمام من الطقس خارج نافذتك. عليك اتباع الأسهم في أرجاء إيكيا لأن مسار المتجر سيكون أكثر إمتاعًا من استكشافه بنفسك. ونحن ننتخب السياسيين الذين يملكون أفضل التصريحات السطحية. نشتري المنتجات التي تأتي مع أكثر الشعارات والقصص تسلية. نتابع المشاهير الذين اشتهروا لمجرد شهرتهم.
وهنا يكمن قلب مفهوم التدبير الاحتيالي: لا يحتاج المُضلِّل إلى الكذب ما دام يستطيع إنتاج واقع رمزي مُوازٍ يكون في تعامل الناس معه أكثر حضوراً من الواقع ذاته.
رابعاً: ديبور ومجتمع الاستعراض: العرض بوصفه عقيدة
لكن من أضاء هذه الظاهرة بأوضح نور، في تقديري، هو غي ديبور في كتابه الاستثنائي "مجتمع الاستعراض". كان ديبور أكثر راديكالية في تشخيصه؛ إذ لم يتوقف عند وصف الظاهرة الإعلامية بل ردّها إلى جذر اقتصادي وجمالي وجودي: المجتمع الرأسمالي المتأخر ولّد نمطاً من الحياة قائماً على أولوية الصورة على الوجود، وأولوية التمثيل على التجربة.
"كل ما كان يُعاش مباشرةً قد انزلق نحو مجرد تمثيل." هكذا يبدأ ديبور كتابه، ولم يُكتَب منذ ذلك الحين تشخيص أكثر دقة لما يجري في الفضاءات الرقمية اليوم. فالفرد المعاصر الذي يعيش حياته عبر لقطات الشاشة، ولا يُصدّق تجربته إلا حين يُوثّقها ويحصد تفاعلاً عليها، يُجسّد بامتياز ما سمّاه ديبور "الحياة المُستعرَضة"، أي الحياة التي صارت قيمتها مشروطة بمقدار ما تُنتِجه من عرض.
وفي هذا الإطار، تتحوّل الحقيقة إلى سلعة استعراضية؛ لا قيمة لها في ذاتها، بل بمقدار ما تجذب انتباهاً وتُولّد تداولاً. ومن ثَمَّ، فإن المعلومة المثيرة والمُبسَّطة والمُصاغة بأسلوب يستفزّ العاطفة ستنتصر دائماً في الفضاء الاستعراضي على المعلومة الدقيقة المعقّدة التي تتطلّب صبراً وتأملاً.
خامساً: الحقيقة بوصفها الاحتيال الأتقن
هنا ندخل في قلب المفارقة التي تمثّل جوهر هذه الورقة: في عصر إدارة الإدراك، لا يكون الاحتيال الأنجع بالكذب السافر، بل بتوظيف الحقيقة ذاتها توظيفاً احتيالياً. وهذا ما يُسمّيه بعض المنظّرين بـ"الحقيقة الانتقائية" أو ما درج عليه المصطلح الأنجلوساكسوني من التمييز بين truth وtruthiness، أي الحقيقة الموضوعية مقابل ما يبدو حقيقياً.
يعمل التدبير الاحتيالي وفق آليات متعددة:
أولاها الانتقاء السياقي، أي اختيار المعلومات الصحيحة وعزلها عن سياقاتها الكاملة بطريقة تُحدث انطباعاً مغايراً للواقع. إن الإحصاء الصحيح الذي يُعرض بلا سياق هو من أفتك أدوات التضليل.
وثانيتها التأطير الاستراتيجي، أي أن الإطار الذي يُقدَّم فيه الحدث يُحدّد دلالته وليس الحدث ذاته. الشخص ذاته يمكن أن يُقدَّم بوصفه "ثائراً" أو "إرهابياً" وفق الإطار المُختار.
وثالثتها التوقيت الاستراتيجي، وهو فنّ يعرفه الإعلاميون والسياسيون، حيث يُحدّد وقت الكشف عن المعلومة وإخفاءها من معناها بقدر ما يفعله مضمونها.
ورابعتها الإغراق المعلوماتي، وهو ما يُميّز العصر الرقمي بامتياز؛ إذ لا تُخفى الحقيقة بل تُغرق في فيض من المعلومات حتى يعجز المتلقي عن استخلاصها.
سادساً: أزمة الذات المُدرِكة
لا يكتمل تحليل التدبير الاحتيالي دون النظر إلى ما يفعله في الذات المُدرِكة ذاتها. فإذا كانت المعرفة قد تحوّلت من سعي نحو الحقيقة إلى أداة لإدارة الإدراك، فإن الفرد لم يسلم من هذا التحوّل؛ إذ تشرّب هذا المنطق وبات يُطبّقه من حيث يدري ومن حيث لا يدري.
نحن نعيش عصر "المعرفة المُستهلَكة"، أي المعرفة التي لا تُطلب لتُغيّر الفرد وتُوسّع أفقه، بل لتُعزّز قناعاته الراهنة وتُوفّر له ذخيرة في معاركه الهويّاتية على الفضاء الرقمي. وهذا ما تُثبّته علم النفس المعرفي بمفهوم "التحيز التأكيدي"، وما تُشدّده خوارزميات الفضاء الرقمي التي صُممت لمنح المستخدم ما يريد سماعه لا ما يحتاج معرفته.
ونتيجة ذلك هي ما بات يُعرف بـ"غرف الصدى"، تلك البيئات المعلوماتية المغلقة التي يتحوّل فيها الفرد من باحث عن الحقيقة إلى مستهلك لانعكاس صورته المسبقة عن الواقع. وفي هذه الحالة، لا تعود الحقيقة خطراً على صاحبها الذي يمتلكها فيُواجه بها، بل تصبح سلاحاً انتقائياً في خدمة الهوية والمصلحة والانتماء.
خاتمة: نحو إبستيمولوجيا المقاومة
أمام هذا الواقع، ثمة سؤال لا يمكن تجاهله: هل لا يزال ممكناً الحديث عن "سعي إلى الحقيقة" في سياق يُعيد تعريف المعرفة كل لحظة بوصفها عملية إدارة؟
جوابي أن الممكن موجود، لكنه يتطلّب ما يمكن تسميته بـ"إبستيمولوجيا المقاومة"، أي وعياً نقدياً بالآليات التي تُنتَج بها المعرفة في سياقنا، ليس وعياً تشاؤمياً يُفضي إلى العدمية المعرفية والقول بأن كل شيء احتيال، بل وعياً يُتيح السؤال المستمر عن: من يُنتج هذه المعرفة؟ لأيّ غرض؟ وما الذي يغيب عن إطارها؟
ذلك لأن الحقيقة، رغم كل ما أُحيط بها من أدوات التدجين والتدبير، تظل مفهوماً لا يمكن الاستغناء عنه. لا يستقيم الاحتيال إلا بوجود شيء يُحتال عليه. ولا يعمل التدبير الاستراتيجي للإدراك إلا لأن ثمة واقعاً يحتاج إلى إخفاء أو تشويه أو تجميل. والحقيقة ليست معطى ساكناً تُسلّمه الطبيعة للإنسان، بل هي مسار مضنٍ يستلزم صبراً معرفياً وشجاعة أخلاقية وتواضعاً إبستيمولوجياً.
في سياق مقاومة الكارثة لمح ديبورا إلى أن المقاومة تبدأ باستعادة الحياة الحقيقية التي لا تمرّ بالضرورة عبر وسيط، ولا تُختزل إلى تمثيل، بل تبدأ باستعادة العلاقة المباشرة، والانسحاب الجزئي من واجب الظهور، التباطؤ، وابتكار طرق عيش متفلّتة من منطق السوق والصورة. ان الواجب يقتضي اولا إدراك أنّ المشهدية الاستعراضية باتت تشكّل بنيةَ سلطةٍ كاملةً، وأن استرجاع الواقع يبدأ برفض بسيط: ليس للمنصّات والصور والسرديات الجاهزة أن تحدّد ما يجب أن نراه، أن نفكّر فيه، أو أن نصبح عليه.
في النهاية، ربما تكون أكثر إجابات العصر ضرورةً وأقلّها رواجاً: أن نقاوم ليس فقط أكاذيب زمننا، بل أيضاً حقائقه التي صُيغت كي تُدار لا كي تُعرَف.
#عادل_الدول (هاشتاغ)
Adil_Al_Dool#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟