أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عادل الدول - الإلحاد في العراق بين الموقف الفلسفي وجرح الهوية














المزيد.....

الإلحاد في العراق بين الموقف الفلسفي وجرح الهوية


عادل الدول
كاتب

(Adil Al Dool)


الحوار المتمدن-العدد: 8606 - 2026 / 2 / 2 - 18:58
المحور: قضايا ثقافية
    


ليس السؤال الحقيقي: هل الإلحاد صحيح أم باطل؟
بل السؤال هو: أي إلحاد هذا الذي نشأ في العراق خلال العقدين الأخيرين؟ وهل نحن أمام موقف فلسفي متماسك، أم ردة فعل نفسية واجتماعية، أم موضة رقمية، أم شكل جديد من أشكال الاحتجاج الصامت؟
الإلحاد كمفهوم فلسفي... وما يحدث في العراق
الإلحاد، في جذوره الفلسفية، موقف معرفي شديد التعقيد. إنه سؤال أنطولوجي عن الوجود، وإشكال إبستمولوجي عن المعرفة، وحد فاصل بين ما يمكن للعقل أن يثبته وما يعجز عنه. لم يكن الإلحاد - تاريخياً - وليد غضب، بل ثمرة شك منهجي طويل، من ديفيد هيوم إلى فريدريش نيتشه، ومن باروخ سبينوزا إلى ألبير كامو.
أما ما نراه اليوم في العراق، فغالباً لا يشبه هذا الإرث الفلسفي. نحن لا نواجه إلحاداً تأسس على قراءة معمقة في تاريخ الفكر، بل حالة انفصال مفاجئ عن المعنى، اتخذت من نفي الإله أقصر طريق للخلاص من ألم وجودي عميق.
لماذا غالبية الملحدين من المراهقين والشباب؟
لأننا أمام جيل لم يُمنح أدوات السؤال الحقيقي. جيل خرج من رحم الحروب المتتالية، والانهيارات السياسية والاجتماعية، والخطاب الديني المأزوم، ومنظومة تعليمية فقيرة، وأسرة مرهَقة بهموم البقاء. لم يتعلم هذا الجيل فن التأمل والتفكير النقدي، بل تعلم إما الطاعة العمياء أو التمرد الأعمى.
الإلحاد هنا ليس استنتاجاً عقلياً نتيجة بحث معرفي، بل قرار وجودي متعجل يقول: إذا كان هذا هو الله الذي قدمتموه لنا... فنحن ننسحب من اللعبة.
إنه انسحاب احتجاجي أكثر مما هو قناعة فلسفية مكتملة.
الملحد السني والملحد الشيعي: مفارقة الهوية
من غرائب المشهد العراقي أن الإلحاد نفسه يُعاد إنتاجه طائفياً. تجد ملحداً يحتفظ بلغته وأنماط تفكيره السنية، وآخر يحافظ على بنيته النفسية الشيعية، وكأن اللاهوت غادر المشهد، لكن البنية العميقة للهوية بقيت على حالها.
هذا يكشف أن الإلحاد في السياق العراقي لم يفكك البنية العميقة للهوية المجتمعية، بل غيّر اللافتة الخارجية فقط. فالتحرر من فكرة دينية لا يعني بالضرورة التحرر من آليات التفكير والانتماء التي صنعتها تلك الفكرة عبر قرون.
حجج فلسفية أم آلام مقنّعة؟
حين نفكك الخطاب الإلحادي السائد في العراق، نكتشف أن أغلب الحجج المطروحة ليست حججاً فلسفية، بل آلام وجودية مقنّعة بلغة فكرية:
الدين هو سبب الحروب والنزاعات
رجال الدين كذبة ومنافقون
الله لم ينقذنا من المعاناة
هذه ليست أطروحات فلسفية محكمة، بل صرخات خذلان عميق. القاتل المجرم لا يُدين الفكرة بحد ذاتها، لكن السياق العنيف والخطاب الديني المشوه يجعلان الفكرة تبدو شريكة في الجريمة.
الإشكال أن الغضب حين لا يجد لغة تحليلية للتعبير عن نفسه، يتحول إلى نفي شامل للمعنى والوجود.
الحرية... أم الفراغ الوجودي؟
قلما يتساءل هذا الإلحاد عن أسئلة جوهرية:
هل الحرية الحقيقية هي التحرر من كل قيمة ومرجعية؟
هل الحياة بلا مرجعية أخلاقية أو وجودية تصبح أكثر صدقاً وأصالة؟
هل نفي المعنى الكلي يمنح الإنسان كرامته الحقيقية؟
هذه الأسئلة الوجودية الكبرى لم تُطرح بعمق، لأن الطريق كان مختصراً: لا يوجد إله... وانتهى النقاش.
لكن نفي الإله لا يُنتج تلقائياً منظومة أخلاقية، ولا معنى للحياة، ولا مشروعاً إنسانياً متكاملاً. الإلحاد ليس نظرية تفسيرية شاملة للكون والوجود، بل موقف من سؤال واحد فقط: هل يوجد إله؟
العلم... وحدود ما يمكن أن يقوله
كثير من الخطاب الإلحادي المعاصر يتكئ على العلم كسلطة مطلقة، دون فهم عميق لحدوده ومجاله. الوعي البشري ما زال لغزاً علمياً لم يُحل. بدايات الكون وأصل الوجود أسئلة مفتوحة. الفيزياء الكوانتية لا تؤيد ولا تنفي وجود إله، لأنها ببساطة لا تعمل في هذا الحقل المعرفي.
حتى كبار الفيزيائيين والعلماء اعترفوا بأن الواقع أعمق وأكثر تعقيداً من نماذجه الرياضية، وأن المعادلات لا تُغلق الأسئلة الوجودية الكبرى.
لكن الإلحاد السطحي حوّل العلم إلى عقيدة جديدة مقدسة، وهذه جريمة معرفية لا تقل خطورة عن تديين الجهل والخرافة.
إلحاد النسخ واللصق
ما يُتداول اليوم على منصات التواصل الاجتماعي غالباً ما يكون:
اقتباسات مبتورة من سياقها من نيتشه أو سارتر
عناوين سطحية من كتب ريتشارد دوكينز
مقاطع فيديو قصيرة على تيك توك
سخرية مستعجلة من الدين دون فهم عميق
كل هذا دون قراءة حقيقية للجذور الفلسفية، ودون جهد معرفي جاد. إنه إلحاد منزوع من سياقه التاريخي والفلسفي، تماماً مثل تديّن منزوع من روحه وجوهره.
خلاصة مؤلمة
الإلحاد في العراق، في أغلب تجلياته المعاصرة، هو خيبة أمل عميقة مغلفة بورق الفلسفة. وحين ننزع اللغة المتعالية والمصطلحات الفكرية، نجد:
شاباً خائفاً من المستقبل، ضائعاً في متاهة الهوية، موجوعاً من الواقع المرير، لا يعرف كيف يصرّح بألمه الوجودي.
هو لم يكره الله بقدر ما كره الصورة المشوهة والعنيفة لله التي قُدمت له عبر خطاب ديني متطرف وممارسات طائفية دموية. وكما أن آباءه خُدعوا بتدين مغشوش ومزيف، يُخدع هو اليوم بإلحاد مغشوش ومستعجل.
كلمة أخيرة
الوعي الحقيقي لا يعني أن تكفر بكل ما حولك وترفض كل إرث.
والإيمان ليس سذاجة أو ضعفاً عقلياً.
والإلحاد ليس ذكاءً تلقائياً أو تفوقاً معرفياً.
كلاهما - الإيمان والإلحاد - قد يكون عمقاً فلسفياً وروحياً... وقد يكون هروباً سطحياً من مواجهة الذات والواقع.
والفارق الجوهري ليس في النتيجة النهائية التي تصل إليها، بل في الطريق الفكري والوجودي الذي سلكته للوصول إليها.



#عادل_الدول (هاشتاغ)       Adil_Al_Dool#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بعد قرن كامل: العراق الدولة المفقودة والشرعية المستحيلة
- أوروبا بين مطرقة ترامب وسندان بوتين: هل حان وقت قرار المصير؟
- الأمن القومي: بين الضرورة الاستراتيجية وإغراء الهيمنة - قراء ...
- حين نتعلّم أن نحمل الألم دون أن نصبحه
- منطق “الاحتواء بالتخويف”: كيف تُعاد هندسة إيران دون إسقاطها؟
- التحرش الجنسي: ظاهرة عالمية تتجاوز الحدود الثقافية
- إلقاء القبض على نيكولاس مادورو.. ماذا بعد؟
- غادرت حصن اليقين
- الذكاء الاصطناعي وزعزعة اليقين: بين انهيار الدليل وإعادة بنا ...
- وثيقة بقاءٍ كتبتها امرأةٌ
- المثقفون… حين يتحوّل الاختلاف إلى خصومة
- كيف نحمي أنفسنا من الأشخاص السامّين دون أن نفقد إنسانيتنا
- الكارثة المعرفية الراهنة..كيف تُصاغ قناعات الناس؟
- الصغير يعلم الكبير - تحول المعرفة يهز أركان المجتمع العربي
- الحرب كنموذج عمل: كيف تحولت الصراعات إلى آلة للربح المستدام
- في انتظار أن يصبح سببًا
- الحسد: رحلة الشعور الأزلي من الأسطورة إلى الخوارزمية
- أنت والحظ: حين تنحرف المعادلة عن قوانينها
- المأزق الثقافي العربي: بين العجز والنهوض
- الألم... ميلادٌ لا ينتهي


المزيد.....




- -باد باني- يصنع التاريخ.. أبرز لحظات حفل جوائز غرامي الـ68
- هيغسيث: أمريكا -على أتم الاستعداد- للتحرك ضد إيران إذا رفضت ...
- مصادر لـCNN: محادثات بين كبار مسؤولي أمريكا وإيران في تركيا ...
- -لم تُكشف هوياتهم-.. إيران توقف أربعة أجانب بتهمة المشاركة ف ...
- -إنجاز استراتيجي-.. الجزائر تدشّن خط سكك لنقل خام الحديد من ...
- فيل يقتل سائحا في تايلاند.. ما علاقة الشهوة الجنسية بالسلوك ...
- العودة الطوعية من ألمانيا: كيف تحصل على الدعم المالي والتنظي ...
- حين تتحول الرؤية إلى واقع… وقائد يرى حلمه يتحقق
- صحف عالمية: إسرائيل تخشى أن تكون الضربة الأمريكية لإيران -شك ...
- عاصفة إبستين تصل بريطانيا وبيان من رئيس الوزراء


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عادل الدول - الإلحاد في العراق بين الموقف الفلسفي وجرح الهوية