عادل الدول
كاتب
(Adil Al Dool)
الحوار المتمدن-العدد: 8699 - 2026 / 5 / 6 - 01:32
المحور:
قضايا ثقافية
كنتُ في مدينةٍ قديمة ذات يوم، أمشي في أزقّتها كمن يمشي داخل رئة تتنفّس ببطء. كانت الجدرانُ تحمل طبقاتٍ من الجير والدم والأغاني، وكانت العجوزُ التي تجلس عند البئر تحمل في وجهها خارطةَ كل ما جرى. سألتُها: "ما الذي تتذكّرين؟" فأجابت دون أن ترفع بصرها: "أتذكّر كل شيء. لهذا لا أستطيع أن أمشي بسرعة."
توقّفتُ. ليس لأن الجملة كانت جميلة، بل لأنها كانت صحيحة بشكل يُؤلم.
الذاكرةُ ثِقَل. لكنّ النسيانَ هاوية. وبين الثقل والهاوية يقف الإنسان، وتقف المجتمعات، تبحث عن أرضٍ صلبة لا تُوجد في الخرائط وإنما تُصنع بالمشي.
-في طبيعة الذاكرة أنها ليست أرشيفاً
أخطأ كثيرون حين ظنّوا أن الذاكرة مستودع. أرفف، وصناديق، وأرقام تدلّ على ما في الداخل. الذاكرةُ ليست مستودعاً. الذاكرة مختبرٌ لا ينام.
في كل لحظةٍ تستدعي فيها ما مضى، أنت لا تسترجعه — أنت تُعيد تركيبه. تُضيف إليه لون اليوم، وحرارة اللحظة، وخوفك الجديد الذي لم يكن موجوداً حين وقع الحدث. هذا ما يعرفه علماء الأعصاب، وما عرفه الصوفيون قبلهم بقرون حين قالوا: "الذاكرةُ ليست ما كان، بل ما أنتَ عليه الآن وأنت تنظر إلى ما كان."
ابن عربي، ذلك البحر الذي لا يُعبَر، كتب في الفتوحات ما معناه: أن الوجود لحظةٌ متجدّدة باستمرار، وأن كل "تذكُّر" هو في حقيقته خلقٌ جديد. لم يكن يتحدث عن الفردِ فقط. كان يتحدث عن الكون كله وهو يتذكّر نفسَه في كل نَفَس.
فإذا كان هذا شأنَ الفرد — أن ذاكرته إعادةُ خلق — فكيف بالمجتمع الذي تتشابك فيه ملايين الذاكرات، كل واحدة منها تعيد تركيبَ الحدثِ الواحد بطريقة مختلفة؟
المجتمعُ لا يتذكّر. المجتمعُ يتفاوض على ما حدث. وهذا التفاوض — حين يكون شريفاً وحرّاً — هو ما نُسمّيه التاريخ. وحين يُصادَر ويُزوَّر ويُختار منه بيدٍ واحدة — يتحوّل إلى أيديولوجيا، أي إلى سجنٍ بلا قضبان مرئية.
-الجرح الذي يتكلّم
لكل مجتمع جرحٌ لم يُعالَج بعد.
ليس بالضرورة الجرحَ الذي يتحدّث عنه الجميع. بل ذلك الجرح الصامت، الذي تتشكّل حوله الثقافة والسلوك والأحكام المسبقة، وتتحاشاه الخطب الرسمية، وتدور حوله الأغاني دون أن تُسمّيه. هو الغرفة المغلقة في بيت الذاكرة الجماعية.
رأيتُ هذا في كل أمة زرتُها أو قرأتُ عنها. الألمانُ وجرحهم الذي اختاروا — بجرأة نادرة في التاريخ — أن يفتحوه ويُواجهوه. ولم يكن ذلك انتحاراً للهوية كما خشي بعضُهم، بل كان إعادةَ بناءٍ لها على أساسٍ من الصدق بدل الإنكار. والشعوبُ التي تنتظر دواءً لجروحها دون أن تُعترف بها أولاً تلك الشعوبُ تُورّث أبناءها ألماً لا اسم له، وغضباً لا سبب واضح له، ومساحةً داخلية فارغة يملؤها الآخرون بما يناسبهم.
الجرحُ الذي لا يُسمَّى لا يُشفى. يتحوّل إلى شخصية.
وتلك الشخصية — شخصية الجماعة الجريحة التي لا تعرف أنها جريحة — هي أخطر شخصية في التاريخ. لأنها تحمل مظلوميةً حقيقية وتُعبّر عنها بطرق مُدمِّرة، وتتّهم كل من يحاول أن يُشخّصها بأنه عدوٌّ يريد تدميرها.
-مصيدة التأليه
قال لي مرةً رجلٌ من كبار السن، وكانت عيناه تحملان شيئاً يشبه الإباء: "نحن أمّةٌ عريقة. لنا ماضٍ عظيم."
قلتُ: "نعم."
قال: "إذن يجب أن نعود إليه."
وهنا توقّفتُ. لأن في هذه الجملة الأخيرة خطأً وجودياً فادحاً.
الماضي العظيم ليس وجهةً نعود إليها. الماضي العظيم دليلٌ على أن أجدادنا كانوا يستحقّون لحظتهم. والسؤال الحقيقي: هل نحن نستحق لحظتنا؟
تأليهُ الماضي — أي التعامل معه بوصفه نموذجاً مكتملاً يجب استنساخه — هو في جوهره عجزٌ متنكّرٌ في ثوب فخر. لأنه يقول ضمنياً: "قمّةُ ما يمكن أن نكونه قد مضت. لم يبقَ لنا إلا أن نُقلّدها." وهذا — لمن يُمعن النظر — ليس وفاءً للأجداد، بل هو إهانةٌ لهم. لأن الأجداد الذين صنعوا المجد لم يفعلوا ذلك باستنساخ أجدادهم، بل بالإبداع في مواجهة تحدّياتهم الخاصة.
ابن رشد لم يكن يُقلّد أرسطو. كان يُحاوره. الفارابي لم يكن يُقلّد أفلاطون. كان يُصارعه ويُهذّبه ويُضيف إليه من روح مختلفة وزمن مختلف وسؤال مختلف. ما التُراثُ الحي؟ هو ذلك الذي يبقى مصدرَ إلهامٍ لا وثيقةَ امتثال.
حين تتحوّل الذاكرةُ إلى قداسة، تموت. وحين تموت، تتحوّل إلى وثن. والوثنُ — كل وثن — يطلب الذبائح ولا يُعطي حياةً.
-مصيدة النسيان
والطرفُ الآخر لا يقلّ خطورةً.
رأيتُ جيلاً كاملاً في أكثر من بلد يسعى إلى القطيعة مع الموروث بوصفها تحرّراً. "نريد أن نبدأ من الصفر." "التاريخ عبء." "الموروث قيد." وكان في ذلك شيءٌ يشبه الشجاعة في ظاهره، وشيءٌ يشبه الهلع في باطنه.
لأن الإنسانَ الذي يقطع جذوره لا يطير. يسقط.
الجذورُ ليست قيوداً بالضرورة. الجذورُ هي ما يُتيح للشجرة أن ترتفع دون أن تنقلع. الشجرةُ التي لا جذور لها لا تُقاوم أول ريح. وكذلك الإنسان، وكذلك المجتمع.
ما يحدث حين تُقطع الجذور الثقافية؟ لا يحدث الحرية. يحدث الفراغ. والفراغُ — ككل فراغ في الطبيعة — يُملأ. ليس بما اخترناه، بل بما كان متاحاً في اللحظة وبأيدي من يملكون وسائل الملء. وكثيراً ما يكون هؤلاء هم الأقوى مصلحةً في أن يبقى الآخرون بلا هوية.
النسيانُ المُصطنع ليس تحرّراً. هو استعمارٌ داخلي بلا جيوش.
-الذاكرة الحية — المختبر الثالث
بين التأليه والنسيان ثمّة طريقٌ ثالث. ضيّق، وعرٌ، يتطلّب ما هو أصعب من الشجاعة: يتطلّب الحكمة.
الذاكرةُ الحية هي تلك التي تعرف أن تسأل، عن كل موروث، ثلاثة أسئلة:
هل هذا يبني الكرامة؟ أي هل يُشعر الإنسانَ بقيمته الجوهرية التي لا تُستمَد من التفوّق على الآخر، بل من عمق الوجود ذاته؟ ما يفعل ذلك: أحيِه، احتفِ به، علّمه للأطفال ليس كأمر طاعة بل كمصدر بهجة وافتخار حقيقي.
هل هذا يُكرّس العجز؟ أي هل يجعل الإنسان يشعر أن مصيره مكتوبٌ في مكانٍ آخر، وأن إرادته ظلٌّ لإرادة السماء أو السلطة أو القبيلة أو التاريخ؟ ما يفعل ذلك: واجهه، سمِّه، لا بعدواة بل بوضوح، وابحث في داخله عن السبب الذي جعله ضرورياً يوماً ما — لأن فهم النشأة أول خطوات التجاوز.
هل هذا يُمكن أن يُطوى بكرامة؟ ثمّة في كل تراث صفحاتٌ انتهت صلاحيّتها لا لأنها كانت خاطئةً في زمانها، بل لأن الزمن تغيّر وتغيّرت معه الأسئلة. هذه لا تُنكَر ولا تُؤلَّه. تُطوى. بالامتنان لما أدّت، وبالوضوح أنها لم تعد تُؤدّي.
هذه الأسئلة الثلاثة — وحدها — هي ما يجعل المثقّف مختلفاً عن الناشط ومختلفاً عن الحارس. المثقّفُ ليس من يُبرّر ولا من يهدم. بل من يُضيء. ومن يُضيء يعرف أن الضوء يكشف الجميل والقبيح معاً، ولا يُزيف أياً منهما.
-صانع السياسة أمام الذاكرة
الذي يتصدّى لصنع السياسة في مجتمعٍ يعاني — وكل مجتمع يعاني بطريقته — يقف أمام إغراءين كلاهما مفهوم وكلاهما قاتل:
الأول: أن يُقدّم للناس ما يريدون أن يسمعوه. ماضٍ مُجلَّل، هوّيةٌ نقيّة، جروحٌ دائماً بفعل الآخرين، وانتصاراتٌ دائماً بفضل الذات. هذا يُعطي شعبيةً سريعة وشرعيةً مستعجلة، لكنه يبني على الوهم. والبناءُ على الوهم — مهما علا — يسقط عند أول زلزال حقيقي.
الثاني: أن يتجاهل الذاكرةَ الجماعية ويتعامل مع الإصلاح كأنه مسألةٌ هندسية بلا بُعدٍ روحي وثقافي. نظمٌ وقوانين وأرقام ومؤشرات، والإنسانُ مجرّد متغيّر في معادلة. هذا يُعطي خطابَ الحداثة ويُفقد الروح. والإنسانُ الذي تجاهلَ روحه يبحث عنها في أماكن خطرة.
الطريقُ الثالث — وهو الأصعب والأكثر ندرةً — أن يكون القائدُ الحكيم قادراً على أن يُمسك بيد شعبه ويمشي معه إلى داخل الذاكرة لا هرباً منها. أن يقول بصوتٍ يحمل الدفءَ لا الاتّهام: "هذا حدث. وهذا كان مؤلماً. وهذا كان جميلاً. وهذا لم يكن عدلاً." ثم يقول: "ماذا نبني؟"
الاعترافُ ليس ضعفاً. الاعترافُ هو الشكلُ الأعمق للقوة. لأن القوّةَ الحقيقية لا تحتاج إلى تزوير الماضي كي تثق بالمستقبل.
-الوجوه التي غابت قبل أن يُنصفها التاريخ
في كل مجتمع وجوهٌ مضت قبل أوانها، أو مضت في الخفاء، أو مضت مُكذَّباً عليها.
المفكّر الذي قال ما يجب أن يُقال وصمت عنه الجمهور. المرأة التي حملت مشعلاً ولم يُكتب اسمها. الشاعرُ الذي رأى ما لم يُرِد الآخرون أن يروه فدُفن شعرُه مع جسده.
هؤلاء ليسوا ماضياً. هم طاقةٌ معلّقة في جسد المجتمع كما تكون الروحُ المتألّمة في قصص الصوفية — لا تجد راحةً حتى يُعترف بها، حتى تُسمَّى، حتى تجد مكانها في الرواية الكبرى.
إنصافُ من غابوا قبل أن يُنصفهم التاريخ ليس ترفاً. هو صحّةٌ نفسية جماعية. لأن المجتمع الذي يستطيع أن يعود ويقول "أخطأنا في حق فلان" — هو مجتمعٌ ما زال يملك ضميراً حيّاً. والمجتمع الذي يملك ضميراً حيّاً يستطيع أن يتعلّم. والذي يتعلّم — يتغيّر. والتغيّر — لا غيره — هو الحياة.
ختاماً — الباب المفتوح
عدتُ إلى تلك المدينة القديمة بعد سنوات.
العجوزُ عند البئر لم تكن موجودة. لكن البئر كانت لا تزال هناك.
جلستُ قربها ونظرتُ إلى العمق المظلم. وفكّرتُ أن الذاكرةَ تشبه هذه البئر بالضبط: ليست جمالاً للتأمّل من بعيد، وليست مهلكةً يجب تجنّبها. بل مصدرُ ماء. يحتاج إلى حبلٍ يُدلى فيه، ويدٍ تُمسك الحبل، وعطشٍ يستحق العناء.
الذاكرةُ الحية لا تُؤلَّه ولا تُنسى. تُستحضَر كما يُستحضَر الماء: بجهدٍ واعٍ، ومن أجل حياة، لا من أجل طقس.
وهذا الفرق — بين الذاكرة كطقسٍ والذاكرة كحياة — هو كل الفرق.
"الأمم التي لا تستطيع أن تُحزن لا تستطيع أن تفرح. والأمم التي لا تستطيع أن تنظر إلى جروحها لا تستطيع أن تفتح أذرعها للآتي. لأن الذراعين اللتين تُخفيان الجرح — لن تستطيعا العناق."
#عادل_الدول (هاشتاغ)
Adil_Al_Dool#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟