أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عادل الدول - الهجرة: حين يضيق الوطن على الروح















المزيد.....

الهجرة: حين يضيق الوطن على الروح


عادل الدول
كاتب

(Adil Al Dool)


الحوار المتمدن-العدد: 8628 - 2026 / 2 / 24 - 09:12
المحور: قضايا ثقافية
    


لماذا هاجر أغلب العظماء قبل أن يغيّروا العالم؟
في اللحظة التي تتحول فيها الجدران من حماية إلى سجن، وتصبح الأشياء المألوفة عدواً للنمو، تنبت الهجرة. لا كخيار رفاهية، بل كضرورة وجودية. لا كهروب من مكان، بل كرحلة نحو ذات لم تكتمل بعد.الهجرة أقدم من أن تكون ظاهرة اجتماعية تُعالجها السياسات ويرصدها الإحصاء. هي الفعل الأول في قصة الإنسان، الفعل الذي يقول بصوت عالٍ: "أنا لست ما صنعتني إياه هذه البيئة، وثمة نسخة أخرى مني تنتظر في مكان آخر." ولهذا السبب تحديداً ارتبطت الهجرة عبر التاريخ بأصحاب الرسالات والمفكرين والشعراء والقادة، لأن من يحملون رؤية أكبر من واقعهم لا يسعهم البقاء في الفضاء الذي صنعهم.

الهجرة وشرط الإيمان
الإيمان الحقيقي بأي فكرة أو رسالة لا يكتفي بالتصديق الذهني، بل يشترط المخاطرة: أن تترك ما هو مضمون لما هو ممكن، وأن تتخلى عن يقين مريح لعدم يقين يحمل بذور التغيير. ولهذا أفضى كل إيمان حقيقي في التاريخ إلى هجرة، لأن الإنسان لا يستطيع أن يؤمن إيماناً حقيقياً بشيء جديد وهو جالس على عرش قديمه.
التاريخ يحكي لنا عن إبراهيم عليه السلام الذي يمثل النموذج الأقدم لهذه المعادلة. رجل ترك أور الكلدانيين بكل ما فيها من حضارة ودولة ودين راسخ، لا لأنه لم يجد ما يأكله، بل لأن الفضاء القديم أصبح ضيقاً على إيمانه. هجرته لم تكن هرباً بل إعلاناً: أن الرؤية الجديدة تحتاج أرضاً جديدة كي تتجسد. وجاء القرآن ليُخلّد هذا المعنى في ترتيب دال: الإيمان أولاً، ثم الهجرة تجسيداً له، ثم الكفاح استمراراً لهما.والهجرة النبوية إلى المدينة كانت اللحظة التي تحولت فيها الفكرة إلى حضارة، والرسالة إلى دولة، والمبدأ إلى واقع. ولهذا اعتمدها المسلمون بداية لتاريخهم لا مجرد عام من أعوامه، بل لأنها كانت لحظة الانقسام الكبرى بين ما كان وما سيكون.

حين يكتب المنفى التاريخ
الفكر الإنساني الكبير لم يولد في مناخات الرضا والأمان، بل وُلد في المنفى والنبذ والاضطرار. دانتي أليغيري أبدع "الكوميديا الإلهية" حين طُرد من فلورنسا ومُنع من العودة تحت طائلة الإعدام. كان يمكنه أن يقضي منفاه نادباً ما فقد، لكنه حوّل اغترابه إلى رحلة في أعماق الوجود الإنساني. المنفى لم يكسره، بل كشف فيه طبقات لم تكن لتُكشف لو ظل في كنف مدينته آمناً مكتفياً.
ابن خلدون جاب بلاد المغرب والأندلس ومصر والشام، وفي كل رحلة كان يُضيف طبقة جديدة إلى فهمه لحركة الحضارات. مقدمته الشهيرة، هذا العمل الذي يُعدّ اليوم أحد بواكير علم الاجتماع، لم تولد لولا أن صاحبها عاش في نفسه تجربة التنقل بين الحضارات ورأى بعينيه صعود دول وانهيار أخرى. الهجرة هنا لم تكن سياقاً بيوغرافياً عارضاً، بل كانت المنهج الذي صنع العلم.
ابن رشد، أعظم شارحي أرسطو، عاش المنفى حين أُحرقت كتبه وجُرّد من مكانته. والمفارقة الكبرى أن أفكاره لم تتجسد في الإسلام الذي نشأ فيه، بل في أوروبا النهضة التي بنت على رؤاه. هجرة أفكاره بعد مماته أنجزت ما عجز عن إنجازه في حياته، كأن الفكرة الكبيرة قدرها أن تجد وطنها بعيداً عن المكان الذي أنجبها.
جبران خليل جبران كتب "النبي" في نيويورك باللغة الإنجليزية. كتبها كمهاجر يحمل شرق المتوسط في روحه ويصوغه بلسان الغرب، فجاءت بلا وطن واحد، ولهذا أصبحت ملكاً للعالم كله. الهجرة جعلت جبران أديباً عالمياً لا محلياً، والفارق بين التسميتين ليس الموهبة بل اتساع المنظور الذي لا يتأتى لمن عاش في عالم واحد فقط.
ونيلسون مانديلا الذي قضى سبعة وعشرين عاماً في سجن جزيرة روبن، تلك الهجرة القسرية من نوع فريد، خرج منها لا محطماً بل محكماً. وقد صرّح أنه لو لم يختر التسامح داخل زنزانته قبل أن يُفتح بابها لخرج حاملاً السجن معه إلى الأبد. كان على روحه أن تهاجر من الغضب إلى العدل قبل أن تهاجر قدماه من الزنزانة إلى القصر الرئاسي.

الهجرة ليست حدثاً واحداً
نخطئ حين نتعامل مع الهجرة كحدث وحيد يحمل معه جواز سفر وحقيبة. الهجرة في أعمق معانيها منظومة متكاملة من التحولات المتداخلة. ان هجرة المكان هي الأبسط والأوضح، لكنها ليست الأهم. تغيير الجغرافيا لا يغير الإنسان بالضرورة، ويكفي دليلاً كل من حمل وطنه القديم في حقيبته وأعاد إنتاجه في المكان الجديد. أما هجرة الفكرة فهي الأعمق والأشق. أن تتخلى عن يقين فكري كان يمنحك الشعور بالانتماء هو أقسى أنواع الهجرة، لأنك تترك فيها ليس مكاناً بل نفسك القديمة. وهجرة العلاقة تحدث حين تدرك أن فضاءً علائقياً ما استنفد قدرته على منحك النمو، وأنك باتت تدفع من رصيدك الوجودي ثمناً للاستمرار فيه.
وهجرة الهوية هي الأكثر إثارة للرعب والأكثر ضرورة في الوقت ذاته. حين تدرك أن الهوية المُنحة لك منذ الولادة، العائلة والطائفة والقبيلة والقومية، لم تعد تصفك بما صرت إليه، وأنك أكبر منها أو أعمق، حينها تقف أمام أشق رحلة في حياة الإنسان.
الهجرة الحقيقية لا تعني أن يرمي الإنسان ما كان ويمشي. تعني أن يُعيد صياغة علاقته بما كان من موقع جديد وبعيون أوسع. جبران لم يتخل عن لبنان حين هاجر، بل حوّله إلى أسطورة إنسانية عابرة للجغرافيا. دانتي لم يتخل عن فلورنسا بل كتبها من المنفى بعين المسافة، وهي عين لا تُفتح في دفء القرب.

لماذا تفشل الهجرة؟
الجسد يقطع آلاف الأميال في ساعات، لكن الروح تسير ببطء شديد. وأحياناً لا تسير أبداً. هذه المفارقة هي قلب فشل الهجرة.
كثيرون هاجروا جغرافياً لكنهم لم يهاجروا نفسياً أو فكرياً. حملوا وطنهم المتخيل في حقيبتهم وراحوا يحاولون فرضه كواقع بديل في بيئة مختلفة جذرياً. وسقطوا فيما يمكن تسميته "الغيتو الذهني": حالة يختار فيها المهاجر، بوعي أو بغيره، أن يحيط نفسه فقط بمن يشبهونه، فتتحول الهجرة من تجربة تمدد إنساني إلى تجربة انكماش. والأغرب في هذا الغيتو أنه يجمع بين نقيضين صارخين: صاحبه يريد ثمار المجتمع الجديد من أمان وقانون ورخاء، لكنه يرفض الجذور الثقافية والفلسفية التي أنتجت هذه الثمار. يريد الشجرة دون أن يعترف بتربتها. وهذا التناقض يُفضي حتماً إلى اغتراب مزدوج: لا هو بقي ابن بيئته الأصلية، ولا هو صار جزءاً من البيئة الجديدة.
ثم هناك الحنين. هذه العاطفة الدافئة التي تتحول تدريجياً إلى قيد ثقيل. الحنين في جوهره ليس رغبة في العودة إلى مكان، بل شوق إلى حالة ذهنية كانت تمنح الشعور بالأمان والاكتمال. وحين يواجه المهاجر الصدمة الحضارية، يهرب عقله إلى الماضي ويُضفي عليه بريقاً مضاعفاً. يتذكر دفء العلاقات وحميمية الانتماء، وينسى تماماً الأسباب التي دفعته للرحيل.
الأخطر أن هذا الحنين يصنع "الزمن المتجمد": المهاجر يحنّ لوطن لم يعد موجوداً إلا في ذاكرته، لأن الوطن الأصلي نفسه قد تغير في غيابه. وحين يعود زائراً ويكتشف ذلك، يتمسك أحياناً بالصورة المتخيلة أشد، لأنها باتت الشيء الوحيد الذي لا يستطيع أحد أن ينتزعه منه.

المجتمع المضيف: شريك في النجاح أو الفشل
من السهل إلقاء المسؤولية كاملة على المهاجر، لكن الاندماج رقصة ثنائية تتطلب مرونة من القادم وانفتاحاً حقيقياً من المضيف.
حين تعزل السياسات المهاجرين في أحياء بعينها، وتبني حولهم أسواراً غير مرئية في سوق العمل بالتمييز وعدم الاعتراف بالكفاءات، وتطالبهم بالانسلاخ التام عن هويتهم بدلاً من الاندماج المتبادل، فإنها لا تحل مشكلة الاغتراب بل تُعمّقها. المهاجر الذي يشعر أن ثقافته محل احتقار لا يتخلى عنها، بل يتمسك بها بشراسة كنوع من المقاومة الوجودية. والحنين هنا يتحول من عاطفة خاصة إلى موقف سياسي.
المجتمعات التي نجحت في الاستفادة من المهاجرين هي تلك التي فهمت أن الاندماج لا يعني الاستنساخ، وأن التنوع حين يُدار بذكاء يُنتج إبداعاً لا يستطيع المتجانسون تحقيقه. سيليكون فالي نموذج حي: نصف شركاتها الكبرى أسسها مهاجرون أو أبناؤهم، لأن بيئتها لم تطالبهم بالتخلي عن ما يحملون بل دعتهم إلى إضافته.

الهجرة تبدأ من الداخل:
الهجرة ليست أزمة ولا وصمة. هي في جوهرها الأعمق السؤال الإنساني الكبير: ماذا تريد أن تكون؟ وهو سؤال لا تجيب عنه الجغرافيا بل الإرادة.
كل من تركوا بصمات في التاريخ البشري وعبروا بوابة الهجرة، لم ينجحوا لأن الهجرة نعمة آلية، بل لأنهم تعاملوا معها كفرصة للتحول لا كمصيبة يتحملون ثقلها. هاجروا بكامل ما يحملون من هوية وذاكرة وجذور، ثم أضافوا إليها ما وجدوه دون أن يذوبوا فيه.
التغيير الحقيقي يحتاج أحياناً إلى هجرة: هجرة مكان يضيق على أحلامك، وهجرة علاقة تستنزف طاقتك، وهجرة فكرة ورثتها دون أن تختبرها، وهجرة هوية مُنحت لك دون أن تبني فيها حجراً واحداً. حين تبدأ الهجرة من الداخل، أي حين تهاجر الفكرة قبل الجسد وتهاجر القناعة قبل الأمتعة، تصبح الجغرافيا الجديدة مسرحاً يليق بالإنسان الجديد الذي صنعه الرحيل.
أما إذا لم تهاجر الروح، يظل السفر مجرد تغيير في الطقس ونوع الطعام. وتظل الهجرة وعداً مديناً لم يُسدَّد.
الهجرة في نهاية المطاف ليست قطيعة مع الماضي. هي حوار عميق معه من مسافة تمنحك أخيراً رؤيته بوضوح.



#عادل_الدول (هاشتاغ)       Adil_Al_Dool#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بين الواقع القائم والهواج ...
- الدولة التي غيّرت تقويمها: الاحتفالات السياسية وبناء الهوية ...
- الإلحاد في العراق بين الموقف الفلسفي وجرح الهوية
- بعد قرن كامل: العراق الدولة المفقودة والشرعية المستحيلة
- أوروبا بين مطرقة ترامب وسندان بوتين: هل حان وقت قرار المصير؟
- الأمن القومي: بين الضرورة الاستراتيجية وإغراء الهيمنة - قراء ...
- حين نتعلّم أن نحمل الألم دون أن نصبحه
- منطق “الاحتواء بالتخويف”: كيف تُعاد هندسة إيران دون إسقاطها؟
- التحرش الجنسي: ظاهرة عالمية تتجاوز الحدود الثقافية
- إلقاء القبض على نيكولاس مادورو.. ماذا بعد؟
- غادرت حصن اليقين
- الذكاء الاصطناعي وزعزعة اليقين: بين انهيار الدليل وإعادة بنا ...
- وثيقة بقاءٍ كتبتها امرأةٌ
- المثقفون… حين يتحوّل الاختلاف إلى خصومة
- كيف نحمي أنفسنا من الأشخاص السامّين دون أن نفقد إنسانيتنا
- الكارثة المعرفية الراهنة..كيف تُصاغ قناعات الناس؟
- الصغير يعلم الكبير - تحول المعرفة يهز أركان المجتمع العربي
- الحرب كنموذج عمل: كيف تحولت الصراعات إلى آلة للربح المستدام
- في انتظار أن يصبح سببًا
- الحسد: رحلة الشعور الأزلي من الأسطورة إلى الخوارزمية


المزيد.....




- مصور يوثق مشاهد حالمة لطيور الفلامنجو في بحيرة قارون بمصر
- مشهد مهيب وسط العواصف.. أمواج عاتية تضرب منازل بأكملها بولاي ...
- زيلينسكي في الذكرى الرابعة للاجتياح الروسي: شعبنا اختار -الم ...
- ما هي أفضل طريقة لتعلم لغة جديدة؟
- الحرب على أوكرانيا تتم عامها الرابع وسط تصعيد ميداني وخلاف أ ...
- احتجاجات طلابية مستمرة في إيران.. وعراقجي يبحث التطورات مع أ ...
- فون دير لاين في كييف وأوكرانيا تحيي 4 أعوام على حرب روسيا
- خلاف دفاعي ألماني- فرنسي يهدد برنامج الطائرات المقاتلة
- المكسيك تنشر 10 آلاف جندي لإنهاء موجة عنف دامية أشعلها مقتل ...
- مستوطنون يضرمون النار في مسجد ويخطّون شعارات مسيئة


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عادل الدول - الهجرة: حين يضيق الوطن على الروح