أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عادل الدول - الدولة التي غيّرت تقويمها: الاحتفالات السياسية وبناء الهوية الوطنية في العراق














المزيد.....

الدولة التي غيّرت تقويمها: الاحتفالات السياسية وبناء الهوية الوطنية في العراق


عادل الدول
كاتب

(Adil Al Dool)


الحوار المتمدن-العدد: 8612 - 2026 / 2 / 8 - 22:54
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الدول الحديثة الناشئة، لا تُعدّ الطقوس والاحتفالات مجرد مناسبات رمزية عابرة فيها، بل أدوات سياسية بامتياز، تُصاغ بعناية لخدمة السلطة، وإنتاج الشرعية، وضبط الذاكرة الجماعية. فالحاكم لا يكتفي بالسيطرة على الأرض والمؤسسات، بل يسعى – بوعي أو بدونه – إلى السيطرة على الزمن ذاته: ما الذي يُحتفل به؟ ما الذي يُنسى؟ وأي لحظة تاريخية تتحول إلى “بداية” رسمية للأمة؟

في الحالة العراقية، تكشف دراسة الأعياد والاحتفالات الرسمية عن تاريخ مضطرب لبناء الدولة والهوية الوطنية، تاريخ يتسم بالقطيعة أكثر مما يتسم بالاستمرارية. فمنذ تأسيس الدولة عام 1921 وحتى سقوط نظام حزب البعث عام 2003، تعاقبت أربعة أنظمة سياسية، وكل واحد منها تعامل مع التقويم الوطني بوصفه ساحة صراع رمزي، لا تقل أهمية عن الصراع على السلطة نفسها.

أولًا: التقويم كأداة لنزع الشرعية ومحو الذاكرة

أحد أبرز سمات التجربة العراقية هو ميل كل نظام جديد إلى نزع الشرعية عن سابقه عبر محو رموزه، وفي مقدمتها الأعياد الوطنية. فالنظام الملكي، على سبيل المثال، ركّز على مناسبات مثل عيد تتويج الملك، ويوم تأسيس الدولة، وربط الهوية الوطنية بالسلالة الهاشمية وبفكرة “الاستقلال” تحت الرعاية البريطانية. لكن هذه الرموز سرعان ما تحولت بعد ثورة 14 تموز 1958 إلى “مخلفات عهد رجعي”، جرى شطبها بالكامل من التقويم الرسمي.

عبد الكريم قاسم بدوره جعل من 14 تموز محورًا للزمن الوطني الجديد، بوصفه لحظة الخلاص من الملكية والاستعمار. إلا أن هذا اليوم نفسه فقد مركزيته مع وصول الأخوين عارف إلى السلطة، حيث جرى إعادة تأويل الثورة وربطها بالوحدة العربية والناصرية، مع إدخال مناسبات جديدة تخدم خطابًا قوميًا مختلفًا.

أما حزب البعث، فقد بلغ هذا المسار ذروته؛ إذ لم يكتفِ بتغيير التقويم، بل ضاعف عدد الأعياد والمناسبات المرتبطة بالحزب والقائد والحروب. فأصبحت أعياد مثل 17 تموز، ويوم ميلاد الرئيس، وأيام “النصر” في الحروب، محطات إلزامية في الذاكرة العامة. وبذلك، لم تتراكم الذاكرة الوطنية العراقية، بل ظلت تُعاد كتابتها من الصفر مع كل نظام، ما حال دون تشكّل سردية تاريخية مشتركة جامعة.

ثانيًا: ثقافة احتفالية هجينة بين الاستعمار والتقاليد

رغم أن الاحتفالات الرسمية في العراق تبدو “تقليدية” في ظاهرها، إلا أن جذورها الحديثة تعود في جزء كبير منها إلى الإرث الاستعماري البريطاني. ففكرة العرض العسكري، والمهرجان الرسمي، والاحتفال المركزي الذي تُنقله الصحف وتشارك فيه الدولة بكامل أجهزتها، هي ممارسات مستوردة من أوروبا، سواء الغربية أو الشرقية.

لكن هذه العناصر الأجنبية لم تُستخدم في فراغ، بل جرى دمجها بمصادر محلية ومتنوعة: إسلامية (كاستحضار رمزية عاشوراء أو المولد النبوي في الخطاب السياسي)، وما قبل إسلامية (مثل الإحالات إلى بابل وآشور في عهد البعث)، وقومية عربية. والنتيجة كانت تقويمًا احتفاليًا هجينًا يعكس ثقافة سياسية غير مستقرة، تبحث باستمرار عن شرعية بديلة في الماضي البعيد أو في الرموز الدينية أو في “الإنجازات الثورية”.

هذا السوق الرمزي الواسع لم يُنتج هوية وطنية متماسكة، بل خلق طبقات متراكبة من المعاني المتناقضة أحيانًا، حيث يمكن لليوم الواحد أن يحمل دلالات مختلفة أو متضاربة تبعًا للسلطة القائمة.

ثالثًا: كثافة التقويم وقلق الشرعية

من أكثر الملاحظات دلالة في التجربة العراقية العلاقة العكسية بين كثافة التقويم الاحتفالي ومستوى الشرعية السياسية. فكلما كان النظام أكثر قلقًا على شرعيته، لجأ إلى تكثيف الأعياد والاحتفالات، وكأن التكرار الرمزي يمكن أن يعوض نقص القبول الشعبي.

في عهد حزب البعث، مثلًا، بلغ التقويم ذروة كثافته، خصوصًا خلال فترات الحروب والعزلة الدولية. تحولت المناسبات إلى طقوس تعبئة وإجبار، لا إلى لحظات إجماع وطني. في المقابل، يمكن ملاحظة أن الأنظمة الأكثر استقرارًا – نسبيًا – تميل إلى تقاويم “خفيفة”، تكتفي بعدد محدود من الرموز التي تحظى بقبول أوسع.

الأثر المستقبلي على الهوية الوطنية العراقية

إن الإرث الثقيل لهذا التاريخ الاحتفالي المتقلب لا يزال يؤثر بعمق في حاضر العراق ومستقبله. فبعد 2003، لم ينجح العراق في بلورة تقويم وطني جامع، بل دخل في مرحلة جديدة من التنازع الرمزي، حيث تتعدد المناسبات تبعًا للهويات الفرعية: طائفية، قومية، أو سياسية. وبدل أن تكون الأعياد فضاءً للالتقاء، أصبحت أحيانًا مرآة للانقسام.

إن بناء هوية وطنية عراقية جامعة في المستقبل يتطلب إعادة نظر جذرية في العلاقة مع الذاكرة والاحتفال. ليس المطلوب تكثيف الأعياد، بل انتقاء رموز جامعة، تُبنى من أسفل – من المجتمع – لا تُفرض من أعلى. تقويم وطني “خفيف”، لكنه عميق الدلالة، قد يكون أكثر قدرة على ترميم الثقة بين الدولة والمجتمع، وعلى تحويل الزمن من أداة هيمنة إلى مساحة مشتركة للانتماء.

في النهاية، لا تُقاس قوة الأمة بعدد الأيام التي تحتفل بها، بل بقدرتها على الاتفاق على معنى واحد – أو على الأقل مشترك – لما يستحق أن يُحتفل به.



#عادل_الدول (هاشتاغ)       Adil_Al_Dool#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإلحاد في العراق بين الموقف الفلسفي وجرح الهوية
- بعد قرن كامل: العراق الدولة المفقودة والشرعية المستحيلة
- أوروبا بين مطرقة ترامب وسندان بوتين: هل حان وقت قرار المصير؟
- الأمن القومي: بين الضرورة الاستراتيجية وإغراء الهيمنة - قراء ...
- حين نتعلّم أن نحمل الألم دون أن نصبحه
- منطق “الاحتواء بالتخويف”: كيف تُعاد هندسة إيران دون إسقاطها؟
- التحرش الجنسي: ظاهرة عالمية تتجاوز الحدود الثقافية
- إلقاء القبض على نيكولاس مادورو.. ماذا بعد؟
- غادرت حصن اليقين
- الذكاء الاصطناعي وزعزعة اليقين: بين انهيار الدليل وإعادة بنا ...
- وثيقة بقاءٍ كتبتها امرأةٌ
- المثقفون… حين يتحوّل الاختلاف إلى خصومة
- كيف نحمي أنفسنا من الأشخاص السامّين دون أن نفقد إنسانيتنا
- الكارثة المعرفية الراهنة..كيف تُصاغ قناعات الناس؟
- الصغير يعلم الكبير - تحول المعرفة يهز أركان المجتمع العربي
- الحرب كنموذج عمل: كيف تحولت الصراعات إلى آلة للربح المستدام
- في انتظار أن يصبح سببًا
- الحسد: رحلة الشعور الأزلي من الأسطورة إلى الخوارزمية
- أنت والحظ: حين تنحرف المعادلة عن قوانينها
- المأزق الثقافي العربي: بين العجز والنهوض


المزيد.....




- بريطانيا تعلق على -توسيع إسرائيل لسيطرتها في الضفة الغربية- ...
- لدعم اتفاق السلام.. الاتحاد الأوروبي يدرس منح أوكرانيا بعض م ...
- واشنطن تعيد رسم خريطة القيادة داخل الناتو
- دعوى قضائية ضد ميتا ويوتيوب بشأن الإضرار بالأطفال
- البيت الأبيض: ترامب يعارض ضم إسرائيل للضفة الغربية
- آلاف الجنود يصلون من إندونيسيا كأول قوة أجنبية في غزة
- البحرية الأميركية تبحث استبدال حاملات الطائرات بقطع أصغر
- ترامب يهدد بوقف افتتاح جسر -غوردي هاو- بين أمريكا وكندا ويطا ...
- بكين ترفض اتهامات واشنطن لها بإجراء تجارب نووية سرية
- عاجل | القيادة الجنوبية الأمريكية: نفذنا أمس ضربة عسكرية دقي ...


المزيد.....

- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عادل الدول - الدولة التي غيّرت تقويمها: الاحتفالات السياسية وبناء الهوية الوطنية في العراق