أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عادل الدول - الموت ومرآة الذات: حين يصبح الرحيل آخر فرصة لتثبيت المعنى















المزيد.....

الموت ومرآة الذات: حين يصبح الرحيل آخر فرصة لتثبيت المعنى


عادل الدول
كاتب

(Adil Al Dool)


الحوار المتمدن-العدد: 8697 - 2026 / 5 / 4 - 06:48
المحور: قضايا ثقافية
    


مقدمة: السؤال الذي لا يُغلق
في عام ١٩٤٤، وقف الفيلسوف الفرنسي غابرييل مارسيل أمام جمهوره في باريس المحتلة وقال جملةً لا تزال تتردد صداها حتى اليوم: "الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يعرف أنه سيموت، وهذه المعرفة هي أساس كل ثقافة بشرية." لم يكن مارسيل يتحدث عن الموت كحدث بيولوجي، بل عن الموت بوصفه حضورًا مستمرًا في وعي الإنسان، ظلًا يرافقه في كل خطوة، يشكّل قراراته وخوفه وطموحه وحبه.
لكن ثمة سؤالًا أعمق ظل معلقًا في فضاء الفلسفة والعلم النفسي معًا، سؤالٌ لم يحظَ من الاهتمام بما يستحقه: ماذا يجري داخل الإنسان حين يقترب من تلك اللحظة الأخيرة؟ وتحديدًا: هل الإنسان يخاف الموت كما يخاف انتهاء الوجود الجسدي، أم أنه يخاف شيئًا أكثر خصوصية وأكثر إيلامًا، وهو انهيار الصورة التي بناها عن نفسه طوال عمره؟
هذا المقال محاولة للتفكير في هذا السؤال من مداخل متعددة: فلسفية ونفسية وعلمية وتاريخية وأدبية. ليس هدفه تقديم إجابة نهائية، فالموت أوسع من أي إجابة، بل هدفه أن يفتح نافذة على أحد أكثر المناطق غرابةً في الكيان البشري: تلك المنطقة التي يلتقي فيها الخوف من الفناء بالرغبة في البقاء مشرّفًا في ذاكرة الآخرين.
________________________________________
أولًا: الذات المُتخيَّلة — البناء الذي يسبق الجسد ويبقى بعده
قبل أن نتحدث عن الموت، علينا أن نتحدث عن الذات. فالمشكلة الجوهرية ليست في الموت وحده، بل في الكيان الذي يواجهه.
الذات البشرية ليست معطىً فطريًا جاهزًا. إنها بناء تراكمي، لا يتوقف عن إعادة تشكيل نفسه طوال الحياة. يقول عالم النفس الأمريكي وليام جيمس، في كتابه الفذّ "مبادئ علم النفس" الصادر عام ١٨٩٠، إن الإنسان يمتلك بقدر ما يمتلك من أشخاص يعرفونه؛ أي أن هويته تتعدد بتعدد السياقات الاجتماعية التي يوجد فيها. لكن هذا الكلام يحمل في طياته فكرة أعمق: أن الذات ليست جوهرًا صلبًا، بل هي مجموعة من الصور المتفاوتة التي ينسّقها الوعي في سرديّة واحدة متماسكة.
بعد جيمس بعقود، جاء جورج هيربرت ميد بمفهومه الشهير عن "الذات الاجتماعية"، مؤكدًا أن الهوية لا تُبنى في عزلة، بل تنشأ في المرآة المزدوجة بين الفرد وجماعته. أنت لا تعرف من أنت إلا حين ترى نفسك من خلال نظرة الآخرين إليك. هذه الفكرة لاحقًا صاغها الفيلسوف الفرنسي بول ريكور بشكل أكثر دقة في مفهومه عن "الهوية السردية": نحن لسنا مجرد موجودات، بل قصص تحكي نفسها لنفسها باستمرار.
وهنا تكمن المعضلة: إذا كانت الذات قصة، فإن الموت يعني انتهاء الراوي قبل أن تنتهي الرواية. والإنسان، بفطرته الرمزية العميقة، يرفض هذه الفجوة. لذا يسعى إلى أن يُغلق قصته، أو على الأقل يُحكم نهايتها، بحيث تبقى الصورة التي أراد أن يكون عليها هي آخر ما يراه الناس.
________________________________________
ثانيًا: حين تكلّم العلم — من داروين إلى علم الأعصاب
لم تترك العلوم التجريبية هذا الميدان خاليًا. بل شهدت العقود الأخيرة تراكمًا هائلًا من الأبحاث التي تحاول فهم ما يجري في وعي الإنسان ولاوعيه حين يواجه الموت.
نظرية إدارة الإرهاب (Terror Management Theory)، التي طورها علماء النفس الأمريكيون جيف غرينبرغ وشيلدون سولومون وتوم بيسزينسكي انطلاقًا من أفكار المفكر الأنثروبولوجي أرنست بيكر، تمثل ربما أكثر المحاولات العلمية منهجيةً في هذا الاتجاه. بيكر في كتابه الشهير "إنكار الموت" الصادر عام ١٩٧٣ والحائز على جائزة بولتزر، قدّم أطروحة مذهلة مفادها أن جوهر الحضارة الإنسانية برمته ليس سوى دفاع تفصيلي معقد ضد هلع واحد: الخوف من الفناء.
تقول نظرية إدارة الإرهاب إن الناس يواجهون تناقضًا وجوديًا مروّعًا: هم يمتلكون وعيًا مكثفًا بأنفسهم كأفراد مميزين، في حين يعرفون يقينًا أنهم سيموتون ويفنون. هذا التناقض يُنتج رعبًا كامنًا يدفع الناس إلى تبني مشاريع ذات معنى يتخطى حياتهم المحدودة: الدين، والتراث، والوطنية، والفن، والإنجاز المهني. والأخطر في هذه النظرية أنها أثبتت تجريبيًا — من خلال مئات الدراسات في ثلاثين دولة — أن مجرد التذكير بالموت يجعل الناس أكثر تمسكًا بهوياتهم الثقافية وأكثر عدائيةً لمن يختلف عنهم. الموت لا يُليّن الناس فحسب، بل قد يُصلّبهم.
في مجال مختلف، رصدت الأبحاث الإكلينيكية للطبيبة النفسية الشهيرة إليزابيث كوبلر-روس، في كتابها المؤسس "عن الموت والاحتضار" (١٩٦٩)، خمس مراحل يمر بها الإنسان حين يواجه خبر اقتراب موته: الإنكار، والغضب، والمساومة، والاكتئاب، والقبول. لكن ما لم يحظَ باهتمام كافٍ في هذا النموذج هو ما يحدث في مرحلة القبول تحديدًا: فالقبول لا يعني الاستسلام الكامل، بل كثيرًا ما يكون إعادة توجيه الطاقة نحو ما يمكن التحكم فيه، وهو الصورة التي سيُغادر بها الإنسان هذا العالم.
وعلى صعيد علم الأعصاب، أماط الباحثون في جامعة لويزفيل عام ٢٠١٧ اللثام عن ظاهرة لافتة: في اللحظات الأخيرة من الحياة، وتحديدًا عند المحتضرين، ثمة نشاط عصبي مكثف في مناطق الدماغ المرتبطة بالذاكرة البيوغرافية والوعي الذاتي. كأن الدماغ، قبيل إطفاء نفسه نهائيًا، يُعيد عرض فيلم الحياة بأسرع ما يستطيع. وهذا ما أفاد به كثيرون ممن مروا بتجارب الاقتراب من الموت، معززًا الفكرة القائلة بأن الذات الباحثة عن معنى تظل نشطة حتى آخر لحظة.
________________________________________
ثالثًا: الصورة والموت — مواجهة رمزية في آخر الأوقات
ثمة فرق جوهري بين نوعين من المواجهة حين يقترب الأجل: مواجهة بيولوجية تسعى إلى البقاء وتفادي الألم، ومواجهة رمزية تسعى إلى تثبيت المعنى والحفاظ على الصورة. والمدهش أن الإنسان، في كثير من الحالات، يُقدّم الثانية على الأولى.
التاريخ حافل بشواهد تُذهل العقل. حين سُئل سقراط وهو يشرب السم عام ٣٩٩ قبل الميلاد إن كان يريد تأجيل تناوله ريثما يعود أصدقاؤه، رفض بهدوء تام وقال ما معناه: لن أجعل من التعلق بلحظات إضافية سببًا لإفساد ما عملت على تثبيته طوال حياتي. لم يكن سقراط بلا خوف بالضرورة، لكنه كان يُدرك أن الطريقة التي يموت بها ستكون الخطاب الأخير الذي يُلقيه، وأن هذا الخطاب يجب أن يتسق مع كل ما قاله وفعله.
وفي سياق مغاير تمامًا، يُخبرنا المؤرخ سيمون شاما في دراسته المعمّقة عن الثورة الفرنسية أن كثيرًا من المحكوم عليهم بالإعدام في زمن الإرهاب الثوري كانوا يُعيرون اهتمامًا مفرطًا — من منظور الاقتصاد العقلاني البحت — بهندام ملابسهم وطريقة صعودهم للمقصلة. شخصية مثل مدام رولان، التي أعدمت عام ١٧٩٣، لم تكتفِ بالثبات بل ألقت خطابًا قصيرًا موجهًا للتاريخ، لا للحاضرين. كانت تعرف أن جمهورها الحقيقي هو المستقبل.
وفي القرن العشرين، وثّق علماء النفس الذين عملوا مع مرضى السرطان في مراحله الأخيرة ظاهرة لافتة: بعض المرضى يرفضون العلاجات التي تُخفف الألم لأنها تُضعف وضوح الوعي، مؤثرين أن يظلوا حاضرين ذهنيًا ويتحكمون فيما يقولونه ويتركونه لأسرهم وأحبابهم، حتى لو كان الثمن ألمًا أشد. الذات الرمزية، في هذه الحالات، تُلجم الجسد وتُقدّم مطالبه على مطالب النجاة الجسدية.
________________________________________
رابعًا: الآخر الحاضر — كيف تُحوّل المراقبة لحظة الموت إلى ساحة
لحظة الموت لا تجري في فراغ. ووجود الآخر — سواء أكان شاهدًا فعليًا أم متخيَّلًا — يغير طبيعتها تغييرًا جذريًا.
يشرح الفيلسوف الوجودي الفرنسي جان بول سارتر في كتابه "الوجود والعدم" كيف أن نظرة الآخر تحوّل الإنسان إلى موضوع، وكيف يكافح الوعي البشري باستمرار لاسترداد ذاتيته وسيادته في مواجهة هذا التشييء. في لحظة الموت، حين تُشارف كل أدوات السيطرة على الانتهاء، تبقى "نظرة الآخر" هي الفضاء الأخير الذي يمكن إدارته. فالثبات أمام الموت، في هذا الإطار، هو ضرب من ضروب الردّ على نظرة الآخر: "أنت تراقبني وأنا أتلاشى، لكنك ستتذكرني وقد حافظت على كرامتي."
هذا ما يُفسّر ظاهرة تاريخية موثّقة: الفارق الكبير في سلوك الأفراد عند الإعدام بحسب ما إذا كان الإعدام علنيًا أو سريًا. الدراسات التاريخية المقارنة التي أجراها الباحث الفرنسي ميشيل فوكو في "المراقبة والعقاب" تُظهر أن إضفاء الطابع العلني على العقوبة لم يكن يهدف فقط إلى التخويف، بل كان يُفرز ديناميكية رمزية بالغة التعقيد: المحكوم عليه يعرف أنه يُشاهَد، فيختار أحيانًا أن يتحول شهادةً، لا ضحيةً.
وفي سياق أكثر حداثةً، رصدت دراسة نشرتها مجلة Psychological Science عام ٢٠١٢ أن المحتضرين الذين يكتبون أو يُملون ملاحظاتهم الأخيرة يُبدون في الغالب مستوىً من الإيجابية والمعنى يفوق ما يتوقعه الأشخاص الأصحاء وهم يتخيلون ما سيشعرون به حين يواجهون الموت. الخوف المُتخيَّل أشد قتامةً من الخوف الفعلي. وكأن الموت الحقيقي يُطلق في الإنسان طاقة رمزية لم يكن يعرف أنه يمتلكها.
________________________________________
خامسًا: الموت وبناء الأسطورة — الحالات التاريخية الكبرى
الحالات التاريخية الكبرى تُقدّم نماذج استثنائية لفهم هذه الديناميكية.
كيمياء الشهادة: في سياق الحروب والثورات، تحوّل الموت تاريخيًا من حدث فردي إلى فعل سياسي رمزي. ما فعله الشيخ الشهيد عز الدين القسام بموته المقاوم عام ١٩٣٥، أو ما أحدثته صور غيفارا الأخيرة بعد إعدامه عام ١٩٦٧، يُجسّد كيف يمكن لـ"شكل الموت" أن يُنتج دلالة أكبر بكثير من كل ما فعله الإنسان وهو حيّ. الصور الأخيرة لغيفارا الملقى على طاولة في بوليفيا، بعيونه المفتوحة، قارنها المؤرخ الفني جون ويليام آدامز بلوحات المسيح المرمية، في إشارة إلى أن الطريقة التي ظهر بها جسده وبشكل المُعرَض حوّلت إعدامًا إلى بداية أسطورة.
كتابة الوصايا والرسائل الأخيرة: دراسة أجرتها جامعة كاليفورنيا تحليلًا لأكثر من خمسمائة رسالة كتبها محكوم عليهم بالإعدام قبل تنفيذ الحكم، وجدت أن ما يزيد على ثمانين بالمئة منها تضمّن محاولةً صريحة لتثبيت هوية معينة: الأب المحب، أو الشخص البريء، أو التائب الصادق، أو الإنسان الذي أحبّ رغم كل شيء. لم تكن هذه الرسائل موجّهة فقط للمتلقين، بل كانت في جوهرها موجّهة للتاريخ، ومحاولةً لامتلاك آخر كلمة في القصة.
الأدب والفن: دوستويفسكي، الذي عاش تجربة الإعدام الصوري عام ١٨٤٩ حين أوقفه القيصر لحظة تنفيذ الحكم، وصف في رواياته لاحقًا بتفصيل مُرعب ما يجري في ذهن الإنسان وهو يعرف أنه سيموت بعد دقائق. الأخطر في روايته "البله" أن بطله الأمير مشكين يُخبرنا أن الإنسان في تلك اللحظة لا يفكر في الله ولا في الموت، بل يفكر في نظرة الناس إليه. هذه الشهادة الفريدة، المنبثقة من تجربة حقيقية عاشها الكاتب، تؤكد ما تقوله النظرية: الذات الرمزية لا تتوقف عن عملها حتى في أشد اللحظات وطأة.
________________________________________
سادسًا: الدين والمعنى — حين يُحوّل الإيمان النهاية إلى عتبة
لا يمكن لأي تأمل جاد في علاقة الإنسان بالموت أن يتجاهل الدين. فالتجربة الدينية ليست تفصيلًا ثانويًا في هذه المعادلة، بل ربما تكون عاملها الأكثر حسمًا.
يُقدّم عالم الأنثروبولوجيا كليفورد غيرتز في تعريفه الشهير للدين أنه "منظومة رمزية تُرسّخ مزاجات ودوافع قوية وعميقة في الناس، عبر تشكيل تصورات عن نظام وجودي عام." بكلمات أبسط: الدين يُعطي للموت معنىً لا تستطيع البيولوجيا إعطاءه. وهذا المعنى لا يُلغي الخوف، لكنه يُعيد هيكلته.
يُظهر عالم علم النفس التطوري رينالدو رويز في دراسة مقارنة أجراها على ثقافات ثمانية عشر مجتمعًا مختلفًا، أن المؤمنين بحياة ما بعد الموت يُبدون في المتوسط قلقًا أقل حيال الموت — ليس بسبب قمع الخوف، بل لأن الموت ضُمّ داخل روايةٍ أكبر تجعله عتبةً لا جدارًا. وبهذا المعنى، يُيسّر الإيمان ما قد تُعجز عنه الفلسفة: أنه يمنح الذات الرمزية جسرًا يعبر عليه الفرد من الحياة إلى ما بعدها دون أن يشعر بانقطاع تام.
والمفارقة اللافتة هنا أن هذا لا يُلغي الصراع على الصورة، بل يُعيد تأطيره. فالشهيد لا يخاف الموت لأنه يؤمن بثواب ما بعده، لكنه يُولي اهتمامًا بالغًا بـ “شكل شهادته"، لأن الشكل يؤكد صدق الإيمان ويُرسّخ الأسطورة التي سيُبنى عليها معنى بعدي.
________________________________________
سابعًا: حين تُحكم الذات قبضتها في آخر لحظة
تُثبت الأبحاث الحديثة في علم النفس الإيجابي وعلم نفس النهايات — وهو حقل ناشئ يُعنى بدراسة كيف تُشكّل نهايات التجارب تقييمنا لها — أن ما يحدث في لحظات الخروج يُلقي بظلاله على كل ما سبق.
الاقتصادي السلوكي دانيال كانيمان، في دراسته الشهيرة حول "قاعدة الذروة-النهاية"، أثبت أن الناس لا يُقيّمون تجاربهم بمعدّل ما شعروا به طوال مدتها، بل يُقيّمونها بناءً على أشد لحظة وطأةً وعلى اللحظة الأخيرة. وإذا أسقطنا هذه القاعدة على حياة الإنسان بأكملها، يتضح لماذا يُشعر البعض بهوس شبه غريزي بـ “حُسن الخاتمة": لأن النهاية هي ما سيبقى في الذاكرة، ذاكرة الأحبة وذاكرة التاريخ على حدٍّ سواء.
وقد وثّق الطبيب النفسي الكندي هارفي ماكس شلانسكي في دراسة معمّقة أجراها في وحدات العناية التلطيفية، أن المرضى في مراحلهم الأخيرة كثيرًا ما يُبدون اهتمامًا مركّزًا بثلاثة محاور: المصالحة مع من جرحوهم أو جُرحوا بهم، وإعادة تأكيد هويتهم الجوهرية بكلمات صريحة، وترتيب "الصورة الرمزية" التي سيتركونها سواء من خلال وصية أو لقاء أخير أو كلمات مختارة بعناية. هذه المحاور الثلاثة ليست سوى وجوه مختلفة لعملية واحدة: إعادة التحكم في السرد.
________________________________________
ثامنًا: مفارقة التماسك — الثبات ليس غياب الخوف
ربما أكثر ما تُثيره هذه القراءة من تساؤلات هو: ما الذي يجعل بعض الأشخاص يبدون في غاية الثبات أمام الموت، بينما ينهار آخرون؟ هل الأوائل حقًا لا يخافون، أم أن خوفهم يأخذ شكلًا مختلفًا؟
الإجابة التي تُلمح إليها كل الشواهد المتاحة هي: الثبات أمام الموت، في أغلب الأحيان، ليس غياب الخوف بل إعادة توجيهه. الإنسان لا يتوقف عن الخوف، لكنه ينقل مركز خوفه من فناء الجسد إلى تهديد الصورة. وبهذا المعنى، يصبح التماسك شكلًا من أشكال المقاومة: ليس للموت، بل للانطباع الذي سيتركه فيما لو انهار.
هذا ما يُفسّر القصص التي رواها من عاشوا في معسكرات الاعتقال النازية عن أشخاص اختاروا الموت واقفين لا ركوعًا، حين أُعطوا خيارًا رمزيًا. وهو ما يُفسّر كذلك ما وثّقه الطبيب النفسي فيكتور فرانكل في "الإنسان يبحث عن معنى" عن الأسرى الذين احتفظوا بكرامتهم في فضاء فُصلوا فيه عن كل شيء آخر. كرامة الإنسان، يُؤكد فرانكل، هي الحرية الأخيرة التي لا يمكن انتزاعها: حرية اختيار موقفك مما يحدث لك. وهذا الموقف هو عين الصورة التي نتحدث عنها.
________________________________________
خاتمة: الإنسان لا يمتلك الموت، لكنه يُحاول امتلاك معناه
نعود إلى السؤال الذي بدأنا منه، لكنّا الآن أكثر تجهيزًا للإجابة عليه: ماذا يجري حين يواجه الإنسان الموت؟
يجري شيء بالغ الغرابة والعظمة في آنٍ واحد: تتوقف طاقة الكيان عن السعي نحو البقاء، وتتحول نحو المعنى. ما كان هامشيًا يصبح مركزيًا. ما كان مؤجَّلًا يصبح عاجلًا. والصورة التي ظل الإنسان يُعدّل فيها وينقحها طوال حياته تُصبح في لحظاتها الأخيرة موضوع عنايته القصوى.
الموت يكشف ما لم تكشفه الحياة: أن الإنسان لم يعش فقط لأجل نفسه، بل عاش لأجل الصورة التي رسمها عن نفسه. ولذا فإن مغادرته هذا العالم ليست مجرد حدث بيولوجي، بل خطوة أخيرة في مسيرة رمزية طويلة كرّس فيها نفسه لبناء كيان له معنى، وله وزن، وله حضور.
ما يُخيف الناس في النهاية ليس الموت وحده، بل الموت الذي يُفسد الصورة. الموت الذي يجعلهم يُرون بطريقة لا تتسق مع من أرادوا أن يكونوا. ولهذا، يخشى بعض الناس أن يُروا وهم يرتجفون أكثر مما يخشون الموت ذاته: لأن الارتجاف ليس ضعفًا جسديًا فحسب، بل تصدّعٌ في السرديّة التي صنعوا منها أنفسهم.
الإنسان في النهاية — هذا الكائن العجيب الذي يعرف يقينًا أنه سيموت ومع ذلك يعيش وكأنه لن يموت — يحمل داخله تناقضًا خلاقًا: هو يُنكر الموت ليتمكن من الحياة، ثم حين يواجهه لا مفرّ، يستحضر كل طاقته لكي يمنح هذه النهاية شكلًا يليق بالقصة التي عاشها.
ولعل في هذا ما يستحق التأمل طويلًا: ليس قدرة الإنسان على الموت، فتلك طبيعة مشتركة بينه وبين كل حيّ، بل قدرته على أن يُضفي على موته معنى — وهذا ما لا يقدر عليه غيره تحت قبة السماء.
________________________________________
"الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يعرف أنه سيموت. وبهذه المعرفة وحدها يُميّز نفسه عن بقية الطبيعة — وبها وحدها يبني كل ما نُسمّيه حضارة." — غابرييل مارسيل



#عادل_الدول (هاشتاغ)       Adil_Al_Dool#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين تصبح الكراهية هوية: الاستقطاب في المنطقة ومآلاته
- حين يتحول الرئيس إلى رواية حية
- حين تغيب إرادة الدولة، العراق بين الهياكل الفارغة ومأزق المس ...
- الهجرة: حين يضيق الوطن على الروح
- المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بين الواقع القائم والهواج ...
- الدولة التي غيّرت تقويمها: الاحتفالات السياسية وبناء الهوية ...
- الإلحاد في العراق بين الموقف الفلسفي وجرح الهوية
- بعد قرن كامل: العراق الدولة المفقودة والشرعية المستحيلة
- أوروبا بين مطرقة ترامب وسندان بوتين: هل حان وقت قرار المصير؟
- الأمن القومي: بين الضرورة الاستراتيجية وإغراء الهيمنة - قراء ...
- حين نتعلّم أن نحمل الألم دون أن نصبحه
- منطق “الاحتواء بالتخويف”: كيف تُعاد هندسة إيران دون إسقاطها؟
- التحرش الجنسي: ظاهرة عالمية تتجاوز الحدود الثقافية
- إلقاء القبض على نيكولاس مادورو.. ماذا بعد؟
- غادرت حصن اليقين
- الذكاء الاصطناعي وزعزعة اليقين: بين انهيار الدليل وإعادة بنا ...
- وثيقة بقاءٍ كتبتها امرأةٌ
- المثقفون… حين يتحوّل الاختلاف إلى خصومة
- كيف نحمي أنفسنا من الأشخاص السامّين دون أن نفقد إنسانيتنا
- الكارثة المعرفية الراهنة..كيف تُصاغ قناعات الناس؟


المزيد.....




- ترامب يتوجه إلى الصين في زيارة تطغى عليها خلافات بشأن حرب إي ...
- ألمانيا ـ تقدم جديد لحزب البديل وتراجع حاد في تأييد المستشار ...
- حوار مع الرئيس إيمانويل ماكرون في ختام قمة -أفريكا فوروارد- ...
- أبرز الملفات التي تناولها ماكرون في لقاء خاص مع فرانس24
- حرب الشرق الأوسط: ما هي الخيارات المطروحة أمام ترامب بعد الر ...
- حصري: الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يُعلّق على السياسة الفر ...
- صراع من أجل شهيق.. منع -الأكسجين- يهدد حياة الآلاف بغزة
- ويلات سدي تيمان تلاحق طفلة مسنة وحفيدتيها بغزة
- عمار العقاد للجزيرة: نخشى تعرض والدتي وشقيقتي لانتهاكات الاح ...
- زيارة ترمب للصين.. هل تُعقّد المشهد الإيراني أم تفتح باب الح ...


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عادل الدول - الموت ومرآة الذات: حين يصبح الرحيل آخر فرصة لتثبيت المعنى