أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عادل الدول - حين تصبح الكراهية هوية: الاستقطاب في المنطقة ومآلاته















المزيد.....

حين تصبح الكراهية هوية: الاستقطاب في المنطقة ومآلاته


عادل الدول
كاتب

(Adil Al Dool)


الحوار المتمدن-العدد: 8679 - 2026 / 4 / 16 - 09:50
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم تسقط حضارات كبرى لأن أعداءها كانوا أقوى منها، بل سقطت لأنها أنفقت طاقتها في الداخل حتى لم يبقَ شيء تواجه به الخارج.التاريخ حين يُقرأ بتأنٍّ لا يحكي قصة غزاة أقوياء بقدر ما يحكي قصة مجتمعات أنهكت نفسها من الداخل، حتى لم يبقَ فيها ما يستحق الدفاع عنه، ولا طاقة تستطيع به المقاومة. روما لم تسقط في يوم واحد، بل تآكلت على مدى عقود من الانقسام والصراع الداخلي، حتى جاء الغزاة ليجدوا أمامهم أثرًا لا حضارة. والأندلس لم تضِع لأن الممالك المسيحية كانت أشد بأسًا، بل لأن ملوكها كانوا منشغلين بحروبهم فيما بينهم أكثر مما كانوا منشغلين ببناء ما يستحق البقاء.
ونحن اليوم، بكل ما نحمله من كراهية متراكمة واستقطاب متصاعد ويقين أجوف لا يتسع لسؤال واحد، نسير بخطى واثقة على الطريق ذاته. لسنا أمام أزمة سياسية عابرة، ولا موجة غضب ستهدأ مع الوقت. نحن أمام مجتمعات قررت، دون أن تدري، أن تستثمر طاقتها كلها في الكراهية، وأن تُرجئ البناء إلى إشعار آخر لن يأتي.
في منطقتنا العربية، بلغنا تلك اللحظة منذ زمن. لم يعد الأمر مجرد خلاف سياسي، ولا حتى صراع أيديولوجي له بداية ونهاية. ما نشهده اليوم هو شيء أعمق وأشد فتكًا: كراهية تحولت إلى بنية تفكير، وعدو تحوّل إلى ضرورة وجودية، واستقطاب بات هو الهواء الذي نتنفسه دون أن ندرك أننا نختنق.

المعادلة الأولى: التعاطف المبني على الكراهية
لا يمكن فهم المشهد دون الإقرار بالبداية. لعقود، تشكّل الوجدان العام في المنطقة وفق معادلة بسيطة في ظاهرها، مُدمِّرة في جوهرها: أنت لست مع أحد، بل ضد أحد. التعاطف مع قضية لا ينبع من قيمة القضية ذاتها، بل من كونها تُغيظ إسرائيل أو تُحرج أمريكا أو تُزعزع الخليج. لا يهم من يحمل الراية، ولا ما يمثله، ما يهم فقط أنه يقف في "الخندق الصحيح"، خندق العداء لمن نكره.
هكذا أصبح الانتماء السياسي مشروطًا بالكراهية لا بالقناعة. وهكذا باتت الجماعات تُمنح الشرعية لا لما تبنيه، بل لمن تحارب. والمؤلم أن هذه المعادلة تُنتج نقيضها الحتمي: كلما تضخمت الكراهية، تقلّص العقل.

ثلاث كراهيات ترسم الخريطة
يتشكّل هذا الاستقطاب من ثلاثة محاور للكراهية، متشابكة ومتغذية على بعضها:
الأولى، الكراهية المزمنة لإسرائيل، وهي الأكثر حضورًا والأقدم في الوجدان الجمعي. وهي وحدها في أصلها لم تكن ظاهرة مرضية، فالرفض للاحتلال موقف أخلاقي مشروع. لكن حين تتحول من موقف سياسي إلى لاهوت مُقدَّس لا يُناقَش، ومن رفض للممارسة إلى كراهية مطلقة تبتلع كل شيء حولها، تصبح أداة تدمير لصاحبها قبل أن تكون سلاحًا في أي معركة.
الثانية، العداء للغرب بوجهيه الأمريكي والأوروبي. وهنا أيضًا، لا يمكن إنكار أن لهذا العداء جذورًا في تاريخ حقيقي من الهيمنة والاستعمار والتدخل. لكن حين يتحول هذا العداء إلى رفض جملة وتفصيلًا لكل ما يأتي من هناك، بما في ذلك العلم والمعرفة ومناهج التفكير، فإنه يتحول إلى سجن ذاتي نُشيّده بأيدينا.
الثالثة، الكراهية تجاه "الخليج"، وهي الأحدث عهدًا والأكثر التباسًا. تنطوي على خليط من حسد اجتماعي ونقد سياسي ومرارة ذاتية، وكثيرًا ما تتخفى خلف خطاب "الأصالة" و"الهوية الحقيقية". وهي في جوهرها كراهية للنجاح، مهما كان مآخذنا على طبيعة هذا النجاح وأثمانه.

حين تتحول الكراهية إلى هوية
الكارثة الحقيقية ليست في هذه الكراهيات بعينها. الكارثة هي في ما تفعله هذه الكراهيات بصاحبها حين تتراكم. فالكراهية المتمركزة على "الآخر" المُحدد لا تبقى هناك، بل تتسع دوائرها كالموجات على سطح الماء، لتبتلع تدريجيًا كل "آخر"، كل مختلف، كل من يفكر بطريقة مغايرة أو يحمل هوية مغايرة أو يتبنى قناعة مغايرة.
في مجتمعاتنا اليوم، بات الرأي المخالف يُعامَل كخيانة. والتساؤل النقدي يُقابَل بالتشكيك في الانتماء. والاعتدال يُفسَّر كتواطؤ. الإنسان الذي كان يكره "إسرائيل" بدأ يكره كل من لا يكره بنفس الحدة. والذي يرفض "الغرب" بات يرفض العلوم التي أنتجها الغرب، ومناهج التفكير التي طوّرها، ثم الأشخاص الذين درسوا هناك، ثم كل من يُشبه من درس هناك في طريقة لباسه أو حديثه. والدائرة تتسع، ولا شيء يوقفها.

الثمن: ماذا أنتجت كل هذه الكراهية؟
هنا يكمن السؤال الأمضّ. لو أن هذه الكراهية أنتجت شيئًا، لكان بالإمكان القول إنها على الأقل كانت وقودًا للتغيير. لكن الحصيلة صفر. بل ما دون الصفر.
لم تتحرر فلسطين بسبب الكراهية. ولم تنهض اقتصادات بسبب رفض الغرب. ولم تحقق مجتمعات تقدمًا علميًا بفضل الغضب والاستقطاب. ما حدث بالضبط هو العكس: بينما كنا منهمكين في كراهيتنا وجدالاتنا وحروبنا الكلامية، كان آخرون يبنون جامعات، ويؤسسون شركات، ويُطوّرون أدوية، ويكتبون براءات اختراع. الفجوة لم تتقلص، بل اتسعت. وسنجد أنفسنا غدًا نشتري من أعدائنا ما كان يمكننا إنتاجه، لو أننا قضينا وقتنا في البناء بدلًا من الكراهية.
الكراهية بطبيعتها عقيمة. هي طاقة هائلة تُستهلك في حرق الداخل، ولا تُنتج سوى رماد.

الجيل القادم: الإرث الأثقل
لكن ربما الأشد إيلامًا في هذه المعادلة هو ما نورّثه. الكراهية ليست فقط حالة راهنة، هي مشروع تربوي ممتد. الأطفال الذين يكبرون وسط خطاب الاستقطاب يُصبحون راشدين بعقول مُغلقة. يُصبحون أقل قدرة على التساؤل، وأقل استعدادًا للتعاون، وأقل مرونة في مواجهة عالم يتطلب بالضبط هذه المهارات.
الإرث الحقيقي للاستقطاب ليس الأيديولوجيا، بل هو تشكيل طريقة التفكير ذاتها. وحين تتشكل العقول وفق نموذج "أنت معنا أو ضدنا"، فإنها تفقد القدرة على الإبداع، لأن الإبداع في جوهره مساءلة وخروج عن المألوف ورؤية العالم بطريقة مختلفة، وهي أفعال يعاقب عليها الاستقطاب بطبيعته.

خروج ممكن؟
السؤال الذي لا مفر منه: هل يمكن كسر هذه الحلقة؟
الإجابة الصادقة: يمكن، لكن بثمن. الثمن هو القدرة على التمييز، التمييز بين الكراهية الشخصية والموقف السياسي، بين الرفض المبدئي والعداء العام، بين التعاطف القائم على قيم والانحياز القائم على أضداد.
يعني ذلك أن يكون بمقدورنا أن نرفض سياسة إسرائيل في فلسطين دون أن نسمح لهذا الرفض بأن يتحول إلى كراهية تبتلع علاقتنا بالآخر وبالمختلف ذاتيًا. ويعني أن ننتقد الهيمنة الغربية دون أن نحرق المعرفة لأنها جاءت من هناك. ويعني أن نختلف سياسيًا مع منظومات الخليج دون أن نُدمج هذا الاختلاف في شعور عام بالعداء للنجاح أو للتجديد.
التمييز مهارة. وهي مهارة يجب أن تُعلَّم وتُمارَس وتُحمى من التآكل.

الغرق والتقدم
ثمة صورة تختزل المشهد كله. صورتان متجاورتان: هنا مجتمعات منهمكة في كراهيتها، تحسب المواقف وتعدّ الخصوم وتنتج خطابًا لا نهاية له ولا أثر منتج. وهناك مجتمعات أخرى منهمكة في تساؤلاتها، تُجرّب وتفشل وتنهض وتبني.
الفارق بين الصورتين ليس في الموارد ولا في التاريخ ولا حتى في الظروف الخارجية. الفارق هو في ما تفعله المجتمعات بطاقتها. فالطاقة التي تذهب إلى الكراهية لا تذهب إلى البناء، وهذه معادلة صفرية بلا استثناء.
السؤال الحقيقي الذي يواجهنا ليس: من نكره؟ بل: ماذا سنبني؟ ومتى نبدأ؟

الكراهية لا توقف أحدًا غير صاحبها.



#عادل_الدول (هاشتاغ)       Adil_Al_Dool#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يتحول الرئيس إلى رواية حية
- حين تغيب إرادة الدولة، العراق بين الهياكل الفارغة ومأزق المس ...
- الهجرة: حين يضيق الوطن على الروح
- المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بين الواقع القائم والهواج ...
- الدولة التي غيّرت تقويمها: الاحتفالات السياسية وبناء الهوية ...
- الإلحاد في العراق بين الموقف الفلسفي وجرح الهوية
- بعد قرن كامل: العراق الدولة المفقودة والشرعية المستحيلة
- أوروبا بين مطرقة ترامب وسندان بوتين: هل حان وقت قرار المصير؟
- الأمن القومي: بين الضرورة الاستراتيجية وإغراء الهيمنة - قراء ...
- حين نتعلّم أن نحمل الألم دون أن نصبحه
- منطق “الاحتواء بالتخويف”: كيف تُعاد هندسة إيران دون إسقاطها؟
- التحرش الجنسي: ظاهرة عالمية تتجاوز الحدود الثقافية
- إلقاء القبض على نيكولاس مادورو.. ماذا بعد؟
- غادرت حصن اليقين
- الذكاء الاصطناعي وزعزعة اليقين: بين انهيار الدليل وإعادة بنا ...
- وثيقة بقاءٍ كتبتها امرأةٌ
- المثقفون… حين يتحوّل الاختلاف إلى خصومة
- كيف نحمي أنفسنا من الأشخاص السامّين دون أن نفقد إنسانيتنا
- الكارثة المعرفية الراهنة..كيف تُصاغ قناعات الناس؟
- الصغير يعلم الكبير - تحول المعرفة يهز أركان المجتمع العربي


المزيد.....




- نشاط نووي متزايد ومتسارع لكوريا الشمالية يثير قلق العالم.. م ...
- أمريكا وإيران بحاجة إلى مخرج من الحرب.. لكن ما هي نقاط الاخت ...
- متحدث الرئاسة اللبنانية يرد على إعلان ترامب عن الاتصال بين ع ...
- لا لاستهداف النقابيين.. أفرجوا فورًا عن الأطباء المحبوسين بس ...
- حتى المحافظون الجدد انقلبوا ضد الحروب في الشرق الأوسط - مقال ...
- ضربات روسية تقتل 16 أوكرانيًا.. وزيلينسكي: موسكو -لا تستحق أ ...
- الركام ولا الخيام.. لماذا يفضل سكان غزة العودة إلى بيوتهم ال ...
- كيف يمكن لواشنطن وطهران صياغة اتفاق يبدو -نصرًا- لا -تنازلًا ...
- توتر بين بكين وواشنطن بسبب الحرب وحصار مضيق هرمز
- العراق.. حظر حفلات التخرج داخل المدارس يثير الجدل في البلاد! ...


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عادل الدول - حين تصبح الكراهية هوية: الاستقطاب في المنطقة ومآلاته