|
|
دراسة في الهوية الإنسانية عبر بوابة الغذاء
عادل الدول
كاتب
(Adil Al Dool)
الحوار المتمدن-العدد: 8702 - 2026 / 5 / 9 - 18:53
المحور:
قضايا ثقافية
يُعدّ الطعام أحد أعمق المفاتيح لفهم الإنسان وتاريخه؛ فهو ليس مجرد حاجة بيولوجية تضمن البقاء، بل منظومة ثقافية وحضارية تكشف طبيعة المجتمعات وتحولاتها عبر الزمن. ومن خلال المائدة يمكن قراءة مسارات الهجرات، وطرق التجارة، والعلاقات بين الشعوب، بل وحتى أنماط التفكير والاعتقاد والهوية.وتشكّل هذه المقالة موجزًا لمضامين كتابي القادم قيد الانجاز بعنوان: الإنسان والطعام: فلسفة المائدة وذاكرة الحضارات.
ينطلق هذا الكتاب، الإنسان والطعام: فلسفة المائدة وذاكرة الحضارات — دراسة في الهوية الإنسانية عبر بوابة الغذاء، من رؤية تعتبر الغذاء وثيقةً تاريخية حيّة، تختزن في تفاصيلها ذاكرة الإنسان منذ عصور الصيد والجمع، مرورًا بولادة الزراعة واستقرار الحضارات، وصولًا إلى العولمة الغذائية المعاصرة. ويبحث الكتاب في الكيفية التي شكّل بها الطعام أنماط الحياة، وأعاد رسم الخرائط الثقافية بين القارات، وأسهم في بناء الرموز الاجتماعية والاقتصادية والدينية لدى الشعوب.
إنه محاولة لقراءة التاريخ الإنساني من زاوية مختلفة: زاوية المائدة بوصفها مرآةً للحضارة، وذاكرةً يومية تختصر علاقة الإنسان بالأرض والطبيعة والآخر.
مدخل: حين يتكلم الطعام ثمة سؤال لم يطرحه الفلاسفة كثيرًا بالجدية التي يستحقها: ماذا يقول طبق الطعام عن الإنسان الذي يمسكه؟ لو وقفتَ أمام مائدة عربية فيها خبز التنور وزيت الزيتون والعدس المطيّب بالكمون، ثم مائدة يابانية فيها الأرز والسمك النيء والمِيسو، ثم مائدة مكسيكية فيها الذرة والفلفل الحار والأفوكادو، لوجدتَ أمامك ثلاثة كتب مفتوحة تحكي عن الجغرافيا والدين والتاريخ والروح الجماعية لثلاثة شعوب. الطعام ليس مادة يدخلها الإنسان في فمه. الطعام ذاكرة. الطعام هوية. الطعام فلسفة صامتة تعلن عن نفسها في كل وجبة. وهذه الدراسة ليست تاريخًا للغذاء فحسب؛ بل هي محاولة لفهم كيف أن رغيفًا واحدًا من الخبز يحمل بين قشرتيه خمسة وعشرين قرنًا من الهجرات والحروب والأديان والحب الإنساني والبحث عن المعنى.
الفصل الأول: في البدء كان الجوع أو: كيف حوّل الجوع القرد إلى إنسان لنتوقف لحظة عند مشهد تخيّلي، لكنه حقيقي في جوهره: إنسان قديم يجلس على صخرة قرب نهر، وفي يده سمكة رآها تلمع تحت الشمس فاصطادها. هو لا يعرف بعدُ أن السمكة تحتوي على أوميغا 3 ستُغذّي دماغه وتجعل حفيده بعد مليون سنة يكتب هذه السطور. هو يعرف شيئًا واحدًا: الجوع. والطعام يُسكته. لكن الجوع لم يكن العدو فقط. الجوع كان المعلم الأول. الجوع هو الذي دفع الإنسان إلى الملاحظة: أي النباتات آمنة وأيها قاتل؟ الجوع هو الذي علّمه التعاون: لا أحد يصطاد الماموث وحده. الجوع هو الذي أجبره على الهجرة: حين جفّت الثمار في واد، سار إلى واد آخر، فاكتشف حضارات لم يحلم بها. هنا نقف أمام حقيقة عميقة يغفل عنها الكثيرون: الفضول الإنساني نفسه قد تكون الغريزة الغذائية واحدًا من محركاته الكبرى. حين ابتكر الإنسان القديم أداة حجرية ليقطع اللحم، كانت تلك الأداة خطوة نحو الفن والتكنولوجيا. حين حفظ الطعام في حفرة تحت الأرض، كان يخترع المستودع الذي سيصبح يومًا المصرف. حين تجمّع مع آخرين حول النار لتقسيم الصيد، كان يضع اللبنة الأولى في صرح ما سنسميه لاحقًا الحضارة. الطعام، إذن، لم يصنع الجسد الإنساني فحسب، بل صنع العقل والمجتمع والمدينة والدولة.
الفصل الثاني: الثورة الخضراء الأولى أو: حين غيّرت بذرة قمح وجه العالم قبل عشرة آلاف سنة، في الهلال الخصيب الذي يمتد من جنوب العراق إلى شواطئ المتوسط، حدث أعظم حدث في تاريخ البشرية بعد ظهور اللغة: اكتشاف الزراعة. الزراعة لم تكن مجرد تقنية جديدة لإنتاج الطعام. الزراعة كانت تحولًا فلسفيًا جذريًا في علاقة الإنسان بالزمن وبالمكان وبالآخر. الإنسان الصياد يعيش في الحاضر المطلق: يصطاد اليوم ويأكل اليوم. الإنسان الزارع يعيش في المستقبل: يبذر اليوم ليحصد بعد أشهر. وهذا يعني أنه لأول مرة في تاريخه، صار يُخطّط. صار يُفكر في الغد. صار يُراكم. وحين يُراكم يحتاج إلى حراسة ما راكمه، فيُبني الجدار. وحين يُبني الجدار، يُولد المدينة. وحين تُولد المدينة، يُولد القانون والدين والسياسة والفن. كل هذا بدأ ببذرة قمح دفعها إنسان في التراب. الحبوب: أساس الإمبراطوريات ليس مصادفة أن الحضارات الكبرى الأولى نشأت حيث تنبت الحبوب: • مصر بنت مجدها على القمح والشعير في وادي النيل • بلاد الرافدين شيّدت بابل وأكاد على حقول الحبوب بين النهرين • الصين قامت حضارتها على الأرز في جنوبها والدخن في شمالها • الإنكا والمايا في الأمريكتين أسسا إمبراطوريتيهما على الذرة الحبوب قابلة للتخزين لسنوات. وهذا يعني فائضًا. والفائض يعني أن بعض الناس لن يحتاجوا إلى الحرث والزرع، فيتفرغون لأشياء أخرى: الكهانة، والحكم، والبناء، والتفكير، والغناء. الفيلسوف وجد وقته ليتفلسف لأن الفلاح في السهل كان يزرع قمحًا يكفي أكثر من أسرته. هنا يكمن السر العميق: كل قصيدة كُتبت، وكل معبد شُيّد، وكل قانون وُضع في تاريخ البشرية، له في أساسه حقل من القمح يُمكّن ذلك كله.
الفصل الثالث: ملح ودماء وتوابل أو: كيف أدارت رائحة القرنفل مسار التاريخ في القرن الخامس عشر الميلادي، كان ثمن الفلفل الأسود في أوروبا يعادل وزنه ذهبًا. وكانت الجوزة الطيبة تُباع بما يكفي لشراء بيت في بعض مدن هولندا. هذه المعلومة ليست مجرد طرفة تاريخية. إنها مفتاح لفهم كيف أن رائحة توابل من جزر بعيدة غيّرت خريطة العالم بالكامل. السؤال هو: لماذا كان التابل يساوي كل هذا؟ في عالم بلا ثلاجات، كان الطعام يفسد بسرعة رهيبة. واللحم الفاسد يقتل. والتوابل كانت تُبطئ الفساد، وتُغطي رائحة اللحوم المتغيّرة، وتُعطي طعمًا مقبولًا لطعام مقيت. التوابل، إذن، لم تكن رفاهية: كانت تأمينًا صحيًا وضرورة حياتية. وهكذا صارت جزر التوابل في إندونيسيا أهم بقعة على وجه الأرض في حسابات الأوروبيين، وخرجت في سبيلها أساطيل كاملة، وشُنّت حروب، وقُتل ملايين. كريستوفر كولومبوس لم يكن يبحث عن قارة. كان يبحث عن طريق أقصر إلى التوابل. أمريكا اكتُشفت بسبب شهية الأوروبيين للبهارات. طريق الحرير: أول شبكة اتصالات عالمية قبل الإنترنت بألفي سنة، كانت ثمة شبكة تربط الصين بالبحر المتوسط. أُطلق عليها طريق الحرير، لكن الحرير لم يكن سلعتها الوحيدة ولا الأهم. على ظهور الجِمال والسفن سارت معًا: • التوابل والأعشاب الطبية • البذور والشتلات الجديدة • الأفكار الدينية والفلسفية • الأمراض والأوبئة في المقابل • اللغات والكلمات والحكايات • وصفات الطعام وطرق الطهي حين وصل الأرز من آسيا إلى فارس ثم إلى العالم العربي، وصلت معه طريقة طهيه. وحين سافرت السبانخ من فارس إلى الأندلس على أيدي المسلمين، سافرت معها ثقافة بأكملها في كيفية استخدامها. الطعام كان قناة نقل الحضارة قبل أن تُخترع أي وسيلة أخرى.
الفصل الرابع: التبادل الكولومبي أو حين انقلب العالم رأسًا على عقب أو: عن الطماطم الإيطالية التي ليست إيطالية دعني أضعك أمام مفارقة مذهلة: المطبخ الإيطالي بلا طماطم، المطبخ الهندي بلا فلفل حار، المطبخ الأيرلندي بلا بطاطس، المطبخ المصري بلا ذرة، المطبخ التركي بلا فستق حلبي أمريكي... كلها كانت حقيقة واقعة حتى قبل خمسمئة سنة فقط. لأن كل هذه الأطعمة جاءت من الأمريكتين، ولم تعرفها بقية العالم إلا بعد رحلة كولومبوس عام 1492م. هذا ما يُعرف بـالتبادل الكولومبي، وهو أعظم ثورة غذائية في التاريخ المُدوَّن. تأمل حجم هذا الانقلاب: • البطاطس وصلت إلى أيرلندا وأصبحت غذاءها الرئيسي. وحين جاء وباء أصاب المحصول في القرن التاسع عشر، مات مليون إيرلندي وهاجر مليون آخر إلى أمريكا. • الطماطم دخلت إيطاليا وأصبحت روح مطبخها لدرجة أن العالم اليوم يظن أنها كانت هناك منذ الأزل. • الفلفل الحار تبنّته الهند والمكسيك وكوريا وتايلاند وصار علامتها المميزة. • الذرة حلّت محل محاصيل كثيرة في أفريقيا وأنقذت شعوبًا بأكملها من المجاعة. لكن التبادل لم يكن مجرد نقل نباتات. كان معه نقل عبيد، وإبادة شعوب، ونشر أمراض قضت على سكان العالم الجديد الأصليين. كل لقمة طماطم تحمل معها ظل تراجيديا بشرية هائلة لا يجب أن ننساها.
الفصل الخامس: الدين والطعام أو المقدّس على المائدة أو: حين يُصبح الأكل صلاة لا يوجد دين في التاريخ البشري إلا وله موقف من الطعام. وهذا ليس مصادفة. الطعام هو أول ما يلتقي به الإنسان من العالم الخارجي. إنه الحدود بين الجسد والكون. وهكذا صار مجال القدسي الأول. النظام الغذائي في الأديان لم يكن تشريعًا صحيًا فحسب، وإن كان يحمل حكمة صحية في كثير من الأحيان. كان بالدرجة الأولى تمييزًا للهوية الجماعية: • نحن من يأكل هذا ولا يأكل ذاك • نحن من يصوم في هذا اليوم ويحتفل في ذاك • نحن من يذبح بهذه الطريقة دون تلك في الإسلام، تحريم الخنزير وتشريع الذبح الحلال لم يكن مجرد قانون غذائي. كان تعريفًا للمجتمع ومرجعيته وعلاقته بالحياة والموت والألم. في اليهودية، أحكام الكشروت تبني جدارًا لطيفًا بين المطبخ اليهودي والمطبخ المحيط، صان الهوية اليهودية عبر عشرين قرنًا من الشتات. في البوذية، الامتناع عن اللحوم تعبير عن فلسفة عدم الأذى وصلة الإنسان بكل الكائنات الحية. في المسيحية، الخبز والخمر في القداس ليسا مجرد رمزين بل يمثّلان في عقيدة الكثيرين حضورًا حرفيًا للمقدس داخل المادة. الطعام المقدّس هو النقطة التي يلتقي فيها الجسد الفاني بالروح الأبدية. وهذه هي عبقرية الفكر الديني: أنه وجد في أبسط فعل إنساني، وهو الأكل، بوابةً للتأمل في الوجود.
الفصل السادس: الهجرة الكبرى وخريطة المذاق أو: كيف تحمل الشعوب مطابخها كما تحمل ذكرياتها ثمة مشهد يتكرر في كل هجرة في التاريخ: المهاجر يحمل في حقيبته الصغيرة ثياب السفر، وفي جيبه ما تبقى من المال، وفي قلبه ما لا يُحمل. لكنه يحمل أيضًا، إن استطاع، بذورًا أو توابل أو وصفة محفورة في الذاكرة. لأن الطعام هو آخر ما يتخلى عنه الإنسان من هويته. يمكنه أن يتعلم لغة جديدة، وأن يرتدي ثيابًا مختلفة، وأن يُغيّر اسمه إن اضطر. لكن حين يعود إلى بيته مع أهله، يُريد طعام أمه. يُريد طعم الانتماء. الطعام هو الوطن المحمول. وهكذا حين انتشر العرب المسلمون من إسبانيا إلى الهند، نشروا معهم طرق الطهي والتوابل وثقافة المائدة الجماعية. وحين هاجر المغاربة إلى فرنسا، جاؤوا بالكسكس والمرق العطري ليُقيم في قلب باريس. وحين نزح اليهود السفارديون من الأندلس، حملوا معهم وصفات أندلسية لا تزال تُطبخ في بيوت اليهود المغاربة حتى اليوم. كل مطعم في مدينة كبرى هو في الحقيقة متحف للهجرة الإنسانية. كل طبق عرقي في بلاد الاغتراب هو صرخة هوية خفية.
الفصل السابع: حين يُصبح الطعام سلطة أو: من يتحكم في الغذاء يتحكم في الناس قال هنري كيسنجر، مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق، عبارة تُكشف عن واقع لا يُريد أحد مواجهته: "من يتحكم في الغذاء يتحكم في الناس، ومن يتحكم في النفط يتحكم في الأمم، ومن يتحكم في المال يتحكم في العالم". عبر التاريخ، كانت المجاعة أداة سياسية قبل أن تكون كارثة طبيعية. في أحيان كثيرة، لم يكن الغذاء غائبًا في مكان ما بقدر ما كان ممنوعًا أو محتكرًا أو مُوجَّهًا. المجاعة الأيرلندية في القرن التاسع عشر تُدهشك حين تعرف أن إنجلترا كانت تُصدّر الغذاء من أيرلندا بينما يموت الأيرلنديون جوعًا. في القرن العشرين، استُخدمت أوكرانيا كمخزن للإمبراطورية السوفيتية وجُوِّعت شعوبها في الوقت ذاته. الطعام كان ولا يزال ورقة ضغط سياسية، وأداة للهيمنة الاستعمارية، وسلاحًا في الحروب الصامتة. وفي عالمنا الراهن، تتحكم شركات عملاقة في سلاسل الغذاء العالمية بطريقة تجعل مزارعًا صغيرًا في أفريقيا رهينة لقرارات تُتخذ في غرف مُغلقة على الجانب الآخر من الكرة الأرضية.
الفصل الثامن: الغزو الثقافي على المائدة أو: حين تُزاحَم الهوية في الصحن الغزو الثقافي يبدأ في كثير من الأحيان من الفم. حين تفتح سلاسل الوجبات السريعة فروعها في مدينة لها تاريخ طويل في ثقافة المائدة الجماعية والطبخ البيتي، هي لا تبيع فقط برجرًا وبطاطس مقلية. هي تبيع نمطًا في الحياة، ومفهومًا للوقت، وعلاقة مختلفة مع الطعام وتحضيره والجلوس إليه. المأكل السريع يقول للإنسان: لا وقت لديك. المائدة العائلية التقليدية تقول له: الوقت الذي نقضيه مع من نحبهم هو أثمن ما لدينا. هذه فلسفتان لا يمكنهما التعايش طويلًا دون أن تُسحق إحداهما. ولنكن صادقين: المسألة ليست رفضًا للتغيير أو نوستالجيا ساذجة نحو الماضي. فالتاريخ كما رأينا هو تاريخ تبادل مستمر بين الثقافات الغذائية، وهذا التبادل أثرى الحضارة الإنسانية. لكن الفرق الجوهري بين التبادل والغزو هو الاختيار الواعي. حين اعتمدت المطابخ العربية الطماطمَ قادمةً من الأمريكتين، فعلت ذلك بإرادتها وبإبداعها ودمجت الجديد في منظومتها الطهوية. أما حين تُفرض نماذج غذائية معلّبة ومصنّعة بقوة الإعلان والرأسمال، فذلك شيء مختلف. الأمة التي تفقد ثقافتها الغذائية في طريقها إلى فقدان شيء أعمق: قدرتها على إنتاج معنى حياتها الخاص.
الفصل التاسع: المائدة المشتركة فلسفة السلام والتعارف أو: لماذا لا يذبح الناس من يشاركونهم خبزهم ثمة حكمة بشرية عميقة تقول إن الجلوس إلى المائدة المشتركة هو فعل سلام بامتياز. في الثقافة العربية، الضيافة وكرم المائدة ليسا مجرد عادة اجتماعية. هما تعريف للعزة والشرف والإنسانية. وهناك بُعد فلسفي عميق في هذا: حين تُشارك خبزك مع غريب، أنت تعترف بإنسانيته قبل أن تسأل عن اسمه ودينه وأصله. "الملح والخبز" في الثقافة العربية، "الميثاق" في اليونانية، "كسر الخبز" في الإنجليزية... كل هذه التعابير تدل على أن المائدة المشتركة كانت منذ الأزل عقدًا اجتماعيًا لا يكسره شريف. وفي هذا درس للعالم المعاصر الذي صار ينتج الطعام ليأكله الناس وحدهم أمام شاشات إضاءتها الزرقاء.
رسالة في زجاجة على مائدة المستقبل حين تجلس إلى مائدتك غدًا، وأمامك خبزك وزيتك وشايك وما حضّرته يداك أو يدا أحد أحببته، تأمّل لحظة قصيرة في المسافة الهائلة التي قطعها كل ما أمامك. الخبز من قمح زُرع ربما في سهول مترامية، ومن قبله في حقول الهلال الخصيب قبل عشرة آلاف سنة، وتعلّم أحدهم أن يُخمّر العجين وأن يضعها في حرارة، وتناقلت الأجيال الوصفة. الزيت من زيتون عاش عمرًا ربما أطول من عمر الدول التي قامت وسقطت حوله. التوابل في طعامك ربما قاطعت محيطات وارتحلت على ظهور الجِمال وتحدّت العواصف البحرية حتى وصلت إلى يدك. أنت، حين تأكل، لست وحدك. معك كل الأجداد الذين زرعوا وطحنوا وطبخوا. معك كل البشر الذين هاجروا حاملين بذورهم. معك كل البحارة الذين خاطروا بحياتهم لجلب تابل جديد. معك كل العلماء والكهنة والأمهات الذين حوّلوا مادة خام إلى ثقافة وطقس وحضارة. المائدة هي المكان الوحيد الذي يجلس فيه التاريخ كله معنا في آن واحد. لذلك، يا صديقي القاريء، كُل بوعي. ليس فقط بمعنى الوعي الصحي، بل بمعنى الوعي الحضاري. اعرف ما تأكل ومن أين جاء ومن زرعه ومن نقله وما الثمن الإنساني الذي دُفع حتى يكون أمامك. وحين تُعدّ وجبة لأهلك أو ضيوفك، اعلم أنك لا تطبخ مجرد طعام. أنت تُعيد إنتاج حضارة. أنت تقول للعالم: أنا هنا، وأنا أُحبّ، وأنا أحمل هذا الموروث الإنساني العظيم وأُمرّره. وليس ثمة فعل أكثر إنسانية من هذا. ________________________________________ إن تاريخ الطعام ليس هامشًا في تاريخ الإنسانية، بل هو المتن ذاته. فالحضارات لم تبنِ هياكلها من الحجر والفكر فحسب، بل بنتها أيضًا من الدقيق والملح والنار. والشعوب التي تتذكر مائدتها تتذكر نفسها.
#عادل_الدول (هاشتاغ)
Adil_Al_Dool#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
بابُ الذاكرة — لا تأليهٌ ولا نسيان
-
الموت ومرآة الذات: حين يصبح الرحيل آخر فرصة لتثبيت المعنى
-
حين تصبح الكراهية هوية: الاستقطاب في المنطقة ومآلاته
-
حين يتحول الرئيس إلى رواية حية
-
حين تغيب إرادة الدولة، العراق بين الهياكل الفارغة ومأزق المس
...
-
الهجرة: حين يضيق الوطن على الروح
-
المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بين الواقع القائم والهواج
...
-
الدولة التي غيّرت تقويمها: الاحتفالات السياسية وبناء الهوية
...
-
الإلحاد في العراق بين الموقف الفلسفي وجرح الهوية
-
بعد قرن كامل: العراق الدولة المفقودة والشرعية المستحيلة
-
أوروبا بين مطرقة ترامب وسندان بوتين: هل حان وقت قرار المصير؟
-
الأمن القومي: بين الضرورة الاستراتيجية وإغراء الهيمنة - قراء
...
-
حين نتعلّم أن نحمل الألم دون أن نصبحه
-
منطق “الاحتواء بالتخويف”: كيف تُعاد هندسة إيران دون إسقاطها؟
-
التحرش الجنسي: ظاهرة عالمية تتجاوز الحدود الثقافية
-
إلقاء القبض على نيكولاس مادورو.. ماذا بعد؟
-
غادرت حصن اليقين
-
الذكاء الاصطناعي وزعزعة اليقين: بين انهيار الدليل وإعادة بنا
...
-
وثيقة بقاءٍ كتبتها امرأةٌ
-
المثقفون… حين يتحوّل الاختلاف إلى خصومة
المزيد.....
-
ترامب يتوجه إلى الصين في زيارة تطغى عليها خلافات بشأن حرب إي
...
-
ألمانيا ـ تقدم جديد لحزب البديل وتراجع حاد في تأييد المستشار
...
-
حوار مع الرئيس إيمانويل ماكرون في ختام قمة -أفريكا فوروارد-
...
-
أبرز الملفات التي تناولها ماكرون في لقاء خاص مع فرانس24
-
حرب الشرق الأوسط: ما هي الخيارات المطروحة أمام ترامب بعد الر
...
-
حصري: الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يُعلّق على السياسة الفر
...
-
صراع من أجل شهيق.. منع -الأكسجين- يهدد حياة الآلاف بغزة
-
ويلات سدي تيمان تلاحق طفلة مسنة وحفيدتيها بغزة
-
عمار العقاد للجزيرة: نخشى تعرض والدتي وشقيقتي لانتهاكات الاح
...
-
زيارة ترمب للصين.. هل تُعقّد المشهد الإيراني أم تفتح باب الح
...
المزيد.....
-
الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين
/ فؤاد عايش
-
أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية
/ محمود الفرعوني
-
قواعد الأمة ووسائل الهمة
/ أحمد حيدر
-
علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة
/ منذر خدام
-
قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف
...
/ محمد اسماعيل السراي
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية
/ د. خالد زغريت
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس
/ د. خالد زغريت
-
المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين
...
/ أمين أحمد ثابت
المزيد.....
|