أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - عزالدين محمد ابوبكر - هل هناك علاقة بين غاية الحياة ووجود حقوق الإنسان عند مي زيادة؟















المزيد.....

هل هناك علاقة بين غاية الحياة ووجود حقوق الإنسان عند مي زيادة؟


عزالدين محمد ابوبكر

الحوار المتمدن-العدد: 8705 - 2026 / 5 / 14 - 03:38
المحور: حقوق الانسان
    


تعد الأديبة والباحثة مي زيادة ظاهرة فكرية استثنائية في تاريخ النهضة العربية؛ حيث تجاوزت بعبقريتها حدود الكتابة الأدبية التقليدية لتلج آفاق الفلسفة الوجودية والمنزع الحقوقي الإنساني، وذلك لأن شخصية مي، التي لقبت بـ "أديبة الشرق"، كانت بوتقة انصهرت فيها ثقافات الشرق والغرب، مما جعل من صالونها الأدبي منارة للفكر الحر في عصرها، ولم تكن مي مجرد كاتبة، بل كانت صوتاً ينادي بكرامة الفرد وقيمة الوجود الإنساني، وكانت متفوقة بذلك على الكثير من أقرانها في تقديم رؤية فلسفية تربط بين غاية الحياة وبين الحقوق المتأصلة في الذات البشرية.

تتجلى فلسفة مي زيادة في رؤيتها للإنسان ككائن يسعى نحو الكمال؛ حيث اعتبرت أن غاية الحياة لا تكمن في البقاء المجرد، بل في تحقيق "التوهج" الفكري والروحي، وهذا المفهوم يتماشى بعمق مع الأسس التي قام عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والذي يؤكد في ديباجته على الكرامة المتأصلة في جميع أعضاء الأسرة البشرية، فبالنسبة لمي، إن الحياة تفقد معناها إذا ما جرد الإنسان من حقه في التفكير والتعبير، وهي حقوق تراها مرتبطة جوهرياً بغاية الوجود الإنساني ومبرر استمراره في هذا الكون الفسيح.

وإن الإرتباط الوثيق بين غاية الحياة وحقوق الإنسان عند مي يظهر في إدراكها بأن الحق في الحياة هو حجر الزاوية الذي تنبثق منه سائر الفلسفات، فبدون تأمين هذا الحق، لا يمكن للإنسان أن يمارس فعل التفلسف أو يبحث عن الغايات الكبرى، ومي ترى أن الوجود يسبق الجوهر في سياق الفعل والمسؤولية (أو هكذا أرى في كتابها عن غاية الحياة)؛ حيث يحمل كل فرد على عاتقه مسؤولية صياغة غايته الخاصة، وهذا المنظور يجعل من حقوق الإنسان التزاماً أخلاقياً ووجودياً يضمن للفرد البيئة الخصبة لاكتشاف ماهيته، وهو ما يجسد جوهر الفلسفة الوجودية في أرقى صورها الإنسانية.

وبالنظر إلى علاقة مي بأدباء عصرها، نجد أنها كانت المحرك الأساسي لحوارات فكرية عميقة حول الحرية والعدالة الاجتماعية، فلقد استطاعت بفنها الرفيع أن تنقل قضايا الحقوق من ردهات القانون إلى فضاءات الأدب الرحبة، مما جعلها مفهومة ومستساغة للعامة والنخبة على حد سواء، وإن تأثير معرفة غاية الحياة على تطبيق حقوق الإنسان يظهر في كون الإدراك الفلسفي للذات يحفز الفرد على المطالبة بحقوقه واحترام حقوق الآخرين، فالمعرفة هنا ليست ترفاً فكرياً بل هي أداة تغيير واقعية تلامس صلب الممارسة الحقوقية.

تقترب رؤية مي زيادة من الأطروحات التي قدمها جان بول سارتر في كتابه "الوجودية مذهب إنساني"، حيث ركزت على أن الإنسان هو مشروع يصنع نفسه بنفسه، وإن الإنسانية التي تحدثت عنها مي هي تلك التي تعترف بقدسية الحياة وبأن الحقوق ليست منحة من أحد، بل هي طبيعة ملتصقة بكيان الإنسان، وهذا الفكر يجعل من ممارسة الحقوق فعلاً وجودياً يؤكد حضور الإنسان وتأثيره في العالم، ويحول غاية الحياة من مجرد تطلعات فردية إلى منظومة جماعية تحمي كرامة البشرية جمعاء في مواجهة الظلم والاستبداد.

ولقد ركزت مي في سردها المتميز على أن (الحق في الحياة) يحدد مسار التفكير البشري، فالمعاناة والقيود تمنع العقل من التحليق في آفاق الحقيقة. لذا، فإن حقوق الإنسان في نظرها هي الضمانة الوحيدة التي تمكننا من ممارسة فعل "الكينونة" بشكل كامل، وإن التصاق الحقوق بالإنسان هو التصاق الجسد بالروح؛ فلا حياة كريمة بلا حرية، ولا غاية نبيلة بلا مساواة، وهذا الترابط المنطقي والواضح في فكرها يرسخ مفهوم المواطنة العالمية والمواثيق الدولية التي تسعى لحماية الإنسان بصفته قيمة عليا لا تقبل المساومة.

وإن الحياد الأكاديمي يتطلب منا الإعتراف بأن مي زيادة لم تكن تدعو إلى تمرد فوضوي، بل كانت تنادي بنظام إنساني مبني على الفهم العميق لغاية الوجود، وإن المعرفة بجماليات الحياة وجوهرها تدفع الإنسان تلقائياً نحو احترام القوانين التي تحمي الحقوق الأساسية، فالمعرفة هنا تؤثر بشكل مباشر على التطبيق؛ إذ إن الوعي بالحق يجعل من الدفاع عنه واجباً مقدساً، وهكذا صاغت مي معادلتها الوجودية؛ إنسان يعي غايته، هو إنسان يدرك حقوقه، وهو بالضرورة إنسان يساهم في بناء مجتمع يحترم كرامة الفرد وحريته.

تميز أدب مي زيادة بالعمق والشمولية؛ حيث ربطت بين الفن والجمال وبين القضايا الحقوقية المصيرية، ففي أعمالها، نجد صدى للمطالبات الإنسانية العظيمة التي تضمنها القانون الدولي المعاصر، وذلك لأنها ترى أن غاية الحياة هي الارتقاء بالنفس البشرية، وهذا الارتقاء لا يتحقق في ظل انتهاك حقوق الإنسان، بل إن تطبيق الحقوق هو المقياس الحقيقي لمدى تمدن المجتمعات وتحقيقها لغايات الوجود. لذا، فإن فكر مي يظل حياً وملهماً لكل المدافعين عن حقوق الإنسان، كونه يرتكز على أسس فلسفية وجودية تتجاوز الزمان والمكان.

ومن الناحية الإنسانية الصرفة، نجد أن مي قد أولت اهتماماً كبيراً لحقوق الفئات الأكثر ضعفاً، مما يعكس حسها الحقوقي العالي، فلقد كان دفاعها عن حقوق المرأة والطفل نابعاً من إيمانها العميق بأن غاية الحياة واحدة للجميع، وأن التمييز هو هدم للجوهر الإنساني، وإن الرؤية الوجودية عند مي ترفض أي تهميش، وتدعو إلى تمكين كل فرد من ممارسة حقوقه كجزء من رحلته نحو تحقيق الذات، وهذا التصور يجعل من حقوق الإنسان منظومة شاملة وغير قابلة للتجزئة، تهدف في النهاية إلى تحقيق السعادة والرفاهية للبشرية.

في الختام، يمكن القول إن مي زيادة قدمت نموذجاً فريداً للمثقف العضوي الذي يربط بين النظرية الفلسفية والممارسة الإنسانية، وإن علاقتها بأدباء عصرها لم تكن مجرد تبادل للمديح، بل كانت صراعاً فكرياً من أجل ترسيخ قيم الحق والخير والجمال، وإن غاية الحياة في فكرها هي المحرك الأول لكل فعل حقوقي، والمعرفة بهذه الغاية هي التي تمنح الحقوق قدسيتها وفعاليتها، فلقد استطاعت مي أن تثبت أن الوجودية*، حين تفهم بعمق، هي بالفعل مذهب إنساني يهدف إلى تحرير الإنسان وصون كرامته في كل زمان ومكان.

وإن السرد المنطقي والواقعي الذي اتبعته مي في كتاباتها يجنبنا أي تأويل خاطئ لمقاصدها الإنسانية السامية، فهي تضعنا أمام مرآة أنفسنا لنكتشف أن الحق في الحياة هو هبة مقدسة يجب أن تسيجها القوانين والمواثيق الدولية، وإن هذا المقال، في سعيه لرصد العلاقة بين غاية الحياة وحقوق الإنسان عند مي، يؤكد على أن الفلسفة الوجودية ليست مجرد ترف ذهني أو تفلسف لا نفع منه، بل هي ضرورة وجودية لتأصيل الحقوق وحمايتها، وبذلك تظل مي زيادة رمزاً للفكر الحر الذي لا يلين، ومنارة تضيء دروب الإنسانية نحو مستقبل يسوده العدل والمساواة.

إن الرسالة التي تركتها مي زيادة تتلخص في أن الوعي بالحق هو بداية التحرر، وأن غاية الحياة تكتمل حين ندرك أننا لسنا وحدنا في هذا العالم، بل نحن جزء من نسيج بشري واحد تجمعه الحقوق والواجبات، وإن التزامنا بالمواثيق الدولية والقانون الدولي هو ترجمة عملية لهذه الغاية الوجودية، فليكن فكر مي نبراساً لنا في فهم ذواتنا وفي تعاملنا مع الآخرين، ولتظل حقوق الإنسان هي البوصلة التي توجهنا نحو حياة أكثر إنسانية وجمالاً، بعيداً عن الصراعات والانتهاكات التي تمزق جوهر الوجود البشري.

المصادر:
- صفحة 25 وما بعدها، غاية الحياة؛ تأليف: مي زيادة، الناشر: مؤسسة هنداوي، تاريخ الصدور: 2013 (عن طبعة 1921)، الطبعة الحالية: (إلكترونية)، المدينة: القاهرة.
- صفحة 29 وما بعدها، مي زيادة: التوهج والأفول (حياتها - شخصيتها - أدبها - فنها)؛ تأليف: روز غريّب، الناشر: مؤسسة نوفل، تاريخ الصدور: 1978، الطبعة: الأولى، المدينة: بيروت.



#عزالدين_محمد_ابوبكر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صيف في الجزائر - ألبير كامو
- ما الفرق بين القانون الطبيعي والوضعي، وما علاقة حقوق الإنسان ...
- ما الذي يجعل شيئاً ما حقًا من حقوق الإنسان؟
- وقفة وجودية مع دولوز من أجل العود إلى الفلسفة
- يوم الكتاب بصحبة نيتشه
- رسالة رواقية ومواضيع وجودية
- هل هذا موجه لنا؟
- بريشيباييف... أو القانون لا يجيز الغناء!
- الإنسان أولاً: دليل المصريين لفهم الحق في الوجود والكرامة
- نور والحائط المفقود
- الحصيري: أو عن الوجود المتشظي واللا-سكون في الفكر والمكان!
- أدب محفوظ: في وقفات أنطولوجة قلقة!
- وهل الفلسفة الوجودية ”فلسفة أرشية“؟: نحو مقاربة مفاهيمية شعر ...
- ”الإنسان ليس إلا قصبة“: مقاربة وجودية بين الرومي وباسكال
- عن الفلسفة والتفكير، وخطر الأيديولوجية الإرهابية
- الفن ليس للتسلية، بل للفهم والتحول الوجودي!
- الألم لا يُشوّه الجمال ، لكنه يكشف عنه
- الشعر الرومانسي والشعر الوجودي: أيّهما أكثر تعبيرًا عن واقعن ...
- لماذا نسأل: لماذا؟ ، محاولة لبناء مدخل فلسفي موجز إلى أعمق ا ...
- قصيدة النرجس: قراءة وجودية و هرمنيوطيقية-أنطولوجية


المزيد.....




- منظمة العفو: تدمير إسرائيل منازل المدنيين عمداً في القنيطرة ...
- اللاجئون الفلسطينيون بلبنان.. ذكريات النكبة تُنسج مع مفاتيح ...
- في ذكرى النكبة الفلسطينية.. الجامعة العربية تؤكد الدور الحيو ...
- تصعيد في القدس والضفة: اقتحامات للأقصى وحملة اعتقالات تطال ج ...
- عراقجي: ندعو لمنع تسييس المؤسسات الدولية واتخاذ إجراءات عمل ...
- اليونيسف: مقتل وإصابة 59 طفلا على الأقل في لبنان خلال الأسبو ...
- إيران تنفذ حكما آخر بالإعدام مرتبطا باحتجاجات يناير
- بعثة إيران لدى الأمم المتحدة ترد على الضغوط السياسية الأمريك ...
- -لا يحبس السجن غير حارسه-.. تميم البرغوثي يواجه -بهجاتوس- بر ...
- في ثاني جلسات محاكمته .. دومة يطلب التحقيق في تعذيب المحتجزي ...


المزيد.....

- اتفاقية جوانب حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة وانعكاسا ... / محسن العربي
- مبدأ حق تقرير المصير والقانون الدولي / عبد الحسين شعبان
- حضور الإعلان العالمي لحقوق الانسان في الدساتير.. انحياز للقي ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- فلسفة حقوق الانسان بين الأصول التاريخية والأهمية المعاصرة / زهير الخويلدي
- المراة في الدساتير .. ثقافات مختلفة وضعيات متنوعة لحالة انسا ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نجل الراحل يسار يروي قصة والده الدكتور محمد سلمان حسن في صرا ... / يسار محمد سلمان حسن
- الإستعراض الدوري الشامل بين مطرقة السياسة وسندان الحقوق .. ع ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نطاق الشامل لحقوق الانسان / أشرف المجدول
- تضمين مفاهيم حقوق الإنسان في المناهج الدراسية / نزيهة التركى
- الكمائن الرمادية / مركز اريج لحقوق الانسان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - عزالدين محمد ابوبكر - هل هناك علاقة بين غاية الحياة ووجود حقوق الإنسان عند مي زيادة؟