أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - عزالدين محمد ابوبكر - ما الفرق بين القانون الطبيعي والوضعي، وما علاقة حقوق الإنسان بهما؟














المزيد.....

ما الفرق بين القانون الطبيعي والوضعي، وما علاقة حقوق الإنسان بهما؟


عزالدين محمد ابوبكر

الحوار المتمدن-العدد: 8696 - 2026 / 5 / 3 - 23:03
المحور: دراسات وابحاث قانونية
    


بينما يسعى الإنسان لتنظيم حياته (أو هكذا يعتقد على الأقل)، يجد نفسه أمام مرجعيتين تتنازعان سلطة التشريع إن جاز التعبير؛ حيث هناك قانون صاغته الطبيعة أو الإله في جوهر الوجود، وهناك قانون صاغته أيادي البشر لتسيير شؤونهم اليومية، وإن الجدل بين القانون الطبيعي والقانون الوضعي ليس مجرد خلاف أكاديمي، بل هو الصراع الوجودي حول مصدر "العدل"؛ وهل هو ثابت عابر للزمان والمكان، أم هو متطور يتبع مصلحة الجماعة وإرادة المشرّع في سياقها التاريخي؟

يستند القانون الطبيعي إلى رؤية وجودية ترى أن هناك نظاماً أخلاقياً متأصلاً في الكون، يمكن للعقل البشري اكتشافه دون الحاجة لنصوص مكتوبة، فالحق في الحياة والكرامة، وفق هذا المنظور، ليس منحة من الدولة، بل هو "حق أصيل" نابع من طبيعة الإنسان ككائن عاقل، وهنا تلتقي الفلسفة الوجودية مع الميتافيزيقا؛ فالفرد يمتلك حقوقاً قبل وجود المجتمع ذاته، وهذه الحقوق تسمو على أي قانون بشري قد يحاول المساس بها أو إنكار جوهرها.

وعلى النقيض تماماً، يأتي القانون الوضعي ليربط الشرعية بـ "الواقعية"، فالحق في الفقه الوضعي هو ما "وُضع" وسُنَّ من قبل سلطة مختصة في زمن معين، ولا يعترف الوضعيون بحقوق "هائمة" في سماء الأخلاق ما لم تُدرج في مدونة قانونية واضحة، وبالنسبة لهم، القانون هو أمر صادر عن صاحب سيادة ومقترن بجزاء مادي، والوجود هنا للفعل الإجرائي؛ فالحق لا يوجد إلا بوجود نص يحميه، والقيمة الأخلاقية للحق ثانوية أمام استقراره وثبوته القانوني.

تتجلى علاقة حقوق الإنسان بهذا الصراع في كونها "الجسر" الذي حاول توحيد هذين المسارين، فحقوق الإنسان في جوهرها هي "حقوق طبيعية" أُلبست ثوباً "وضعياً"، وعندما صاغ العالم "الإعلان العالمي لعام 1948"، كان الهدف هو تحويل المبادئ الأخلاقية السامية (القانون الطبيعي) إلى التزامات قانونية مكتوبة (القانون الوضعي)، وهذا التدوين جعل من المستحيل على الدول أن تتذرع بسيادتها لسحق الفرد، لأن الحق أصبح يتمتع بشرعية أخلاقية كونية وقوة قانونية إجرائية في آن واحد.

ومن منظور وجودي، يمثل القانون الطبيعي "الضمير"، بينما يمثل القانون الوضعي "العقد". وحقوق الإنسان هي الوثيقة التي تضمن ألا يطغى العقد على الضمير، فإذا شرعت دولة ما قانوناً وضعياً يجيز التعذيب، يتدخل القانون الطبيعي ليعلن بطلان هذا النص لمخالفته كرامة الإنسان، وهنا تظهر حقوق الإنسان كمعيار نقدي؛ فهي تمنح الفرد الحق الوجودي في التمرد على القوانين الوضعية "الجائرة" استناداً إلى قانون أسمى لا يملك البشر حق تغييره أو إلغائه.

وفي فلسفة القانون الحديثة، لم يعد الصراع صفرياً؛ بل أصبح القانون الوضعي يستمد رصانته من اقترابه من قيم القانون الطبيعي، وإن حقوق الإنسان الدولية اليوم هي بمثابة "قانون طبيعي مدوّن"؛ حيث يتم استلام القيم المطلقة مثل "الحرية" و"المساواة" وصياغتها في مواد قانونية مفصلة، وهذا التكامل يضمن ألا تظل الحقوق مجرد أحلام فلسفية، وألا تتحول القوانين الوضعية إلى أدوات صماء تفتقر للروح الإنسانية والبوصلة الأخلاقية التي تحمي وجودنا.

إذن، ما الذي يربط حقوق الإنسان بكلا القانونين؟

الرابط هو "الإنسان كغاية".

فالقانون الطبيعي يحدد "لماذا" نحمي الإنسان (لأنه قيمة مطلقة)، والقانون الوضعي يحدد "كيف" نحميه (عبر المحاكم والمعاهدات). وحقوق الإنسان هي ”اللغة“ التي تترجم هذا "الوجود" إلى "فعل"، فبدون الجذور الطبيعية تفتقر الحقوق للمشروعية، وبدون القوالب الوضعية تفتقر للفاعلية، وإنها علاقة عضوية تجعل من كرامة الفرد مركز الثقل الذي يدور حوله كل تشريع بشري أو إلهي.

وإن التوتر بين "ما هو كائن" (القانون الوضعي) و"ما يجب أن يكون" (القانون الطبيعي) هو المحرك لتطور حقوق الإنسان عبر التاريخ، فكلما اكتشف الإنسان جانباً جديداً من هشاشته الوجودية، سعى لفرض حمايتها عبر القوانين، وهذا السرد المنطقي يقودنا إلى حقيقة أن حقوق الإنسان هي الضمانة الوحيدة ضد تحول القانون إلى مجرد إرادة للقوة؛ فهي تذكير دائم بأن السيادة الحقيقية هي سيادة العدل النابع من صميم الطبيعة البشرية، لا سيادة النصوص المجرّدة.

وإن فهمنا للفرق بين القانونين يجعلنا ندرك قيمة ما نملكه من وثائق حقوقية.

فنحن لا نطالب بحقوقنا لأن الدولة منحتها لنا، بل لأننا بشر؛ ونحن نتمسك بتدوينها في القوانين الوضعية لنضمن أن يظل هذا الاعتراف واقعاً ملموساً، وإنها رحلة الروح الإنسانية في البحث عن الأمان والحرية، رحلة تبدأ من تساؤل العقل عن "الحق" وتنتهي بوقوف الفرد واثقاً أمام السلطة، متسلحاً بقانون يحترم وجوده وكرامته كإنسان فوق كل اعتبار.

وبهذا نحن نكتشف أن حقوق الإنسان ليست مجرد فرع قانوني*، بل هي "خلاصة الوعي البشري"، وإنها التجلي الأسمى للتصالح بين ما هو طبيعي فطري وما هو وضعي إجرائي، مما يخلق سياجاً يحمي الكيان الإنساني من التآكل تحت وطأة الظروف السياسية أو الأيدولوجية، ويضمن أن يظل صوت العدالة مسموعاً مهما تباينت لغات المشرعين أو اختلفت مصالح القوى السياسية.

مستوحى من أطروحة جيرمي والدرون في دليل كامبريدج لفلسفة القانون، تحرير جون تاسيولاس، ترجمة د. عبد الله الركف، الفصل الثامن (231-240).



#عزالدين_محمد_ابوبكر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ما الذي يجعل شيئاً ما حقًا من حقوق الإنسان؟
- وقفة وجودية مع دولوز من أجل العود إلى الفلسفة
- يوم الكتاب بصحبة نيتشه
- رسالة رواقية ومواضيع وجودية
- هل هذا موجه لنا؟
- بريشيباييف... أو القانون لا يجيز الغناء!
- الإنسان أولاً: دليل المصريين لفهم الحق في الوجود والكرامة
- نور والحائط المفقود
- الحصيري: أو عن الوجود المتشظي واللا-سكون في الفكر والمكان!
- أدب محفوظ: في وقفات أنطولوجة قلقة!
- وهل الفلسفة الوجودية ”فلسفة أرشية“؟: نحو مقاربة مفاهيمية شعر ...
- ”الإنسان ليس إلا قصبة“: مقاربة وجودية بين الرومي وباسكال
- عن الفلسفة والتفكير، وخطر الأيديولوجية الإرهابية
- الفن ليس للتسلية، بل للفهم والتحول الوجودي!
- الألم لا يُشوّه الجمال ، لكنه يكشف عنه
- الشعر الرومانسي والشعر الوجودي: أيّهما أكثر تعبيرًا عن واقعن ...
- لماذا نسأل: لماذا؟ ، محاولة لبناء مدخل فلسفي موجز إلى أعمق ا ...
- قصيدة النرجس: قراءة وجودية و هرمنيوطيقية-أنطولوجية
- البيان القومي الوجودي الإنساني: رؤية فلسفية في جدلية الهوية ...
- وليم وردزورث: بين السمات الرومانسية والقراءة الوجودية


المزيد.....




- الأمم المتحدة: -إسرائيل- تقتل طفلاً فلسطينياً كل أسبوع في ال ...
- برعاية الأمم المتحدة.. لجنة 4+4 الليبية تعقد اجتماعها الثاني ...
- العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش تحذران من تضييق غير مسبوق عل ...
- القمة الفرنسية الأفريقية المشتركة -أفريقيا إلى الأمام-... آف ...
- 78 عامًا على النكبة.. الفلسطينيون يستحضرون ذاكرة التهجير بمس ...
- الكويت: اعتقال 4 من الحرس الثوري الإيراني -حاولوا التسلل- إل ...
- يونيسف: هجمات المستوطنين الإسرائيليين تهدد سلامة الأطفال الف ...
- العفو الدولية تتهم اتحاد البث الأوروبي بالجبن تجاه جرائم إسر ...
- الأمم المتحدة: 880 قتيلا مدنيا على الأقل بالمسيّرات منذ بداي ...
- مناقشات خليجية بريطانية لتذليل المعوقات المتعلقة باتفاقية ال ...


المزيد.....

- الوضع الصحي والبيئي لعاملات معامل الطابوق في العراق / رابطة المرأة العراقية
- التنمر: من المهم التوقف عن التنمر مبكرًا حتى لا يعاني كل من ... / هيثم الفقى
- محاضرات في الترجمة القانونية / محمد عبد الكريم يوسف
- قراءة في آليات إعادة الإدماج الاجتماعي للمحبوسين وفق الأنظمة ... / سعيد زيوش
- قراءة في كتاب -الروبوتات: نظرة صارمة في ضوء العلوم القانونية ... / محمد أوبالاك
- الغول الاقتصادي المسمى -GAFA- أو الشركات العاملة على دعامات ... / محمد أوبالاك
- أثر الإتجاهات الفكرية في الحقوق السياسية و أصول نظام الحكم ف ... / نجم الدين فارس
- قرار محكمة الانفال - وثيقة قانونيه و تاريخيه و سياسيه / القاضي محمد عريبي والمحامي بهزاد علي ادم
- المعين القضائي في قضاء الأحداث العراقي / اكرم زاده الكوردي
- المعين القضائي في قضاء الأحداث العراقي / أكرم زاده الكوردي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - عزالدين محمد ابوبكر - ما الفرق بين القانون الطبيعي والوضعي، وما علاقة حقوق الإنسان بهما؟