أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عزالدين محمد ابوبكر - يوم الكتاب بصحبة نيتشه














المزيد.....

يوم الكتاب بصحبة نيتشه


عزالدين محمد ابوبكر

الحوار المتمدن-العدد: 8687 - 2026 / 4 / 24 - 03:00
المحور: قضايا ثقافية
    


بمناسبة اليوم العالمي للكتاب، وفي ظل احتفاء العالم بسحر الكلمة وقوة الفكر، نغوص في أعماق مفهوم "القراءة" لدى واحد من أعظم فلاسفة التاريخ، وهو فريدريك نيتشه، هذا المفكر الألماني الذي لم يسعَ يوماً لهدم القيم الإنسانية النبيلة، بل كان يدعو دوماً إلى تجديد الروح وإعادة إحياء العقل والوجدان، بما يتناغم مع البحث عن التميز والارتقاء بالنفس، وهو ما يتقاطع مع فطرة المصريين التواقين دوماً للمعرفة العميقة التي تعمر الأرض والنفوس.

نيتشه، ذلك الفيلسوف الذي عاش حياته متأملاً في مصير الثقافة الإنسانية، لم يركز في فلسفته على الماديات الزائلة، بل صبَّ اهتمامه على كيفية صناعة إنسان قوي بفكره وأخلاقه، إنسان لا ينقاد وراء السطحية بل يغوص في معاني الوجود. وفي كتابه "عن مستقبل مؤسساتنا التعليمية"، يضع لنا دستوراً أخلاقياً للقراءة الجادة، لا يتعارض أبداً مع قيمنا الأصيلة التي تقدس العلم والسكينة والتأمل، بل يشجعنا على نبذ العجلة والزحام المادي الصاخب.

ويحدد نيتشه ثلاث صفات جوهرية للقارئ الحقيقي، أولها "الهدوء والسكينة". فالقراءة بالنسبة له ليست مجرد عملية آلية لمسح الحروف، بل هي طقس يتطلب وقتاً طويلاً وتدبراً عميقاً، وفي عالمنا السريع، يذكرنا نيتشه بضرورة أن "يملك القارئ وقتاً"، وألا يقيس قيمة الكتاب بالسرعة التي ينهيه بها، بل بمقدار الأثر الذي يتركه في وجدانه، تماماً كما يتأمل المصري القديم أسرار الحياة والخلود في جدران معابده العظيمة بصبر وفهم.

أما الصفة الثانية، فهي "التجرد من الانحيازات الشخصية"؛ حيث يدعو نيتشه القارئ ألا يقحم ثقافته الخاصة المسبقة ليحاكم بها النص، بل أن يمنح نفسه فرصة الاستماع لصوت المؤلف بإنصاف، وهذا التواضع المعرفي هو مفتاح التعلم الحقيقي؛ فالإنسان الذي يدعي الكمال الثقافي لن يتعلم شيئاً جديداً. القراءة الحقيقية هي حوار صامت بين روحين، تقتضي منا أن نترك مساحة للاختلاف ولرؤية العالم من زوايا جديدة تعزز من فهمنا الشامل للواقع الإنساني.

الصفة الثالثة والأهم هي "عدم انتظار النتائج السريعة"، لأن نيتشه لا يقدم معادلات جاهزة أو حلولاً سحرية بضغطة زر، بل يقدم "تأملات" تحتاج لمن يقرأ ما بين السطور، وهو يرفض التعليم الذي يحول الإنسان إلى مجرد آلة تحفظ القواعد لتفرغها في الامتحانات، وبدلاً من ذلك، يدعو إلى تعليم يبني "الثقافة الروحية" التي تجعل الفرد قادراً على مواجهة الحياة بحكمة وشجاعة، وهو ما نحتاجه اليوم لإعداد أجيال واعية ومثقفة.

نيتشه يرى أن القراءة "تسلية ممتعة" للعقل الراقي، وليست مجرد وسيلة لكتابة النقد أو الجدال العقيم، وإن القارئ الذي يعشقه نيتشه هو ذلك الذي يضع الكتاب جانباً ويظل يفكر فيما قرأه لساعات، يحلل، ويقارن، ويستلهم. هذا النوع من "المسرفين العبثيين" في الوقت هم في الحقيقة أغنى الناس، لأنهم يمتلكون رفاهية التأمل في مستقبل الإنسانية، وهم الذين يبنون جسوراً بين عظمة الماضي وتطلعات المستقبل بنظرة ثاقبة وروح نقية.

وفلسفة نيتشه تدور حول "بناء الإنسان"، وهي فلسفة تلهمنا في يوم الكتاب العالمي أن نعيد النظر في علاقتنا بالمكتبة، نيتشه ليس "مدمر القيم" كما يشاع خطأً، بل هو "بشير" يدعو النخب الصادقة والمفكرين السامين للخروج من عزلتهم للمشاركة في معركة الوعي، وإنه ينادي كل من يشعر بفساد الذوق العام أن يتمسك بجمال الفكر والكلمة، تماماً كما يتمسك المصري بجذوره الثقافية الضاربة في أعماق التاريخ، متميزاً بأصالته.

إننا في مصر، وبما نملكه من رصيد حضاري هائل، ندرك أن القراءة هي حصننا الأخير ضد "الهمجية الحديثة" التي حذر منها نيتشه. تلك الهمجية التي تجعل الإنسان عبداً للمادة والسرعة السطحية. لذا، دعونا في هذا اليوم نتعهد بأن نكون "قراء نيتشه الهادئين"، الذين يجدون في الكتاب ملاذاً، وفي الفلسفة طريقاً للارتقاء، وفي التأمل وسيلة لتحقيق كرامة الإنسان، لنصنع مستقبلاً يليق بأمة علمت العالم يوماً كيف يمسك بالقلم ويكتب.

ختاماً، إن الاحتفال باليوم العالمي للكتاب هو دعوة للتوقف عن الهرولة المجنونة خلف الشاشات والعودة إلى رائحة الورق وعمق المعنى. وكما قال نيتشه، فإن هذا الكتاب "بشيركم"، والكلمة الصادقة هي السلاح الأقوى في معركة العقل. فلنكن جادين في خدمتنا لثقافة متجددة ومطهرة، ولنجعل من القراءة فعلاً يومياً يعيد صياغة وعينا، ويحفظ هويتنا، ويرتقي بأرواحنا نحو آفاق أرحب من المعرفة والجمال، في ظل وطن يبني ويقرأ ويستنير.



#عزالدين_محمد_ابوبكر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رسالة رواقية ومواضيع وجودية
- هل هذا موجه لنا؟
- بريشيباييف... أو القانون لا يجيز الغناء!
- الإنسان أولاً: دليل المصريين لفهم الحق في الوجود والكرامة
- نور والحائط المفقود
- الحصيري: أو عن الوجود المتشظي واللا-سكون في الفكر والمكان!
- أدب محفوظ: في وقفات أنطولوجة قلقة!
- وهل الفلسفة الوجودية ”فلسفة أرشية“؟: نحو مقاربة مفاهيمية شعر ...
- ”الإنسان ليس إلا قصبة“: مقاربة وجودية بين الرومي وباسكال
- عن الفلسفة والتفكير، وخطر الأيديولوجية الإرهابية
- الفن ليس للتسلية، بل للفهم والتحول الوجودي!
- الألم لا يُشوّه الجمال ، لكنه يكشف عنه
- الشعر الرومانسي والشعر الوجودي: أيّهما أكثر تعبيرًا عن واقعن ...
- لماذا نسأل: لماذا؟ ، محاولة لبناء مدخل فلسفي موجز إلى أعمق ا ...
- قصيدة النرجس: قراءة وجودية و هرمنيوطيقية-أنطولوجية
- البيان القومي الوجودي الإنساني: رؤية فلسفية في جدلية الهوية ...
- وليم وردزورث: بين السمات الرومانسية والقراءة الوجودية
- التفكير القمري والتفكير الشمسي: قراءة في جدلية الإدراك والتك ...
- قراءة ديالكتيكيّة للأحلام ، ونظرات أخرى
- الوعي والتفكير القمري: نحو فهم الوجود من خلال أنماط الإدراك ...


المزيد.....




- وسط ضجة -الأرملة-.. ترامب يمازح ميلانيا بمدة زواج والديه
- ترشيح الزيدي لرئاسة الحكومة العراقية يفاجئ الأوساط السياسية ...
- -تدوير الأنقاض- شريان حياة طارئ لترميم طرق غزة
- آفاق الرؤية الرقمية.. هل تنهي -بولستار 4- عصر الزجاج الخلفي؟ ...
- وهم أم حقيقة؟ تقنية -الهمس الشبحي- التي أنقذت الطيار الأمريك ...
- كذب أم مناورة؟.. هل طلبت طهران من واشنطن فتح مضيق هرمز؟
- أين الأحزاب العربية من تحالف بينيت-لابيد؟
- روسيا تُنهي لعبة العزلة الدبلوماسية لإيران
- الأول من مايو.. ساعة الحقيقة بين ترمب والكونغرس بشأن حرب إير ...
- إسرائيل تقتل 12 بهجمات على جنوب لبنان وترمب يدعو نتنياهو للت ...


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عزالدين محمد ابوبكر - يوم الكتاب بصحبة نيتشه