عزالدين محمد ابوبكر
الحوار المتمدن-العدد: 8641 - 2026 / 3 / 9 - 04:48
المحور:
الادب والفن
- هل أنت حقيقي؟ أم مجرد ممثل؟...
انك بالنهاية لا تعدو كونك نسخة عن ممثل...
صـ ٢٠، غسق الأوثان؛ تأليف: فريدريش نيتشه؛ ترجمة: علي مصباح، الطبعة الأولى - ٢٠١٠، منشورات الجمل، بيروت.
تبدو الشاشات اليوم وكأنها مرآة محدبة، لا تعكس الواقع بقدر ما تشوهه؛ حيث يبرز تساؤل ملح حول جدوى السرديات المكررة في المسلسلات الحديثة، ويلاحظ المتابع تراجعاً حاداً في القصدانية الفنية، إذ تحولت الأعمال إلى قوالب جاهزة تفتقر إلى العمق الفكري، وكأنها مجرد "سد خانة" زمنية، وهذا الهبوط في المستوى لا يعكس صدفة، بل يشير إلى نمط إنتاجي يتعمد التسطيح وتغييب المعنى خلف ستار من الإثارة الرخيصة.
يمكن تحليل هذه الظاهرة من خلال منظور مدرسة فرانكفورت و روادها، وتحديداً مفهوم "الصناعة الثقافية" الذي حول الفن إلى سلعة استهلاكية فاقدة للروح، وإن صناع هذه الأعمال لا يستهدفون الارتقاء بالذوق العام، بل يكرسون نمط "التشييء"؛ حيث يتم التعامل مع المشاهد ككتلة رقمية ترفع نسب المشاهدة لا كعقل واعي، وهذا التنميط يؤدي إلى خلق ما يمكن تسميته بـ ”الوعي زائف“ الذي يتقبل الرداءة كمعيار وحيد، مما يفرغ الفن من وظيفته النقدية والجمالية.
ومن جهة أخرى، تتبنى هذه المسلسلات رؤية "سوداوية" مفرطة تدعي الواقعية، بينما هي في الحقيقة تغرق في العدمية (السلبية) التي ناقشتها الفلسفة الوجودية، بدلاً من طرح أسئلة الوجود والحرية والمسؤولية؛ حيث تكتفي هذه السرديات بعرض القبح والانهيار القيمي كقدر محتوم، مما يسلب الإنسان إرادته في التغيير، وهذا التركيز على الجانب المظلم فقط يغيب "الماهية" الحقيقية للمجتمع، ويحول القلق الوجودي المثمر إلى مجرد يأس اجتماعي محبط للهمم.
إن غياب القصدية في الكتابة يجعل من الشخصيات مجرد دمى تتحرك في بيئات قاسية، مما يشوه صورة مصر ويحصرها في العشوائية والبلطجة، ويتناسى المنتجون أن الدراما هي القوة الناعمة التي ترسم هوية الشعوب في الخارج، وبدلاً من إظهار التعددية الثقافية، يتم تصدير نماذج مشوهة إلى الشاشة، وهذا الإصرار على تصوير "القاع" كأنه السطح الوحيد، ينم عن عدم اكتراث بالأمانة الفنية أو بالمسؤولية الأخلاقية تجاه الوطن وتاريخه الدرامي العريق.
ويتجلى التهكم في أن هذه الأعمال تدعي مخاطبة "الشعب"، بينما هي تنفصل عنه تماماً متجاهلة لطموحاته وقيمه الأصيلة والنبيلة، وصناع القرار الفني يسقطون في فخ التكرار الممل؛ حيث تتشابه الحبكات لدرجة تجعل المشاهد يشعر بالاغتراب تجاه ما يراه على شاشته الخاصة، إنها عملية "تخدير" جماعي تجعل من القبح مادة للترفيه، مما يؤدي تدريجياً إلى تآكل الحاسة النقدية لدى الجمهور، وقبول الهابط كبديل عن الإبداع.
والحياد الأكاديمي يفرض علينا الاعتراف بأن الفن ليس ملزماً بالمثالية، لكنه ملزم بالمنطق والجودة، وهو ما يفتقده المشهد الحالي بشدة، عندما يطغى الربح المادي على القيمة الفنية، تصبح المسلسلات مجرد ضجيج بصري يملأ الفراغ دون ترك أثر وجداني أو عقلي باقٍ، وهذا الانحدار في الذوق العام ليس نتاجاً لفقر المواهب، بل هو نتيجة لسياسة إنتاجية تفضل الاستسهال وتخشى التجريب الحقيقي الذي يحترم ذكاء المتلقي.
يظل السؤال "هل هذا موجه لنا؟" صرخة (أطلقها من رأى الفن الحقيقي) في وجه العبث الفني الذي يهدد الهوية الجمالية للمجتمع المصري المعاصر، وإن استعادة الريادة الدرامية تتطلب العودة إلى الفن كقيمة وجودية ورسالة سامية، بعيداً عن تجارة القبح والسوداوية المجانية التي لا تخدم سوى مصالح ضيقة. نحن بحاجة إلى سرديات تحترم وعينا، وتعيد بناء ما أفسدته آلات الإنتاج النمطية التي جعلت من الدراما مجرد استهلاك يومي بلا معنى.
وإن تكريس صورة "الإنسان المستباح" في الدراما الحديثة يمثل انتهاكاً صارخاً للحق في الكرامة المتأصلة؛ حيث يتم اختزال الفرد في مشاهد العنف الممنهج كأداة للترفيه، وهذا التوجه لا يعرض الواقع بقدر ما يشرعن استلاب الحقوق الأساسية، محولاً الجسد البشري إلى مساحة لتفريغ الشحنات السادية لدى المشاهد، وعندما تغيب الحماية القانونية والأخلاقية عن الشخصية الدرامية، فإننا نؤسس لثقافة تقبل التعدي على الحق في الأمان الشخصي والخصوصية في الواقع المعيش، وإن المسلسل الذي يحرض على ما يمكن تسميته بـ "قانون الغابة" يسهم بشكل مباشر في تآكل العقد الاجتماعي، ويجعل من انتهاك حقوق الآخرين مجرد وجهة نظر درامية مقبولة.
تتجلى الخطورة الوجودية في هذه الأعمال عندما يتم تصوير "الظلم" كقدر بيولوجي أو اجتماعي لا يمكن الفكاك منه، مما يغتال حق الإنسان في تقرير المصير، والوجودية تؤكد أن "الوجود يسبق الماهية"، أي أن الإنسان حر في صنع نفسه، لكن هذه السرديات النمطية تحبسه داخل "ماهية" إجرامية أو ضحية بائسة سلفاً، وهذا التأطير يسلب الفرد فاعليته الأخلاقية، ويحوله من كائن "مشروع" نحو المستقبل إلى مجرد "مفعول به" في دراما رخيصة، وإن إهدار القيمة الوجودية للإنسان على الشاشة هو تمهيد فكري لإهدار حقوقه في الواقع؛ حيث يصبح القمع مبرراً تحت شعار "هذا هو حال الدنيا".
إن التحريض المستتر في الحبكات الدرامية على التمييز والتنمر يضرب في مقتل مبدأ المساواة، وهو الركيزة الأولى للإعلان العالمي لحقوق الإنسان؛ عندما يتم استغلال الفئات الأكثر ضعفاً أو تهميشها في أدوار كاريكاتورية مهينة، فإن الفن هنا يتحول إلى أداة قمع طبقية تكرس التراتبية الظالمة، وهذا النوع من "الدراما التحريضية" يغذي خطاب الكراهية، ويمنح شرعية ثقافية لنبذ الآخر أو الحط من قدره الإنساني بناءً على خلفيته الاجتماعية، وإن الرسالة المبطنة التي تصل للجمهور هي أن الحقوق ليست للجميع، بل لمن يملك القوة أو النفوذ، مما يهدم سنوات من الكفاح الحقوقي في سبيل العدالة.
ومن منظور فلسفي، يمثل "الحق في الوعي" ضرورة وجودية، وهو ما يتم انتهاكه عبر سياسة التسطيح الدرامي التي تمارس "تزييف الوعي" الجماعي، وهذه المسلسلات تخلق بيئة عدائية للحق في المعرفة والتفكير النقدي؛ حيث تكتفي بحقن المشاهد بجرعات من "الأدرينالين" البصري الذي يعطل ملكة الحكم لديه، وإن تغييب العقل في مواجهة القبح الدرامي هو نوع من الاستبداد الناعم الذي يسلب الإنسان حقه في تكوين رأي حر ومستنير تجاه قضايا مجتمعه، وعندما يتوقف المشاهد عن التساؤل "لماذا؟" ويكتفي بمتابعة "ماذا سيحدث؟"، فإنه يفقد جوهره ككائن سياسي وأخلاقي، ويتحول إلى تابع في قطيع ثقافي يساق نحو العدمية ويا ليتها كانت ذات فائدة أو قصد!
العلاقة بين الفن والمسؤولية الأخلاقية تفرض حماية "الحق في التنمية الثقافية"، وهو حق يقتضي تقديم نماذج تلهم الإنسان للارتقاء بوجوده لا الانحدار به، وإن الإصرار على تصدير "البلطجة" كنموذج للبطولة يمثل تحريضاً غير مباشر على خرق القوانين وتقديس العنف كبديل عن الحوار السلمي، وهذا التشويه للقدوة يدمر النسيج القيمي للأجيال الناشئة، ويجعل من انتهاك حقوق الغير طريقاً وحيداً لتحقيق الذات الموهومة، والدراما التي تفتقر للقصدية الأخلاقية هي دراما معادية للإنسان، لأنها تفرغ كينونته من معناها السامي، وتستبدلها بصراع مادي بحت يتصادم مع جوهر الوجود المتناغم.
ويشكل "الحق في بيئة ثقافية آمنة" جزءاً لا يتجزأ من جودة الحياة التي تسعى المنظمات الحقوقية لترسيخها، إلا أن التلوث البصري والسمعي في الدراما يهدد هذا الحق؛ حيث إن عرض المشاهد التي تحط من قدر المرأة أو تعنف الطفل تحت مسمى "نقل الواقع" هو في الحقيقة إعادة إنتاج للانتهاك وتطبيع معه، والفن الذي لا يحترم حرمة الجسد البشري وكرامة الروح، يسقط في فخ "السلعنة" التي انتقدتها مدرسة فرانكفورت وروادها أمثال هربرت ماركيوز وثيودور ادورنو؛ حيث يصبح الإنسان مجرد مادة أولية للربح، وهذا النهج الإنتاجي يعكس استهتاراً بالقيم الكونية، ويجعل من الشاشة منصة لتصدير ثقافة الخوف والاضطهاد بدلاً من ثقافة الأمل والتحرر.
وفي الصراع بين "الماهية" و"الوجود"، تبرز أهمية الفن كأداة لاستعادة كرامة الإنسان من براثن النمطية الإنتاجية التي تحاول "تنميط" المشاعر الإنسانية، وإن الحق في التعبير لا يعني الحق في تدمير الذوق العام أو التحريض على هدم الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين عبر صور نمطية مشوهة، وإن الهوية المصرية، بعمقها التاريخي، تستحق دراما تعترف بالإنسان كقيمة عليا، لا كترس في آلة استهلاكية تقتات على غرائزه البدائية، واستعادة "الإنسان" في الدراما هي الخطوة الأولى لاستعادة حقوقه في الواقع، فالوعي بالحق يبدأ من رؤية هذا الحق محترماً ومجسداً في أرقى أشكال التعبير الإنساني.
ختاماً في مأساة لا نهاية لها، يبدو أن مواجهة هذا العبث تتطلب "ثورة جمالية" تعيد الاعتبار للحقوق الثقافية والوجودية كجزء أصيل من حقوق الإنسان التي لا تقبل التجزئة، ولا يمكن بناء مجتمع يحترم القانون والحرية بينما تتغذى مخيلته اليومية على سرديات تمجد القوة الغاشمة وتزدري الضعف الإنساني، وإننا بحاجة إلى "تعاقد درامي" جديد، يضع كرامة الإنسان وسلامته الفكرية فوق اعتبارات السوق، ويؤمن بأن الفن هو حارس الحقوق وليس الجلاد الذي يجلد وعي الشعوب بآلات القبح، والدراما الحقيقية هي التي تفتح آفاق الوجود، لا التي تغلقها في وجه المشاهد، لتعلن أن الإنسان لا يزال هو الغاية والهدف.
#عزالدين_محمد_ابوبكر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟