أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عزالدين محمد ابوبكر - بريشيباييف... أو القانون لا يجيز الغناء!














المزيد.....

بريشيباييف... أو القانون لا يجيز الغناء!


عزالدين محمد ابوبكر

الحوار المتمدن-العدد: 8634 - 2026 / 3 / 2 - 20:13
المحور: الادب والفن
    


من لم يسمع بالكاتب العظيم أنطون تشيخوف؟
بالتأكيد هناك من لم يسمع به على الكرة الأرضية، لكنه يبقى من أبرز الأسماء في عالم الأدب العالمي والروسي. هو "طبيب الأدب الروسي"؛ الذي نظر في وجوه الناس وإلى أعماقهم، ليكتب لنا قصصاً قصيرة يغوص فيها بمشرطه في أغوار الروح البشرية، كاشفاً تناقضاتها. في عالم تشيخوف، لا توجد بطولات خارقة أو ملاحم كبرى كـ "الحرب والسلام"، بل هناك الإنسان؛ الإنسان العادي المحاصر في تفاصيل حياته اليومية الرتيبة، والمطارد بالأسئلة الوجودية الكبرى وسط ضجيج عالمنا التافه.
عالم تشيخوف هو عالم التفاصيل الصغيرة؛ حيث الكلمات التي لم تُقَل. قصصه قصيرة في حجمها، لكنها لا نهائية في دلالاتها. أديبنا هذا لا يحكم على أبطاله؛ فهو لا يدين البطل ولا يمدح الفلاحين، بل يصدمنا بيده البيضاء التي تمسك قلماً، لأنه يضع القارئ أمام مرآة ليرى المجتمع بعبثيته وقسوته. لكن أكثر ما قد يؤلم المرء عند القراءة للمعلم تشيخوف، هو أنه حين يضحك على حماقة بطل أو فعل فرد من الفلاحين، يكتشف أنه يضحك على نفسه أو على مجتمعه. قصصه تبدأ باردة وتنتهي باردة، ليس في السرد بل في الموقف، وهي قصص تمثل استقطاعاً من أيام يعيشها الناس وتوثيقاً لها. قد يغضب البعض من هذا الكلام، لكن هذا ما أحسست به عندما قرأت قصصه ورأيتها متجسدة في واقعنا الغريب! وفي قصة اليوم، نرى بعض القيم والمواقف التي تستحق التأمل.
قصة العريف بريشيباييف
تعد هذه القصة، التي كُتبت عام 1885، واحدة من أبرز قصص تشيخوف؛ حيث لا يكتب فيها عن مجرد عريف متقاعد يفتعل المشاكل، بل عن وقفات أنطولوجية يحياها الناس. تدور ملامح القصة في قاعة محكمة ريفية بسيطة، تتحول بسرد تشيخوف المثير إلى مسرح إنساني لمواجهة بين عصرين وقيمتين.
أكثر ما يشد الانتباه هو تقديم نموذج بشري عابر للأزمنة؛ فـ "البريشيباييفية" هي حالة يعتقد فيها الفرد أن واجبه الأسمى هو خنق حرية الآخرين باسم القانون، بينما هو أبعد ما يكون عن روح القانون. نجد في القصة رؤيتين مثيرتين: الأولى رؤية "بريشيباييف" الذي يرى العالم فوضى تحتاج للضبط والربط دائماً، فإذا رأى مجموعة فرحة، لا يرى بهجتهم بل يرى تجمعهم "غير قانوني". الوجود بالنسبة له هو "الترتيب"، وأي خروج عن النص هو خطيئة تستوجب التدخل اليدوي. الرؤية الثانية هي رؤية القاضي، الذي يحاول إفهام بريشيباييف بأن وظيفته قد انتهت، وأن السلطة ليست مشاعاً.
تكمن المأساة الكوميدية في أن بريشيباييف يمارس القمع انطلاقاً من إخلاص مرضي، معتقداً بصدق أنه يحمي النظام العام. وهنا يهمس تشيخوف بسؤال قلق: هل يمكن للفضيلة أن تتحول إلى رذيلة إذا تجردت من الوعي؟ بريشيباييف لا يفهم لماذا يُحاكم، لأنه في نظره يؤدي واجبه، تماماً كحال البعض في مجتمعنا. لديه قناعة راسخة بأن "الرعاع" يحتاجون دائماً لمن يفرقهم، ويبرز في السرد تباين بين خشونته وهدوء القاضي الذي يحاول عبثاً استخدام المنطق معه. قوله: "الناس لا يفهمون، إنهم كالبهائم..." يلخص نظرته للعالم؛ حيث يرى الوجود الإنساني في مرتبة أدنى من رتبته العسكرية السابقة، فيغدو التعبير عن الحرية لديه "قلة أدب"، والتجمعات "مؤامرات"!
وتنتهي القصة بصدور حكم بحبسه، لكن المثير للدهشة هو رد فعله عند مغادرة المحكمة؛ حيث يبدأ فوراً بممارسة هوايته في الأمر والنهي وتفريق الناس. هنا يعلمنا تشيخوف أنه لا يكتب عن فلاح أحمق، بل عن ظاهرة إنسانية. البريشيباييفية هي حالة يكون فيها الفرد مسجوناً داخل إطار من القواعد الجافة، ليصبح حارساً لزنزانته الخاصة، ومنفذاً لعقوبات لا يطلبها منه أحد. هي مأساة الإنسان الذي لا يستطيع العيش دون "عدو" يمنعه، أو فوضى يقمعها، ليثبت لنفسه أنه موجود.
يُذكر أن عمدة القرية ورجال الشرطة تدخلوا لتهدئة الموقف، لكن بريشيباييف لم يعترف بسلطتهم، بل رآهم متقاعسين، مما دفعه لأخذ زمام المبادرة بيده. بريشيباييف ليس شريراً بالمعنى التقليدي، بل هو "مريض بالنظام"؛ تشرب العقلية القمعية حتى ظن أنه هو النظام ذاته.
"القانون لا يجيز الغناء!"
هذه العبارة مرعبة؛ كيف يكون هناك قانون لا يجيز الحياة؟ أين الحق في الحياة الذي نص عليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان؟ هذه الجملة هي المفتاح لفهم فكر بريشيباييف؛ فالقانون عنده ليس قواعد تحمي الحريات، بل قائمة "ممنوعات". هو يتوهم نصوصاً تمنع الفرح والغناء، ويفسر النظام على أنه صمت مطبق. الغناء هو أسمى تعبير عن الحرية، وقول بريشيباييف هذا هو إعلان حرب على الحياة نفسها. والمفارقة أنه يستند إلى قانون غير موجود، مخترعاً قوانين من مخيلته القمعية ليبرر نزعته للتحكم.
اسم القصة بالروسية مشتق من الفعل "بريشيبت" (Pryshibeyev) الذي يعني: يسحق، يلطم، أو يصرع. البطل هو "السحق" المتجسد في إنسان. هذه القصة نبوءة أدبية استشرف بها تشيخوف ظهور الأنظمة الشمولية التي تعتمد على "المخبرين السلبيين". ولا يزال صوت أمثاله يتردد في عالمنا: "تفرقوا! لا تتجمهروا! القانون لا يجيز الغناء!". أما قوله الذي يطعن قلب كل مفكر: "أنا وحدي أستطيع أن أفهم كل هذه الأمور، أما هؤلاء البسطاء فلا يفهمون شيئاً".

قصة تشيخوف صرخة ضد "البريشيباييفية" كحالة ذهنية عابرة للزمن، يختار فيها الإنسان العبودية الطوعية تحت قناع حماية النظام. الاستبداد ليس محصوراً في الطغاة الكبار، بل يمارسه أي فرد يمنح نفسه الحق في مراقبة الآخرين وقمع حرياتهم. تحذرنا القصة من الهوس بالنظام الذي قد يحول الحياة إلى جحيم يخنق العفوية. والدرس المستفاد هو ضرورة مراجعة قناعاتنا؛ فليس كل ما نظنه "واجباً" هو صحيح إذا كان يؤذي الآخرين، واليقين المطلق وصفة للدمار الاجتماعي. الإنسان الحقيقي لا يحتاج لسحق الآخرين لثبات وجوده.
ولك أن تتخيل، كم من "بريشيباييف" يعيش بيننا اليوم كأفراد وأشخاص بسطاء!

مرجع القصة: صفحة 101، المجلد الأول، الأعمال المختارة؛ أنطون تشيخوف؛ الطبعة الأولى-2009، دار الشروق، القاهرة.



#عزالدين_محمد_ابوبكر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإنسان أولاً: دليل المصريين لفهم الحق في الوجود والكرامة
- نور والحائط المفقود
- الحصيري: أو عن الوجود المتشظي واللا-سكون في الفكر والمكان!
- أدب محفوظ: في وقفات أنطولوجة قلقة!
- وهل الفلسفة الوجودية ”فلسفة أرشية“؟: نحو مقاربة مفاهيمية شعر ...
- ”الإنسان ليس إلا قصبة“: مقاربة وجودية بين الرومي وباسكال
- عن الفلسفة والتفكير، وخطر الأيديولوجية الإرهابية
- الفن ليس للتسلية، بل للفهم والتحول الوجودي!
- الألم لا يُشوّه الجمال ، لكنه يكشف عنه
- الشعر الرومانسي والشعر الوجودي: أيّهما أكثر تعبيرًا عن واقعن ...
- لماذا نسأل: لماذا؟ ، محاولة لبناء مدخل فلسفي موجز إلى أعمق ا ...
- قصيدة النرجس: قراءة وجودية و هرمنيوطيقية-أنطولوجية
- البيان القومي الوجودي الإنساني: رؤية فلسفية في جدلية الهوية ...
- وليم وردزورث: بين السمات الرومانسية والقراءة الوجودية
- التفكير القمري والتفكير الشمسي: قراءة في جدلية الإدراك والتك ...
- قراءة ديالكتيكيّة للأحلام ، ونظرات أخرى
- الوعي والتفكير القمري: نحو فهم الوجود من خلال أنماط الإدراك ...
- القمر ، والتفكير القمري على الطريقة المصرية القديمة: بين الد ...
- ديالكتيكيّة تفسير الأحلام عند ابن سيرين
- هل يمكن قراءة الأعمال الكرتونيّة وجوديًا؟


المزيد.....




- 14 رمضان.. من الرايات السود في دمشق إلى خيول نابليون في الأز ...
- حكاية مسجد.. قصة الأمر النبوي في -جامع صنعاء الكبير- باليمن ...
- حرب إيران.. اتهامات لترمب بتجاوز القانون واعتراف البنتاغون ي ...
- فهد الكندري.. صوت من السماء يزين ليالي رمضان بالكويت
- كيف صورت السينما والدراما الإيرانية أمريكا وإسرائيل؟ 7 أعمال ...
- -ألوان من قلب غزة-.. أن ترسم كي لا تنكسر
- -أمير الغناء العربي- يصارع الوعكة الأشد.. نزيف مفاجئ يدخل ها ...
- لغة الفن العابرة للحواجز والحدود من غزة إلى لندن عبر لوحات م ...
- حكاية مسجد.. -مقام الأربعين- على جبل قاسيون في دمشق
- 13 رمضان.. من عهدة الفاروق بالقدس إلى دماء -مراد الأول- بالب ...


المزيد.....

- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عزالدين محمد ابوبكر - بريشيباييف... أو القانون لا يجيز الغناء!