|
|
/أغالب مجرى النهر/ لسعيد خطيبي: من العلاقات العابرة إلى ديستوبيا الواقع
عبير خالد يحيي
الحوار المتمدن-العدد: 8703 - 2026 / 5 / 10 - 07:31
المحور:
الادب والفن
لا تقوم الرواية الحديثة على الحكاية وحدها، بل على قدرتها في تفكيك الإنسان من الداخل، وكشف المناطق المعتمة في النفس والمجتمع معًا. ومن هذا المنطلق تأتي رواية /أغالب مجرى النهر/ للكاتب الجزائري سعيد خطيبي- الفائزة بجائزة العالمية للرواية العربية 2026 - بوصفها نصًا يتجاوز حدود السرد التقليدي، ليدخل منطقة التوتر النفسي والتشابك الأخلاقي، حيث تبدأ العلاقات بسيطة وعادية، ثم تتكثف تدريجيًا حتى تتحول إلى شبكة معقدة من الخوف والرغبة والذنب والانتهاك. تعتمد الرواية على بنية سردية نفسية ـ اجتماعية تتدرج من العلاقات اليومية البسيطة إلى شبكة معقدة من التداخلات الإنسانية والأخلاقية، بحيث لا يبقى الحدث مجرد حكاية فردية، بل يتحول إلى مساءلة عميقة للإنسان المعاصر وهشاشته الداخلية. ومنذ الصفحات الأولى يعتمد الكاتب على تقنيات السرد النفسي عبر المونولوج الداخلي، والاسترجاعات الزمنية، والتداعي الحر، حيث تتداخل الذاكرة بالحاضر، ويتحول الزمن إلى زمن شعوري أكثر منه زمنًا خطيًا. ولذلك تبدو الرواية قريبة من رواية الحالة بقدر قربها من رواية الحدث؛ فالتوتر لا يصنعه الحدث وحده، بل الإحساس الداخلي بالقلق والذنب والخوف والارتباك. كما تطرح الرواية قضايا حساسة تتصل بحرمة الجسد، والسلطة الطبية، وتحول الإنسان إلى مادة قابلة للاستثمار حتى بعد الموت، عبر موضوع بيع الأعضاء وانتزاع القرنيات، وهو ما يمنح النص بعدًا ديستوبيًا واقعيًا يتجاوز خصوصية المكان الجزائري نحو أسئلة إنسانية أوسع. في هذه الدراسة نحاول قراءة البنية السردية للرواية، والكشف عن أبرز تقنياتها ودلالاتها المتكررة، ومناقشة جدوى اللغة الصادمة المستخدمة أحيانًا، إضافة إلى مساءلة قدرة الكاتب على ضبط خيوط الحبكة داخل هذا التشابك الإنساني الكثيف، مع التوقف عند الأسباب التي تجعل هذا النوع من الروايات يحظى غالبًا باهتمام نقدي وجوائز أدبية.
دلالة العنوان والنهاية المفتوحة: يحمل عنوان الرواية "أغالب مجرى النهر" دلالة رمزية عميقة، لأنه لا يشير إلى نهر حقيقي بقدر ما يشير إلى مجرى الحياة والقدر والتحولات القاسية التي تجد الشخصيات نفسها عاجزة عن إيقافها. ففعل "أغالب" يوحي بالمقاومة، لكنه يحمل في الوقت نفسه إحساسًا بعدم التكافؤ؛ إذ إن الإنسان هنا لا يواجه خصمًا محددًا، بل يواجه تيارًا أكبر منه: تيار الخوف، والرغبة، والذاكرة، والعنف، والانهيار الأخلاقي. كما يمكن قراءة النهر بوصفه رمزًا للزمن؛ فالشخصيات تحاول مقاومة ماضيها وذكرياتها وخساراتها، لكنها تبقى مندفعة داخل تيار لا يسمح بالعودة إلى نقطة البداية. أما النهاية المفتوحة، فهي منسجمة تمامًا مع طبيعة الرواية النفسية والتشابكية، لأنها تؤكد أن أزمات الشخصيات أكبر من حل فردي سريع. ولهذا يمكن القول إن العنوان والنهاية يشكلان معًا دائرة دلالية متكاملة: فما دامت الشخصيات "تغالب"مجرى النهر، فلا يمكن للنهاية أن تكون حاسمة أو مستقرة.
البداية البوليسية بوصفها مدخلًا نفسيًا تبدأ الرواية ببداية ذات طابع بوليسي خافت، لا تعتمد على الجريمة بوصفها حدثًا تشويقيًا صرفًا، وإنما بوصفها مدخلًا نفسيًا وسرديًا لفتح شبكة العلاقات المعقدة التي ستتكشف لاحقًا. فالرواية تستثمر عنصر الغموض منذ البداية، وتزرع في ذهن القارئ أسئلة أكثر مما تقدم أجوبة، وهو ما يخلق توترًا مبكرًا يدفعه إلى متابعة التفاصيل ومحاولة الربط بين الشخصيات والأحداث. الكاتب لا يذهب بالرواية نحو الشكل البوليسي التقليدي القائم على التحقيق وكشف المجرم، لكنه يستخدم البنية البوليسية كأداة لاكتشاف التشققات النفسية والاجتماعية للشخصيات. ولذلك يتحوّل الغموض تدريجيًا من غموض الحدث إلى غموض الإنسان نفسه؛ أي إن السؤال لا يصبح فقط: "ماذا حدث؟" وإنما يتحوّل إلى"كيف وصلت الشخصيات إلى هذا الخراب الداخلي؟". وهذا النوع من البدايات يمنح الرواية توازنًا بين التشويق والبناء النفسي.
تعدد الأصوات السردية وبناء الحقيقة المتشظية من التقنيات السردية المهمة التي اعتمدتها الرواية تعدد الأصوات السردية، إذ اشترك في بناء الحكاية ثلاثة أصوات رئيسية: عقيلة، عزوز، والسارد العليم. وهذا التعدّد لم يكن مجرد تنويع شكلي، كان جزءًا أساسيًا من البنية النفسية والفكرية للرواية؛ لأن الحقيقة في النص لا تُقدَّم بوصفها حقيقة واحدة ثابتة، إنما بوصفها شظايا موزّعة بين الذاكرة والرؤية والانفعال. فصوت عقيلة يكشف الجانب النفسي والفلسفي المرتبط بالجسد والسلطة الطبية وتبرير الانتهاك باسم المنفعة، بينما يحمل صوت عزوز الذاكرة الجريحة للتاريخ الجزائري، ويكشف أثر الخيانة والتهميش والعنف الرمزي على الإنسان الذي تحوّل من مناضل إلى متهم. أما السارد العليم، فيؤدي وظيفة الربط بين الشخصيات والخيوط السردية، ويمنح الرواية توازنها البنائي ويضيء المناطق التي تعجز الشخصيات نفسها عن فهمها أو الاعتراف بها. ويمنح هذا التعدّد الرواية عدّة مستويات للرؤية: رؤية ذاتية مرتبطة بالألم الشخصي، ورؤية نفسية تبريرية، ورؤية أوسع تكشف صورة المجتمع وتحولاته. كما أن تعدد الأصوات يعزّز فكرة الالتباس الأخلاقي التي تقوم عليها الرواية؛ إذ لا توجد شخصية تمتلك الحقيقة الكاملة، ولا يوجد صوت يمكن الوثوق به بشكل مطلق. ولذلك يبقى القارئ في حالة إعادة تركيب مستمرة للمعنى، وهو ما ينسجم مع طبيعة الرواية النفسية والتشابكية.
التشابك السردي ولمّ خيوط الحبكة يُحسب للرواية نجاحها في بناء التشابك السردي تدريجيًا؛ إذ تبدأ العلاقات بين الشخصيات وكأنها علاقات عادية أو عابرة، ثم تتكشف طبقاتها الخفية شيئًا فشيئًا، حتى يجد القارئ نفسه داخل شبكة معقدة من الأسرار والرغبات والانكسارات والخيانات. وهذا النوع من الروايات يحتاج إلى قدرة دقيقة على ضبط الإيقاع السردي، لأن أي إفراط في التشعب قد يؤدي إلى تفكك الحبكة. غير أن الكاتب استطاع نسبيًا لمّ الخيوط وإعادة ربطها ضمن وحدة نفسية وأخلاقية متماسكة. كما أن الرواية لا تعتمد على المفاجأة الحدثية وحدها، وإنما تعتمد أيضًا على تراكم التوتر النفسي، بحيث يصبح كل كشف جديد تعميقًا للبنية الداخلية للشخصيات لا مجرد إضافة معلوماتية للحبكة.
الشخصيات بين الندبة التاريخية والعبث الوجودي عزوز: المحارب الذي التهمته الثورة تُعدّ شخصية عزوز من أكثر الشخصيات مأساوية وتعقيدًا في الرواية، لأنها لا تمثل فردًا معزولًا بقدر ما تمثل جيلًا كاملًا من المحاربين الذين وجدوا أنفسهم بعد التحرير خارج سردية البطولة الرسمية. فعزوز ليس مجرد رجل محطم نفسيًا، بل هو ضحية انقلاب التاريخ على أصحابه؛ إذ يتحول من مقاتل شارك في حرب التحرير إلى متهم بالخيانة والعمالة، وكأن الثورة التي أنجبت أبناءها بدأت لاحقًا بابتلاعهم. ومن هنا تكتسب الشخصية بعدها التراجيدي؛ لأن العذاب الذي يعيشه عزوز ليس عذابًا جسديًا فقط، هو أيضًا عذاب هوية وذاكرة وكرامة. فوصمه بـ "الكليّ" وحرق ظهره كعلامة عار لا يمثل مجرّد عقوبة فردية، بل طقسًا اجتماعيًا لإلغاء الإنسان وإخراجه من الجماعة الوطنية والأخلاقية معًا. إن الجسد هنا يتحوّل إلى وثيقة إدانة دائمة، وإلى أرشيف حيّ للخيانة المفترضة. والأشد قسوة أن هذه الوصمة لا تتوقف عند الشخص نفسه، بل تمتد إلى عائلته وأبنائه، وكأن العار يتحوّل إلى ميراث اجتماعي. وهنا تكشف الرواية كيف تستطيع المجتمعات الخارجة من الحروب أن تعيد إنتاج العنف حتى بعد انتهاء المعارك، عبر التخوين والإقصاء والنبذ الرمزي. كما أن عزوز يمثل في الرواية صورة "البطل المهزوم"، وهو نموذج شديد الحضور في أدب ما بعد الثورات والحروب؛ حيث يتحوّل المناضل القديم إلى كائن منسي أو مشكوك فيه، يعيش على هامش الذاكرة الجماعية التي أعادت كتابة التاريخ بطريقة انتقائية. ومن زاوية نفسية، تبدو شخصية عزوز محكومة بشعور دائم بالمرارة والاغتراب، لأنه لا يواجه فقط ظلم الآخرين، بل يواجه انهيار الصورة التي كان يحملها عن نفسه وعن الثورة وعن الوطن. ولذلك تتحول معاناته إلى معاناة وجودية أيضًا؛ إذ يفقد الإنسان معنى تضحياته حين يصبح متهمًا من التاريخ نفسه. بودو: انتظار المعنى في عالم عبثي أما شخصية الصحفي التلفزيوني "بودو"، فهي من الشخصيات التي تحمل بعدًا رمزيًا وثقافيًا لافتًا، خصوصًا من خلال الإحالة الواضحة إلى مسرحية "في انتظار غودو" للكاتب "صامويل بيكيت". فالاسم نفسه ليس اعتباطيًا، بل يبدو وكأنه مفتاح تأويلي للشخصية ولجزء من فلسفة الرواية. ففي مسرحية بيكيت يعيش الأبطال حالة انتظار عبثية لشخص لا يأتي أبدًا، وفي الرواية يعيش كلًا من عقيلة وعزوز في انتظار بودو، عقيلة ترى فيه تحقيق حلمها بإنشاء كلية للطب البشري في بوسعادة، وعزوز يرى فيه المنقذ من الظلم الذي حاق به، ويتحول الانتظار نفسه إلى صورة للفراغ الوجودي وفقدان المعنى. وبالطريقة نفسها يبدو "بودو" في الرواية شخصية عالقة داخل عالم مضطرب، تراقب الخراب أكثر ممّا تغيّره، وكأنها تنتظر حقيقة أو خلاصًا أو معنى لا يصل أبدًا. كما أن اختيار مهنة الصحافة التلفزيونية ليس تفصيلًا عابرًا؛ فالصحفي هنا يقف بين الواقع وتمثيله، بين الحقيقة وصورتها الإعلامية، ولذلك تبدو الشخصية وكأنها تعيش انفصالًا دائمًا بين ما يحدث فعلًا وما يُعرض أو يُقال عنه. ومن هنا تقترب الرواية من المناخ العبثي؛ إذ يصبح الإنسان شاهدًا على الخراب دون قدرة حقيقية على تغييره. فبودو لا يشبه الصحفي التقليدي الباحث عن الحقيقة بقدر ما يشبه إنسانًا معاصرًا غارقًا في مراقبة انهيار العالم ومحاولة فهمه دون الوصول إلى يقين. كما أن الإحالة إلى "في انتظار غودو"تمنح الرواية بعدًا فلسفيًا إضافيًا؛ لأن الشخصيات جميعها تبدو وكأنها تنتظر شيئًا: الخلاص، العدالة، الحب، الاعتراف، أو حتى نهاية واضحة لمعاناتها. لكن هذا "الغودو" لا يأتي أبدًا، ولهذا تستمر الشخصيات في الدوران داخل القلق والانتظار والانكسار. ومن زاوية أعمق، يمكن اعتبار "بودو" تجسيدًا لإنسان ما بعد الصدمة الجماعية؛ الإنسان الذي فقد ثقته بالسرديات الكبرى — الثورة، الوطن، الحب، العدالة — وبات يعيش داخل واقع هش وعبثي، يحاول فقط أن يجد معنى وسط الخراب. مخلوف: أما مخلوف، فيمثل صورة للإنسان الذي تآكلته الظروف والتحولات الاجتماعية، حتى أصبح جزءًا من شبكة معقدة من المصالح والخوف والانكسار. وتبدو شخصيته أقرب إلى تجسيد الواقع الشعبي المهمش، حيث تختلط القسوة بالضعف، والانتهازية بالرغبة في النجاة. واللافت أن الشخصيات، رغم اختلافها، تسهم في تعميق المناخ القاتم للرواية؛ فهي لا تتحرك داخل عالم مستقر، بل داخل فضاء فقد يقينه الأخلاقي.
فضاء العشرية السوداء وأثر التاريخ في الإنسان من العناصر المهمة التي تمنح الرواية عمقها الدلالي فضاؤها التاريخي، إذ تعود بالقارئ إلى مطلع التسعينات في الجزائر، مع استحضار ظلال العشرية السوداء، تلك المرحلة التي لم تكن مجرد ظرف سياسي عابر، بل جرحًا جماعيًا ترك أثره في النفس والعلاقات والبنية الاجتماعية. غير أن الرواية لا تتعامل مع تلك المرحلة بوصفها توثيقًا تاريخيًا مباشرًا، بل بوصفها مناخًا نفسيًا واجتماعيًا يتسلل إلى الشخصيات وحياتها اليومية. فالعنف لا يظهر فقط في الأحداث الكبرى، بل في الخوف المزمن، وهشاشة العلاقات، والشعور الدائم بعدم الأمان. إن استحضار تلك الحقبة يمنح الرواية تفسيرًا أعمق لبعض التشوهات الاجتماعية التي تطرحها: تآكل الثقة بين الناس، الشعور بالتهديد، الانهيار الأخلاقي التدريجي، وتحول الإنسان إلى كائن يسعى للنجاة بأي وسيلة. ومن هنا يمكن اعتبار الرواية نموذجًا لما يسمى بـ"السرد ما بعد الصدمة الاجتماعية"، حيث لا يظهر الخراب في الشوارع فقط، بل داخل النفوس والعلاقات والأجساد أيضًا.
الديستوبيا الواقعية وانتهاك الجسد من أبرز القضايا التي تمنح الرواية عمقها الدلالي أيضًا اقترابها من المناخ الديستوبي الواقعي، خصوصًا عبر موضوع بيع الأعضاء وانتزاع القرنيات من عيون الموتى. فالرواية لا تبني مدينة خيالية كما تفعل الديستوبيا التقليدية، بل تكشف كيف يمكن للواقع نفسه أن يتحوّل إلى فضاء مرعب حين يصبح الجسد البشري قابلًا للاستثمار حتى بعد الموت. وتبرز شخصية د. عقيلة بوصفها شخصية إشكالية لا تُقدَّم كمجرمة تقليدية، بل كشخصية تمتلك فلسفة تبريرية ترى أن انتزاع القرنيات أو الأعضاء قد يكون فعلًا نافعًا أو إنقاذيًا، وكأن المنفعة الطبية تمنح الشرعية لتجاوز الحدود الأخلاقية. وهنا تطرح الرواية سؤالًا فلسفيًا وأخلاقيًا شديد الحساسية: هل تنتهي حرمة الإنسان بموته؟ أم أن الجسد يظل محتفظًا بقداسته الإنسانية؟
البعد النسوي في الرواية لا يظهر البعد النسوي في الرواية بوصفه خطابًا دفاعيًا مباشرًا عن المرأة، بل بوصفه كشفًا عميقًا للبنية الاجتماعية التي تدفع النساء إلى أشكال متعددة من الانكسار والتشوه النفسي والاغتراب الجسدي والعاطفي. فالمرأة حين تكون زوجة — كما في شخصيتي قمرة وعقيلة — تبدو فاقدة للحب الحقيقي أو للاحتواء العاطفي، وكأن مؤسسة الزواج تتحوّل إلى علاقة وظيفية أكثر منها فضاءً إنسانيًا دافئًا. بينما تصبح المرأة مرغوبة خارج هذه المؤسسة، فيطرح النص سؤالًا مؤلمًا: لماذا تفقد المرأة قيمتها العاطفية حين تصبح زوجة؟ أما ريمة، فتجسد أحد أكثر النماذج النسوية قسوة؛ فهي امرأة منتهكة من الأقربين، بما يكشف انهيار مفهوم الحماية العائلية وتحول العائلة نفسها إلى مصدر للجرح والاستغلال. تكشف الرواية كيف يُستهلك جسد المرأة في أكثر من مستوى: عاطفيًا داخل العلاقات المختلة، اقتصاديًا عبر الحاجة والفقر، اجتماعيًا عبر الأحكام الأخلاقية، وطبيًا عبر قضايا الأعضاء والجسد بعد الموت. حتى قضية الإجهاض لا تُطرح بوصفها حادثة طبية فقط، وإنما بوصفها صراعًا بين المرأة وجسدها والمجتمع، بما يجعل الجسد الأنثوي ساحة لصراع السلطة والخوف والعار.
اللغة الصادمة والدلالات المتكررة تتكرّر في الرواية مجموعة من الدلالات الرمزية التي تعمق بنيتها النفسية: الموت بوصفه حضورًا دائمًا، الخوف كقوة خفية تتحكم بالشخصيات، الجسد بوصفه مساحة للانتهاك، المستشفى المشرحة والروائح والاختناق بوصفها صورًا للقلق الداخلي، والنهر باعتباره رمزًا لمجرى الحياة والقدر. أما على مستوى اللغة في الرواية، نجدها تتحرك بين مستويين متوازيين: لغة أدبية ذات نفس تأملي وشعوري، ولغة واقعية خشنة أحيانًا تقترب من اليومي والمباشر. وهذا التراوح ليس عشوائيًا، وإنما مرتبط بطبيعة العالم الذي تبنيه الرواية؛ فهي رواية تقوم على التشظي النفسي والانهيار الأخلاقي والاجتماعي، ولذلك لا يمكن أن تُكتب بلغة شاعرية صافية طوال الوقت. فالكاتب يخفف من الزخرفة البلاغية لصالح لغة قادرة على نقل القلق والتوتر والانكسار الداخلي. ومع ذلك، فإن الرواية تمتلك درجة واضحة من الأدبية، تظهر في عدة مستويات: في البعد الرمزي للعنوان ولصورة النهر. في توظيف الذاكرة والزمن النفسي. في بناء الجمل التأملية المرتبطة بالخوف والجسد والموت. وفي خلق مناخ شعوري ضاغط دون الاعتماد الكامل على الوصف المباشر. فاللغة هنا ليست لغة "استعراض بلاغي"، بل لغة وظيفتها الأساسية خلق الجو النفسي للرواية. وهذا يتناسب مع كثير من الروايات الحديثة التي تميل إلى الاقتصاد البلاغي بدل الفخامة اللغوية التقليدية. لكن في المقابل، يمكن تسجيل ملاحظة نقدية مهمة: فالرواية أحيانًا تقترب من اللغة التفسيرية أو المباشرة، خاصة في بعض الحوارات أو المقاطع الفكرية، بحيث يبدو الكاتب وكأنه يشرح الفكرة أكثر مما يتركها تتولّد عضويًا من الحدث والصورة. كما أن استخدام بعض الألفاظ البذيئة أو الصادمة، رغم خدمته للواقعية أحيانًا، قد يُضعف الكثافة الإيحائية في بعض المواضع. أي أن الرواية لا تعتمد على "الأدبية الكلاسيكية" القائمة على البلاغة العالية والتكثيف الشعري، بل على أدبية حديثة أقرب إلى: الاقتصاد، والتوتر النفسي، والرمزية الجزئية، والانفعال الداخلي. هذا عدا عن الأخطاء المتكررة في بناء الجملة نفسها. ومن هنا قد يختلف التلقي: فالقارئ الذي يبحث عن لغة شعرية فائضة قد لا يجد ضالّته الكاملة هنا، بينما سيجد قارئ الرواية النفسية الحديثة أن اللغة منسجمة مع طبيعة النص وعالمه القاتم. ويمكن القول إن قوة اللغة في الرواية لا تكمن في جمال الجملة منفردة، بل في قدرتها على خلق مناخ سردي متوتر ومتماسك. وهذا نوع مختلف من الأدبية، يعتمد على الأثر النفسي أكثر من اعتماده على الزينة البلاغية. لذلك فإن لغة الرواية، رغم بعض المباشرة أحيانًا، تبقى لغة واعية بوظيفتها السردية، وقادرة على مرافقة التشابك النفسي والفلسفي الذي يقوم عليه النص، دون أن تسقط في التقريرية الكاملة أو في البلاغة المفتعلة.
الملاحظات النقدية على الرواية رغم قوة الرواية النفسية والسردية، فإنها ليست بمنأى عن بعض الملاحظات النقدية. فهناك ميل واضح إلى التكثيف النفسي والتأمل الداخلي على حساب الحركة الحدثية في بعض المقاطع، مما قد يجعل الإيقاع بطيئًا أحيانًا، وهذا حال معظم روايات الحالة. كما أن التشابك الكبير للعلاقات قد يمنح بعض القراء شعورًا بأن بعض الخيوط جاءت متراكمة أكثر من اللازم. ويمكن أيضًا توجيه ملاحظة إلى استخدام بعض الألفاظ المباشرة أو البذيئة، إذ قد يرى بعض النقاد أن الإيحاء أحيانًا يكون أكثر قوة فنية من التصريح. ومع ذلك، فإن هذه الانتقادات نفسها تكشف أن الرواية ليست نصًا مسطحًا أو سهل الاستهلاك، بل نص يثير الجدل والأسئلة والتأويل.
لماذا تصل هذه الروايات إلى الجوائز؟ هنا يحق لنا أن نطرح سؤالًا مهمًا: ما الذي يجعل هذا النوع من الروايات يحظى بالجوائز والاهتمام النقدي؟ الجواب يرتبط بعدة عناصر: التشابك النفسي والأخلاقي، القدرة على طرح أسئلة إنسانية حساسة، البناء المركب للعلاقات، الاقتراب من القضايا المعاصرة، المزج بين الواقعي والفلسفي، وإشراك القارئ في العملية الإبداعية بدل تلقينه موقفًا مباشرًا. فالجوائز الأدبية الحديثة تميل غالبًا إلى الروايات التي تمتلك مستويات متعددة للقراءة؛ رواية يمكن قراءتها كحكاية، وكبنية نفسية، وكإدانة اجتماعية، وكطرح فلسفي في آن واحد. بحسب العناصر الفنية والفكرية التي تقوم عليها الرواية، يمكن القول إن «أغالب مجرى النهر» تمتلك بالفعل كثيرًا من المقومات التي تجعلها رواية قابلة للفوز بـ الجائزة العالمية للرواية العربية، خاصة إذا نظرنا إلى طبيعة الروايات التي تحظى بالاهتمام النقدي والجوائز في السنوات الأخيرة. فالرواية لا تعتمد على حكاية مباشرة أو موضوع آني فقط، بل تشتغل على عدة مستويات متداخلة: المستوى النفسي، والاجتماعي، والتاريخي، والفلسفي، والرمزي. وهذا التعدد في طبقات القراءة من أهم العناصر التي تبحث عنها الجوائز الكبرى؛ لأن الرواية تصبح قابلة للتأويل وإعادة القراءة، لا مجرد نص يُستهلك حكائيًا. كما أن الرواية تنجح في معالجة قضايا حساسة ومعاصرة دون أن تتحول إلى خطاب سياسي أو أخلاقي مباشر. فهي تطرح: أثر العشرية السوداء على الإنسان، أزمة الهوية والذاكرة، تحوّل الجسد إلى سلعة،هشاشة المرأة داخل المجتمع، وانهيار اليقين الأخلاقي، وكلها قضايا تمتلك بعدًا إنسانيًا يتجاوز المحلية الجزائرية. ويُحسب لها أيضًا قدرتها على خلق شخصيات مركبة وغير مريحة أخلاقيًا، مثل عزوز وعقيلة ومخلوف وياقوت وسالي ومليود وثامر، وهي شخصيات لا تُختزل في الخير أو الشر، بل تحمل تناقضاتها وهشاشتها الخاصة. وهذا العمق النفسي يمنح الرواية قيمة فنية واضحة. ومن العناصر المهمة كذلك: تعدد الأصوات السردية، البداية البوليسية ذات البعد النفسي، التوازن بين الواقعي والعبثي، والإحالات الثقافية مثل استدعاء "في انتظار غودو". كل ذلك يجعل الرواية تبدو نصًا مكتوبًا بوعي سردي وفكري، لا مجرد رواية حدث أو قضية. لكن في المقابل، فإن استحقاق الجوائز يظل نسبيًا؛ لأن الجوائز الأدبية لا تُحسم بالقيمة الفنية وحدها دائمًا، بل تتداخل فيها أحيانًا ذائقة لجان التحكيم، والاتجاهات النقدية السائدة، وطبيعة المنافسة في الدورة نفسها. ويمكن أيضًا القول إن الرواية، رغم قوتها، ليست خالية من الملاحظات: فهناك بطء في بعض المقاطع التأملية، وميل أحيانًا إلى التكثيف النفسي على حساب الحركة السردية، إضافة إلى استخدام بعض المباشرة اللغوية أو التفسيرية. إلا أن هذه الملاحظات لا تُسقط قيمتها، بل تبقى ضمن حدود الجدل الطبيعي حول الروايات المركبة والطموحة. لذلك يمكن اعتبار فوز الرواية منطقيًا من منظور نقدي؛ لأنها تنتمي إلى الرواية العربية الحديثة التي تمزج بين: التشابك النفسي، والأسئلة الفلسفية، والهمّ التاريخي، والتجريب السردي، والانفتاح التأويلي. وهي العناصر التي أصبحت تشكل معيارًا مهمًا في الروايات المرشحة للجوائز الكبرى اليوم.
في الختام: تنجح رواية "أغالب مجرى النهر" في تقديم عالم سردي مضطرب نفسيًا وأخلاقيًا، لا يعتمد على الإثارة الحدثية وحدها، بل على بناء شعور داخلي متصاعد بالاختناق والتيه الإنساني. فالرواية لا تكتفي بسرد العلاقات، هي أيضًا تكشف كيف يمكن للعلاقات نفسها أن تتحوّل إلى فضاءات للهيمنة والخوف والانتهاك، وكيف يصبح الجسد والذاكرة والإنسان عرضة للاستثمار داخل مجتمع مأزوم. إن قوة هذا النوع من الروايات تكمن في أنه لا يقدم للقارئ إجابات جاهزة، وإنما يدفعه إلى مواجهة قلقه وأسئلته الخاصة، وهذا ما يجعل الرواية الحديثة أكثر قربًا من الإنسان المعاصر الذي لم يعد يبحث عن الحكاية فقط، وإنما يبحث أيضًا عن المعنى الكامن خلفها. وهي رواية ليست عن الجزائر وحدها، بل عن الإنسان العربي المعاصرالذي يعيش داخل عالم فقد يقينه الأخلاقي والإنساني، ويحاول عبثًا أن يغالب مجرى النهر.
#عبير_خالد_يحيي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الصراع بوصفه فعلًا تداوليًا_ قراءة ذرائعية في مواجهة الحكومة
...
-
-حين يسقط المعنى قبل العرش #قراءة_ذرائعية تداولية في #انهيار
...
-
الذاكرة بوصفها بنية سردية وفعلًا تداوليًا دراسة ذرائعية مقار
...
-
قسد بعد اتفاق آذار: اختبار الشرعية في زمن سقوط الأقنعة
-
اللغة العربية: من الذاكرة المقدّسة إلى أفق الذكاء الاصطناعي
-
الومضة الشعرية – جماليات الكتابة وثراء الدلالة والتجريب : مق
...
-
سوريا… عامٌ على الفجر الذي أزهر أخيرًا
-
ندبة الجمال والغياب: دراسة ذرائعية في الدلالات الوجودية والج
...
-
#اعتصامات ومظاهرات الطائفة العلوية اليوم الطائفة بين خطاب ال
...
-
من الظلام إلى النور: دراسة ذرائعية في البنية النفسية-السلوكي
...
-
من فطام الذكورة إلى غسل الخوف: قراءة ذرائعية في سرد الطفولة
...
-
الحركة التصحيحية في سوريا: من -تصحيح المسار- إلى الهاوية بقل
...
-
فيدور ديستوفسكي: النفس البشرية في مرآة الأدب
-
من دمشق إلى صنعاء: قراءة ذرائعية في خطاب الانتماء والمقاومة
...
-
#طقس_القمر_العملاق (حين يشيخُ الضوء)
-
البحر كمعادل موضوعي للحرية: قراءة ذرائعية في قصيدة بحرٌ للحر
...
-
إشهار كتاب دم على أوراق الذاكرة
-
الرئيس السوري أحمد الشرع في موسكو: تناقض الحضور بين الشرعية
...
-
-العامية المكتوبة: موقعها بين السرد الشعبي والأدب الفني- مسا
...
-
زمنٌ مارد
المزيد.....
-
انطلاق فعاليات الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينما
...
-
تاريخ يرويه رئيس.. شكري القوتلي من القصر إلى السجن والمنفى
-
مهرجان كان السينمائي ينطلق بحضور نخبة من النجوم العالميين وس
...
-
فيلم لم يقصد تصويره.. كيف حول مخرج -الحياة بعد سهام- الفقد إ
...
-
محسن رضائي يوجه تحذيرا للعرب والمسلمين باللغة العربية
-
نجوم الفن السابع يلتقون في مهرجان كان السينمائي بدورته التاس
...
-
يحدث في اتحاد الكتاب العرب
-
توقيف مغني الراب Moewgli في تونس بتهمة التورط بقيادة شبكة “ف
...
-
مهرجان كان السينمائي 2026: تنافس 22 فيلما على جائزة السعفة ا
...
-
الغذامي.. رحلة سقوط الأصنام وانتصار التنوير
المزيد.....
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
رواية هروب بين المضيقين
/ أمين أحمد ثابت
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا
...
/ السيد حافظ
-
تمارين أرذل العمر
/ مروة مروان أبو سمعان
-
اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية
/ أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
المزيد.....
|