|
|
قراءة في ديوان (هُنا يرقد قلبي) للشاعرة ورود الدليمي
داود السلمان
الحوار المتمدن-العدد: 8695 - 2026 / 5 / 2 - 20:56
المحور:
الادب والفن
توطئة أن تكتبَ الشعرَ، هذا يعني أنك لستَ إنسانًا طبيعيًا، بل إنسانٌ مختلفٌ، إنسانٌ يقِظٌ شديدُ الانتباه، عندك الكلمةُ كحدِّ السيف، لا كالسهمِ الطائشِ الذي لا يدري أين يستقر؛ فهو لا يعودُ إلى كنانته إذا ما خرجَ من القوس. الشعرُ سلاحٌ ذو حدَّين؛ تستعمله للذودِ عن حياضِ الحياة، أو تستعمله ضدَّ نفسك، فتركسَ في الهاوية؛ فكثيرٌ من الشعراءِ قتلتهم أشعارُهم، وخسروا حياتهم بقولِ بيتٍ واحدٍ من الشعر، فغزا الخصومُ قبيلتَهُم، فسلبوا ونهبوا وعبثوا، ودارت رحى الوطيس بسبب قصيدةٍ وصف فيها الشاعرُ خصومَه بأقبحِ الأوصاف. فكانت تقعُ الحروبُ بين الأطرافِ المتنازعة على قولِ شاعرٍ بيتًا قاله على حينِ غِرّة، أو تحت وطأةِ الكأس. وهكذا كانت الحروبُ تقعُ عند العرب، كما يُحدِّثنا التاريخ، وتحكيه لنا مدوّناتُ الأدب. وقد ذكر لنا التاريخُ أن مقتلَ المتنبي العظيم كان بسبب بيتٍ قاله من قصيدةٍ طويلةٍ عصماء: «الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني». وذلك حينما حاصرَه خصومُه — وما أكثرهم — في الصحراء، فتوارى عنهم خلف جبل، فعيَّره خادمُه ببيته آنفِ الذكر، فخرج إليهم شاهِرا سيفه، فأحاطوا به فقتلوه. تحليل: في ديوانها الأخير «هنا يرقد قلبي» للشاعرة ورود الدليمي، لمستُ شاعريةً فذّةً تتوارى خلف روحٍ تفيضُ إحساسًا من المشاعر الجيّاشة؛ تلك المشاعر التي تعطي للكلمة الصادقة حقَّها، بل وتدرك أين تضعها ومتى. فهي لا تترجّى المفردة، بل تصوغها، ولا تدعوها، بل تأمرها. وقد التمستُ ذلك في قصيدتها «وجع كرامة»؛ ففي هذه القصيدة اتخذت الشاعرةُ منطقَ التحدّي والاعتزاز بالنفس، والغيرة العراقية المشهود لها لدى القاصي والداني، وفيها استخدمت الشاعرةُ مفرداتٍ مثل: «الوطن، الكرامة، الضَّرَم، الاعتصام، الإيمان، الأفق… إلخ». الديوان مطبوعٌ في «دار السرد» في شارع المتنبي، لسنة 2026، وتضمَّن 28 قصيدةً عمودية، وبلغ عدد صفحاته 124 صفحةً من القطع المتوسط. (أبكي على وطنٍ ضاعت ملامحهُ // ما بين طيفِ خيالٍ سادرِ الضَّرَمِ// أنكرتُ دهري، وذاك الضوءُ يشهدُ لي // أنّي جمّلتُ الوفا من طينتي ودمي) انظر القصيدة، ص 99. فالشاعرة تبكي على الوطن، لا من باب الأطلال، أو من باب البكاء على الماضي السحيق، بل تبكيه من باب حجم الظلم الذي وقع عليه، سواءٌ من الأعداء الخارجيين، أو من الأعداء داخل الوطن، من الذين نصبوا العداء له، فخانوه بوضع أيديهم في أيدي العدو من أجل الدينار والدرهم. وتؤكد الشاعرة حجمَ الظلم، وتُظهر جانب الخيانة، وكيف أن هذه الخيانة ستعود إلى نحورهم، وتفتخر بأنها كانت وفيةً لوطنها، حيث خلطت طينتها (المعدن الأصيل) بتراب الوطن، وهذا هو حجم الانتماء الحقيقي للوطن (العراق).
*فلسفة الانتماء الإنسان الحقيقي هو من يشعر بانتمائه: الانتماء إلى المكان الأول الذي وُلد فيه، أو الفكرة الأولى التي أضاءت طريقه، والكلمة الأولى التي صدحت في أذنيه، والفلسفة الأولى التي تعلّمها، ومنها شعر بالانتماء إلى الحياة وإدراك معناها، والانتماء الأكبر للوجود، وحقيقة هذا الوجود، وموقعه فيه. وكل هذا يأتي ضمن اعتبارات وسياقات ودلالات معرفية، تجعل من هذا الإنسان إنسانا بكل ما تعنيه الإنسانية، وبعكسه فهو ميتٌ بجسدٍ حي. في كتاباته ميّز كولن ولسون بين الإنسان المنتمي والإنسان غير المنتمي. والميزة ميزتان: ميزة الفكرة، وميزة الاتجاه الفلسفي–المعرفي، ومن هاتين الميزتين تظهر انتماءات يمكن أن نطلق عليها «فروعا»، أي تتفرّع منها هذه الفروع، ولها مساسٌ مباشرٌ بالأصل، بحيث لا تنفصل عنه طرفة عين. فثمّة من ينتمي إلى فكرةٍ بعينها، وفلسفةٍ بعينها، وجهةٍ غير بعيدة عن أيديولوجيا تنصهر معها. وبالمقابل، ثمّة من لا ينتمي إلى تلك الأفكار والرؤى، أي لا يعيش منعزلًا، بل يسير وفق نسقٍ توصّل إليه من خلال فلسفته وأفكاره التي سار على جادتها. وفي قصيدة «شهقة قصيرة» نقرأ: (أُصغي لصوتٍ من شفاهك هزّني// كاللحن من صوتِ الحمامِ تدفّقًا// عيناك بوحٌ ساحرٌ بجماله// والرمشُ كاد بعشقنا أن ينطقا) انظر ص 29. وهذا إغراقٌ بالعاطفة والشجن الجميل، الذي يعبّر عن عشقٍ حقيقي للجمال، والشعور المشوب بالأمل إزاء المحبوب (أيّ صفةٍ من صفاته: الوطن، الأرض، الحبيب، إلخ). وهنا نأتي إلى الصياغة اللغوية، والصورة المعبّرة، والمفردات مثل: «ساحر، تدفّق، لحن، بوح»، فنلاحظ الانسجام والدقة المتناهيين.
*فلسفة الجمال يفرّق إيمانويل كانت بين الجميل والجليل، بحيث يُعدّ الجليل أكثر رفعةً من الجميل. وقد تطرّقنا، في إشارةٍ واضحة، إلى هذه الفذلكة في مواضع كثيرة، ولا داعي لتكرارها هنا مرةً أخرى (1). "إن جميع النقاد والفنانين والباحثين الجماليين تقريبًا متفقون على أن الجمال الفني معبر إلى حد يستحيل أن يبلغه الجمال الطبيعي، وليس من شك على الإطلاق في أن الجمال الفني أشد تعقيدًا. وما هو بالضبط دور الجمال في الفن؟ لقد كان من المسلَّم به دون أي شك تقريبًا، حتى عهد قريب، أن أي عمل فني ينبغي قبل كل شيء أن يكون جميلًا وكان معظم المفكرين الجماليين في الماضي يرون أن خلق الجمال هو الهدف الأول للفنان. وما زالت عامة الناس تؤمن بذلك، كما يتضح أن أكثر الانتقادات التي يوجهها الأشخاص العاديون إلى الفن المعاصر شيوعًا هو أن الأعمال التي يبدعها ليست جميلة بالقياس إلى أعمال «أساطين الفن القدماء» — وهي عبارة تعني في هذه الحالة عادةً أي فنان أنتج قبل عام ١٨٩٠م."(2) ومن قصيدة تحت عنوان "ستبقى تائها.." نقرأ: (أدعوك ربي الانابة طامعا// كلّي بجودك يا الهي يشهدُ إني أتيتك يا الهي خاشعا// لم تيأس الدنيا، ففضلك أجودُ) ص 91. وهذه القصيدة النابعة من الوجدان الصافي، والقلب النقي، والروح الجياشة، تحيلنا الى عالم التصوف، وهو عالم غارق بالحب والتقرّب الى الصانع المدبر. القصيدة تذكرنا بابن عربي والحلاج والرومي وشمس الدين التبريزي، غيرهم الكثير. والتصوّف هو: " المذهب القائل إن الحقيقة النهائية تبلغ عن طريق الحدس لا عن طريق العقل أو التجربة الحسية المعتادة. وينظر الصوفي عادةً إلى الحدس على أنه أداة أو وسيلة مستقلة للاتصال تمدنا بمعرفة مباشرة، في مقابل المعرفة التي يتوسط فيها الحس أو العقل. وعلى الرغم من التفاوت الكبير في سياق التجارب الصوفية، فإنها تنطوي عادةً على شعورٍ طاغٍ بحضور الله أو الاتصال المباشر به، وإن كان الموجود الذي يتم الاتصال به قد يكون هو «الواحد» الذي يجل عن التعبير، لا الإله المشخص الذي تقول به معظم مذاهب الألوهية".(3) والشاعرة هنا، كأنها تريد القول، بأن على الشاعر الحقيقي أن يطرق الى جميع ابواب المعرفة، لاسيما عالم التصوف، وأن ينتشي من نبعه العذب، تبعا لكبار الشعراء ومنهم ابن الرومي، صاحب الخمرية: ألا فاسقني خمراً بصفو سلافةٍ// بماء سماء حبذا الخمر بالقطرِ// شرابان حلّا طائعين كلاهما// ولم يأتيا كرهاً بعصر ولا حفر وقطعا لم يقصد الرومي خمرة الدنيا، بل يرمز بذلك الى الذات الالهية، كما هو ديدن المتصوفة بهذه الفلسفة.
الهوامش (1)عمانويل كانت، كامل محمد محمد عويصة، ص 85، مكتبة دار الكتب، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى لسنة 1993. (2)هنتر ميد، الفلسفة – أنواعها ومشكلاتها، 387، منشورات مكتبة مصر، القاهرة لسنة 1969. (3)المصدر السابق، المصطلحات، مادة "تصوّف"
#داود_السلمان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
ملامحي الأولى
-
الرفاعي وعقدة الدين
-
الرفاعي..رجل دين بلباس أفندي
-
ثقافة تكرار الوجوه
-
قراءة وجودية في المجموعة الشعرية (لهفة لا تعرف السكون)
-
الإنسان المستلب في (حين يصمت التمثال) نقد معرفي
-
علَّ العابرينَ لا يرونَ
-
يحيى السماوي.. حين يتنفس الشعر
-
الرمز المكثّف في قصة (نعل) للقاص رياض داخل- قراءة تأويلية
-
الماركسي المتديّن/ قصة قصيرة
-
القطيع والذكاء الاصطناعي
-
ترتيب الفوضى
-
حواء سر اكتمال الرجل
-
كي لا يضيعَ معي
-
رسالة وداع من كاتب عشق العراق
-
طفولة مهدورة - فصل من حياتي
-
خطورة انهيار المنظومة الأخلاقية في العراق؟
-
المطلبي...هكذا يرحلون صنّاع الجمال
-
الثورة مدينتي.. ذكريات طاعنة بالتجاعيد(1)
-
الحرب والعقل الجمعي
المزيد.....
-
كيف تشكلت -الشجاعة الأسطورية للشعب الروسي-؟
-
أشبه بفيلم أكشن.. رجال ونساء يتبادلون اللكمات وسط تطاير الحق
...
-
-كأنه خارج من فيلم خيال علمي-.. طيار أمريكي يكشف ما رآه قبل
...
-
-ليس فقط لراكبي الدراجات-... بطرسبورغ تستضيف مهرجان -بيتر مو
...
-
كوابيسها تلاحقك بعد العرض؟.. هذه أبرز أفلام الرعب في النصف ا
...
-
طهران تعلن اختتام المحادثات الفنية مع واشنطن دون حسم ملف الأ
...
-
إيران: المباحثات الفنية مع واشنطن تفضي لاتفاق على تشكيل مجمو
...
-
سرقة تهز منزل المخرج محمد عبد العزيز.. وكاميرات المراقبة ترص
...
-
وزارة الثقافة الروسية تقرر البدء الفوري في ترميم متحف -الدفا
...
-
بدء عملية اختيار الأفلام المرشحة للفوز بجائزة -الفراشة الماس
...
المزيد.....
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
-
كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
رسالة الى عام 3026
/ ايه رياض الجبوري
-
نافذة ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
المزيد.....
|