محمد خالد الجبوري
الحوار المتمدن-العدد: 8695 - 2026 / 5 / 2 - 00:49
المحور:
الادب والفن
حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ:
لَمَّا انْهَلَّتْ سَحَائِبُ السَّمَاءِ بِمَطَرٍ مِدْرَارٍ، وَآذَنَ شَهْرُ الصِّيَامِ بِالادِّبَارِ،
وَأَقْبَلَ العِيدُ يَزُفُّ البُشْرَى لِلأَبْصَارِ،
نَزَلْتُ إِلَى السُّوقِ وَالنَّفْسُ تَبْغِي مَسَرَّةً، وَتَشْتَهِي مِنَ لَحْمِ الضَّأْنِ طَلِيًّا وَقُرَّةً.
فَوَقَفْتُ عَلَى جَزَّارٍ كَأَنَّهُ لَيْثُ غَابٍ، بِيَدِهِ سِكِّينٌ تَلْمَعُ كَالشِّهَابِ،
فَقُلْتُ لَهُ: "يَا هَذَا، جُدْ عَلَيَّ بِثَلَاثَةِ كِيلُوغْرَامَاتٍ،
مِمَّا طَابَ مِنَ اللَّحْمِ وَعَزَّتْ بِهِ الصِّفَاتُ".
فَتَمَعَّنَ فِي الشَّاةِ بِنَظْرَةِ خَبِيرٍ، وَهَوَى بِسِكِّينِهِ فَقَطَعَ الكَبِيرَ وَالصَّغِيرَ،
ثُمَّ أَلْقَى بِهَا فِي المِيزَانِ، وَقَالَ بِلِسَانٍ لَا يَعْرِفُ الكِتْمَانَ:
"يَا صَاحِبِي، لَقَدْ زَادَ السِّعْرُ وَارْتَفَعَ المَقَامُ،
فَسِعْرُ الكِيلُوغْرَامِ الوَاحِدِ بِعِشْرِينَ أَلْفًا مِنَ التَّمَامِ،
وَمَطْلَبِي مِنْكَ سِتُّونَ أَلْفًا لَا تَنْقُصُ فَلْسًا !".
فَعَجِبْتُ مِنْ حِدَّةِ سِعْرِهِ الَّتِي غَلَبَتْ حِدَّةَ شَفْرَتِهِ،
وَأَذْعَنْتُ لِقَدَرِهِ بَعْدَ أَنْ رَأَيْتُ صَوْلَتَهُ، وَقُلْتُ فِي نَفْسِي :
عَجَبًا لِشَهْرِ الطَّاعَةِ وَالخَيْرِ ،
كَيْفَ صَيَّرَهُ البَعْضُ شَهْرًا لِلزِّيَادَةِ وَالمَيْرِ؟
فَبَيْنَمَا تَرْفَعُ السَّمَاءُ مَقَامَ العِبَادَةِ،
يَرْفَعُ التُّجَّارُ سُقُوفَ الإِبَادَةِ لِلْجُيُوبِ .
وَهَكَذَا هِيَ الدُّولُ ؛ حُكُومَاتٌ تَسْعَى لِتَخْفِيفِ الأَثْقَالِ عَنِ العِبَادِ،
وَأُخْرَى تَبْسُطُ مَسَاحَاتِ الوَجَعِ فِي كُلِّ نَادٍ .
فَخَرَجْتُ أَقُولُ:
"اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِيمَا أَعْطَيْتَنَا،
وَاكْفِنَا بَغْيَ الغَلَاءِ وَمَرارةَ العَنَاء".
#محمد_خالد_الجبوري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟