أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد خالد الجبوري - ارتعاشة الخريف: حين يتلو العمرُ سيرة الوجع














المزيد.....

ارتعاشة الخريف: حين يتلو العمرُ سيرة الوجع


محمد خالد الجبوري

الحوار المتمدن-العدد: 8691 - 2026 / 4 / 28 - 01:33
المحور: الادب والفن
    


ثمة لحظة في عمر الزمن، لا هي بالليل فتمحوه الظلمة، ولا هي بالنهار فيجليه الضياء، بل هي **"ارتعاشة الخريف"**. تلك اللحظة التي لا تقف عند حدود تساقط الأوراق الصفراء، بل تعلن بصرامةٍ لا تلين عن نهاية رحلةٍ وبداية سفرٍ طويل نحو المجهول؛ فلا الطلُّ يعيد الحياة للعروق اليابسة ، ولا الندى يرمم انكسار الغصن ، وحتى زخات المطر تبدو كدموعٍ باردة تواسي جسداً أضناه المسير. إنها الحقيقة العارية؛ ما كان حلواً من العمر مرَّ كخطفةِ برقٍ أو لمح بصر، أما مرُّه فكان ثقيلاً ، أقسى من جمر النار وأعتى من صلابة الحديد والحجر .
في هذه الارتعاشة ، تصبح الوجوه كتاباً مفتوحاً يقرأه الخريف بتمعن ، فيفرز الخبيث من الطيب بـ "سيماهم" ؛ فهناك وجوهٌ فاضلة، تخمرت بالخير وطيب الأثر فصارت كالورد يفوح عطرها وإن ذبلت ، وعلى النقيض ، ثمة وجوهٌ كالحظ العاثر، كالغربان التي عقّت مربيها ، لم تحفظ شيبةً ولا رعت كِبَراً، فاستحالت قلوبهم وأجسادهم إلى أكوامٍ من حجرٍ صلد لا نبض فيه . ويخطئ من يظن أن الخريف وحده المسؤول عن ذبول الروح ؛ فكم من ربيعٍ كان خديجاً ، وكم من صيفٍ وشتاءٍ اختطفا منا أحبةً قبل الأوان ، لكن خريف العمر يأتي بنذره الواضحة من شيبٍ يغزو الرأس ، وسمعٍ يضعف، وبصرٍ يتلاشى ، ليؤذن بأن قطار العمر قد بلغ محطته الأخيرة .
في هذا القطار ، يجلس الإنسان أمام نافذة الذاكرة ، يستعرض مشاهد تسرُّ النظر ، وأخرى بلغت من القسوة ما جعل الحجر يبكي لها؛ يتذكر أطيافاً من الجمال والعز من "نجف" السكينة التي فاقت بحسنها البدو والحضر ، إلى "قادسية" الصمت والبوح ، وصولاً إلى "فيحاء" البصرة ، حيث كان النديم يحلو معه السهر قبل أن يحني الزمان ظهره ويحيله شيخاً يئنُّ تحت وطأة الذكريات . وتتعاظم الارتعاشة حين تمر صور الراحلين كشريطٍ من الجمر ؛ فيرحل "السيد" غريباً مكسور القلب من هموم الدنيا وجحود الأبناء، ليؤكد الحكمة المرة بأن قلب الوالد رقيق وقلب الابن من حجر . وتتوالى النعاوات عن أصدقاء كرام رحلوا .
تزدحم الذاكرة بأسماء الراحلين : يحيى ، علي ، محمد، عزيز ، أحمد ، فرمان ، ووعد.. شبابٌ ذابوا في ذكر الله، مضوا وتركوا في القلب غصة لا تزول. ثم تأتي الطعنة الأقرب؛ "أبو عمر"، الأخ الذي أُردي مضرجاً بدمه في طريق الرحيل ، في مشهدٍ لا يدمي النظر فحسب ، بل يدمي الوجود كله . وعلى قمة هذا الهرم من الأحزان ، تقبع الغصة الكبرى برحيل الابنة ، "الروح والقلب والنظر"، فمنذ تلك اللحظة التي خلت فيها الدار من ضحكتها ، انكسر شيءٌ لا يجبر. لذا، يا صديقي، حين تراني اليوم شاحباً ، لا تسألني كيف تلاشى بصري ، ولا كيف ذبلت ملامحي ؛ إنها ارتعاشة الخريف التي لم تكتفِ بهز الشجر، بل زلزلت أركان الروح، وأسدلت الستار على حكايةٍ كانت يوماً تضجُّ بالحياة، فلم يبقَ منها سوى دمعةٍ تحجرت في المآقي ، وذكرى تسكن تحت الثرى .



#محمد_خالد_الجبوري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في رحاب النقاء: تراتيل الضمير ومستقرّ الروح في السعادة
- مقامةُ الطيور في أحوالِ -المنتدبين- والقبور
- على ضفاف الوجدان
- أدران الدخلاء وصلابة البقاء
- تراتيل الحضور ومرافئ الوفاء
- سطوة العناوين.. حين يهزم الاسمُ المضمونَ
- ترانيم الانبعاث: رسالة من قلب الركام إلى جيل السلام
- مرافئ الصمت والولادة
- صِراعُ المِيزَان
- ترانيم الوجود: بين انكسار الدهر وسطوة الثقافة
- بين رماد الواقع وأريج الحنين
- مرافئُ الصمتِ والحريق
- مَعاييرٌ ضائعة
- تِجَارَةُ الأَوْهَامِ
- قَصِيدَةُ العَالَمِ الخَاصّ
- محلّةُ الأضداد
- مِيثاقُ الروح
- سيدة الحُسنِ والأمان
- أجراس الصباح
- مَوطِنُ الشَّجَن


المزيد.....




- اتحاد الأدباء يحتفي بتجربة الشاعرين اللبنانيين أمل ناصر ويام ...
- وفاة الممثل الأمريكي والتر كونيغ نجم -ستار تريك- عن عمر ناهز ...
- رحيل مخرج أفلام الاستغلال توم ديسيمون عن 87 عاماً
- بعد ختام دورته الثالثة.. كيف اختبر معرض طرابلس للكتاب قدرة ا ...
- مكتب الثقافة في عدن يطلق مبادرة لتعزيز التضامن المجتمعي ومسا ...
- الممثلة الأمريكية هانا آينبيندر: الدفاع عن فلسطين مسؤولية أخ ...
- الممثلة الأمريكية هانا آينبيندر: الدفاع عن فلسطين -الحد الأد ...
- أزمة صحية تداهم أحمد سعد وتهدد موعد طرح ألبومه الجديد
- أصول بمليارات الدولارات.. نزاعات الملكية الفكرية تعيد رسم خر ...
- الشعبة القانونية بمحور تعز: تقرير يكشف التمثيل بجثامين شهداء ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد خالد الجبوري - ارتعاشة الخريف: حين يتلو العمرُ سيرة الوجع