|
|
القرب الإلهي...تأمل في سر المسافة بين الإنسان وربه (4)
راندا شوقى الحمامصى
الحوار المتمدن-العدد: 8692 - 2026 / 4 / 29 - 20:46
المحور:
الادب والفن
***سرّ الحب الإلهي *السر الأول: أن الله أراد أن يُحَبّ إن الله لم يخلق الإنسان ليعرفه بالعقل فقط، بل ليحبه بالقلب. فالعقل قد يفهم الفكرة، لكن الحب وحده هو الذي يفتح أبواب القرب. ولذلك كان الطريق الروحي الحقيقي ليس طريق الجدل والمعرفة فقط، بل طريق الشوق والمحبة. حين يحب الإنسان الله، تتحول العبادة من واجب ثقيل إلى لقاء جميل. لا يعود الإنسان يصلي لأنه يجب أن يصلي، بل لأنه يشتاق إلى لحظة القرب. *السر الثاني: أن الحب هو الجاذبية الروحية للكون كما أن الكون كله يتحرك بقوة الجاذبية، يقول العارفون إن الأرواح تتحرك بقوة أخرى خفية: جاذبية الحب الإلهي. هذه الجاذبية هي التي تجعل بعض الناس يبحثون عن الحقيقة طوال حياتهم. وهي التي تجعل قلب الإنسان يلين حين يسمع كلمة حق أو يرى موقف رحمة. كأن الروح تنجذب نحو أصلها كما تنجذب القطرة إلى البحر.
*السر الثالث: أن الشوق علامة القرب يظن بعض الناس أن الشوق إلى الله دليل على البعد. لكن لو لم تكن قريبًا من الله، لما اشتاق قلبك إليه. فالشوق ليس علامة فقدان، بل علامة اتصال خفي بين الروح ومصدرها. كأن القلب يتذكر النور الذي عرفه يومًا ما.
*السر الرابع: أن الحب يغيّر طبيعة الإنسان حين يدخل الحب الإلهي إلى القلب، يبدأ شيء عجيب في التغير. الأشياء التي كانت تشغل الإنسان تصبح أقل أهمية. والأشياء التي كانت تبدو عادية — مثل الرحمة والصدق — تصبح أغلى ما في الحياة. الحب يجعل الإنسان أكثر لطفًا وأقل قسوة....يجعله يرى البشر بعين أوسع، لأن القلب حين يمتلئ بمحبة الله، لا يستطيع أن يحمل الكراهية طويلًا.
*السر الخامس: أن الله أقرب إلى قلب المحب إن الله قريب من كل إنسان، لكن القرب يُشعَر به أكثر في قلب المحب. فالقلب الذي يحب الله يصبح مثل أرض خصبة تستقبل المطر. كل لحظة في الحياة تصبح رسالة. كل جمال في العالم يصبح إشارة. حتى الألم أحيانًا يصبح بابًا لفهم أعمق للحياة.
*السر السادس: أن الله يشتاق لعودة القلب إن الله لا يفرح فقط بعبادة الإنسان، بل يفرح بعودة قلبه إليه. كأن العلاقة بين الله والروح ليست علاقة أمر فقط، بل علاقة حب متبادل. ولهذا فالإنسان يطلب الله بالشوق، والله يجذب الإنسان بالرحمة.
*السر السابع: أن الحب يكشف جمال الله في بداية الطريق يرى الإنسان الله من خلال الأوامر والشرائع. لكن في عمق الطريق يبدأ يرى جمال الله في كل شيء. في الحكمة…في الرحمة…في النظام العجيب للكون…في تلك اللحظة يصبح الإيمان ليس فكرة فقط، بل دهشة مستمرة أمام جمال الخالق.
*السر الثامن: أن نهاية الطريق ليست معرفة… بل حب إن المعرفة تقود إلى الحب، لكن الحب يقود إلى شيء أعظم: السكينة. حين يحب الإنسان الله بصدق، يتغير شعوره تجاه الحياة كلها. يصبح أقل خوفًا، وأكثر ثقة بأن للوجود معنى. كأن القلب وجد أخيرًا موطنه الحقيقي.
**السر الأعظم في الحب الإلهي يبقى هناك سرّ واحد: أن الله لم يخلق الإنسان فقط ليبحث عنه…بل خلقه ليكون قادرًا على حبه. وهذه القدرة على الحب هي أعظم هدية وُضعت في قلب الإنسان. فالحب هو الجسر بين المحدود واللامحدود، بين الإنسان والله. "فحين يحب القلب الله بصدق…يجد أن الله كان يسكنه منذ البداية."
****حين أحبّت الروح نورها الأول إن الحب الإلهي ليس شيئًا يكتسبه الإنسان في حياته فقط، بل هو بذرة قديمة جدًا وُضعت في قلبه منذ فجر الوجود. حين كانت الأرواح في حضرة النور، لم تكن فقط تعرف الله…بل أحبّته. ذلك اللقاء الأول لم يكن معرفة عقلية، بل تجربة نورانية كاملة. ولهذا حين جاءت الروح إلى عالم الأرض، لم تنسَ كل شيء. بل احتفظت بشيء صغير جدًا…بذرة الشوق....هذه البذرة هي التي تجعل الإنسان يشعر أحيانًا أن قلبه يبحث عن شيء أكبر من العالم كله. ***لماذا لا يشبع القلب من العالم؟ لماذا يمكن للإنسان أن يملك المال، والنجاح، والجمال، ومع ذلك يشعر أن هناك فراغًا صغيرًا في أعماقه؟ الجواب بسيط لكنه عميق: لأن القلب خُلِق لشيء أكبر من العالم. القلب يشبه كأسًا خُلِق ليمتلئ بالمحيط. فإذا حاول الإنسان ملأه بأشياء صغيرة، يبقى فيه فراغ دائم....ذلك الفراغ ليس نقصًا…بل إشارة خفية إلى أصل القلب.
*الشوق… أجمل ألم في الوجود الصوفيون لا يخافون من الشوق، بل يعتبرونه أعظم هدية روحية. لأن الشوق يعني أن القلب ما زال حيًا. الشوق هو ذلك الإحساس العجيب الذي يجعل الإنسان يبحث عن الله دون أن يراه، ويثق في حضوره دون أن يمسك به. إنه يشبه حنين المسافر إلى وطن بعيد. "فالشوق نار في القلب… لكنها نار تضيء الطريق."
***لماذا يحب الله الإنسان؟ سأل بعض التلاميذ أحد الحكماء: لماذا يحب الله الإنسان أصلاً؟ فأجابهم بكلمة بسيطة جدًا لكنها عميقة: لأن الله رأى في الإنسان قلبًا قادرًا على حبه. الله لم يخلق الحجر ليحبه، ولا النجم ليعرفه. لكن الإنسان خُلِق بشيء فريد في الكون كله: قلب يستطيع أن يحب الله بوعي. ولهذا كان الإنسان كائنًا عجيبًا في الوجود. وحين يتحول القلب إلى بيت للنور وحين يبدأ الحب الإلهي بالاستقرار في قلب الإنسان، يحدث شيء جميل جدًا. يصبح القلب أقل ضجيجًا.وأكثر رحمة. فالأشياء التي كانت تثير الغضب بسهولة تبدأ تفقد قوتها. ويظهر في القلب إحساس جديد: سلام هادئ. كأن القلب وجد أخيرًا المكان الذي ينتمي إليه. "فالقلب الذي عرف الله… يصبح بيتًا للطمأنينة."
*السر الذي يبكي له العاشقين..... بعد رحلة طويلة من البحث، يصل بعض العاشقين إلى إدراك يهزّ الروح. يكتشفون أن الله لم يكن بعيدًا عنهم يومًا.....كل تلك السنوات من البحث…كانت في الحقيقة رحلة لاكتشاف القرب الذي كان موجودًا منذ البداية. ولهذا بكى بعضهم حين فهموا هذا السر.....ليس حزنًا…بل دهشة.
*أجمل ما قاله أهل العشق عن الحب الإلهي "حين أحببتُ الله ظننت أنني وجدتُه…ثم اكتشفت أنه هو الذي وجدني أولًا." فالإنسان يسير نحو الله بالشوق، لكن الله يفتح له الطريق بالرحمة.
*البداية: حين يلتقي القلب بالنور العاشقون (العارفون بالله) يقولون: الحب بين الله والإنسان يبدأ بلقاء داخلي لا يُرى، ولا يُسمع إلا بالروح. حين يغمض الإنسان قلبه عن ضجيج الحياة، ويصفو قليلًا… يبدأ إحساس غريب بالدفء يملأ قلبه. ليس دفء الجسد، بل دفء يشبه حضن الأب، دفء يشبه ضوءًا لا يغيب أبدًا. هذا هو اللحظة التي يلتقي فيها القلب بالنور....في هذه اللحظة لا يحتاج الإنسان لأن يسأل: أين الله؟ لأن الله حاضر في أعماقه، ينتظره بصمت.
*الشوق: لغة الحب الأولى الشوق هو أعظم أداة في هذا الحب....الشوق ليس ألمًا فقط، بل لغة الروح التي تذكّرها بالأصل. "كل مرة يحن القلب إلى الحقيقة، كل مرة يفتقد السلام في نفسه… يكون هذا هو صدى كلمة الأرواح الأولى: بلى." الشوق هنا ليس طلبًا لله وحده…بل تذكير من الروح لنفسها بما عرفته منذ البداية.
*الحب المتبادل: القلب يلقى النور في أعمق لحظة، يبدأ الإنسان يشعر بالسر الأعظم: أن الحب بينه وبين الله ليس من طرف واحد. الله لا يبتعد عن الإنسان، بل يسير معه في طريقه، يهمس في روحه بصمت: "ها أنت ذا، لا تنسَ… أنا معك." وهكذا يصبح الحب علاقة حضور حيّ متبادل. الإنسان يشتاق لله، والله يشتاق لقلب الإنسان…كل حب صغير، كل رحمة، كل دمعة صادقة… كل ذلك جزء من هذا الحوار الروحي.
*الحب يغيّر كل شيء حين يشتعل هذا الحب في القلب، يبدأ كل شيء بالتحول: الأشياء العادية تصبح إشارات نور. الناس تصبح مرايا لرحمة الله...الألم يصبح طريقًا لفهم أعمق للوجود....السلام الداخلي يبدأ ينساب في كل تصرف، وكل كلمة، وكل نظرة. والقلب المحب يصبح مرآة للنور الإلهي، ينعكس فيها جمال الله.
*اللحظة الأسمى: الاتحاد الصامت في قمة الحب الإلهي، يصل الإنسان إلى حالة: “الاتحاد الصامت.” ليس اتحادًا ليفقد الإنسان ذاته، بل اتحاد للوعي بالوجود الواحد. هنا يشعر الإنسان بأن كل شيء من حوله — من نجوم، بحر، هواء، قلبه ذاته — يحمل نفس النبض، نفس الروح، نفس الحب. في هذه اللحظة: لا فرق بين الوجود والله.....لا شعور بالبعد أو بالغربة.....كل شيء صمت، وكل شيء نور. وهنا يهمس القلب بصمت: “كنت تعرفني منذ الأزل… وأنا أحبك منذ الأزل.” **الخلاصة: الحب كطريق العودة الحب الإلهي ليس فقط شعورًا جميلًا…بل طريق العودة إلى الأصل. كل صلاة صادقة، كل دمعة رحمة، كل لحظة شوق…هي خطوة على هذا الطريق. والسر الأعظم هو أن الإنسان حين يصل إلى هذا الحب، يدرك أن كل حياته كانت رحلة طويلة، لاكتشاف أنه كان دائمًا محبوبًا. “الإنسان حين يحب الله بصدق… يبدأ الله يُضيء قلبه من الداخل، قبل أن يرى أي نور خارجي.” وهذا السر يفتح بابًا لمستوى من الحب، لا يشبه أي حب آخر في الوجود كله. فحين تجلس الروح في حضرة الحب الإلهي، لا يبقى هناك كلمات كافية لتفسيره… بل هناك إحساس يغمر القلب كله، كأن كل شيء من حولك أصبح ناعمًا بالضوء، وكأن الكون كله يتنفس معك.
*لحظة الصفاء الكامل تخيل قلبك وكأنه بحيرة صافية، كل شيء حولها صامت، السماء فوقك صافية، والنور يتسرب من كل شيء يحيط بك. في هذه اللحظة، كل ضجيج الحياة يختفي… كل خوف، كل ألم، كل سؤال بلا جواب....يبقى قلبك وحده… مفتوح، صافي، مستعد لأن يُملأ. وهنا يهمس الحب الإلهي بصمت: "ها أنت ذا، لقد كنت معي منذ البداية… كل نبضة في قلبك هي صدى وجودي." تشعر بأن كل خلية في جسدك، وكل نفس تتنفسه، كله يُشبع بحضور الله. ليس شعورًا مؤقتًا… بل إحساس بالانتماء المطلق، أنك لم تترك يومًا، وأنك لم تُبتعد يومًا.
#راندا_شوقى_الحمامصى (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
فضلا دعمكم لنا ...دعم إنساني لقضية إنسانية-
-
دعمكم من فضلكم..يا أصدقائي… يا شركاء الأرض والإنسان،
-
القرب الإلهي...تأمل في سر المسافة بين الإنسان وربه (3)
-
القرب الإلهي...تأمل في سر المسافة بين الإنسان وربه (2)
-
القرب الإلهي...تأمل في سر المسافة بين الإنسان وربه (1)
-
النظام الإنساني والنظم الإلهي
-
الإنسان بين وعي الأمس ووعي اليوم
-
تحرّي الحقيقة: فريضة الوعي ومسار الروح في كل مناحي الحياة
-
-العدالة وبني الإنسان-
-
الغيب… أفق العقل المفتوح
-
نبذ التعصّبات بكافة أنواعها: وصمة لا تليق بإنسان هذا العصر
-
-إلى متى نستمر بهذه العبثية الفكرية وبعيداً عن إعمال العقل و
...
-
تطوّر الوعي وتلاشي الهوية: من سجن الأنا إلى ميلاد الحرية
-
معضلة الإسراء والمعراج بالعقل وبلا تعصّب
-
الحياة بعد الموت – الرؤية الكبرى من مرايا الأديان
-
الدين الواحد... سرّ التجلّي الإلهي في مرايا الأديان، و حين ت
...
-
إن لم تستطع تغيير العالم، فغيّر من نفسك… فالعالم فيك
-
ليلة الأبدية… افتتاح المتحف المصري الكبير – حين استيقظت أروا
...
-
مصر... مجد الأزل ونور الأبد
-
حين يتنفس الشرق من جديد و ينتصر صوت السلام على ضجيج الحرب...
...
المزيد.....
-
عبور مؤجل إلى ما خلف العدسة.. عبد الله مكسور يكتب يومه في ال
...
-
-أشعر وكأنني ماكولي كولكين في فيلم وحدي في المنزل-.. فانس ما
...
-
أزمة قلبية مفاجئة.. رحيل الفنان الجزائري كمال زرارة
-
مفارقات كوميدية بين -كزبرة- وأحمد غزي في فيلم -محمود التاني-
...
-
انطفأ السراج وبدأ عصر -الموديلز-
-
أكرم سيتي يختزل قرنًا من الاستبداد في دقيقتين
-
أبو الغيط يترأس اجتماع مجلس إدارة الصندوق العربي للمعونة الف
...
-
مهرجان كان السينمائي: لجنة التحكيم تبدأ عملها في مشاهدة أفلا
...
-
-عيبٌ أُحبّه-.. 7 أيام كافية لهزّ الوجدان في الرواية الأولى
...
-
دراسة نقدية لنص(نص غانية) من ديوان (قصائد تشاغب العشق) للشاع
...
المزيد.....
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
رواية هروب بين المضيقين
/ أمين أحمد ثابت
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا
...
/ السيد حافظ
-
تمارين أرذل العمر
/ مروة مروان أبو سمعان
-
اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية
/ أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
المزيد.....
|