راندا شوقى الحمامصى
الحوار المتمدن-العدد: 8683 - 2026 / 4 / 20 - 18:02
المحور:
الادب والفن
الكون مرآة الذاكرة… لماذا خُلق الجمال ليوقظ الروح؟
يقول بعض أهل العرفان إن الله لم يخلق العالم عبثًا، ولم يترك الروح بعد عهدها الأول في ظلمة النسيان الكامل. بل بثّ في الوجود كله إشارات خفية، مثل نجوم صغيرة في طريق الروح، حتى لا تضيع في متاهة العالم.
فبعد لحظة العهد الأول حين قالت الأرواح “بلى”، بدأت رحلة الوجود الأرضي. دخل الإنسان إلى عالم الكثرة، عالم الصور والأصوات والوجوه والقصص. لكن الله، برحمته، جعل في هذا العالم شيئًا عجيبًا: الجمال.
الجمال ليس زينة للكون فقط…بل لغة سرية بين الله والروح.
حين يرى الإنسان مشهدًا يأخذ قلبه — غروبًا يذيب الأفق بلون النار، أو بحرًا يمتد بلا نهاية — يشعر بشيء لا يستطيع تفسيره. لحظة صمت، لحظة دهشة، كأن القلب يقول: هذا جميل… لكنه يذكرني بشيء أجمل. ذلك الإحساس هو ما يسميه العارفون ارتعاش الذاكرة الأولى.
فالروح حين ترى الجمال في العالم، تتذكر — ولو للحظة قصيرة — جمال المصدر الذي جاءت منه. كأن الكون كله لوحة ضخمة مرسومة بإشارات صغيرة تقول للروح:
تذكّر
تذكّر النور الذي عرفته قبل أن تبدأ الرحلة.
ولهذا قال بعض العارفين فكرة مذهلة: إن كل جمال في الكون هو ظلٌّ لجمال الله. فالورد ليس مجرد ورد،
والنجوم ليست مجرد نقاط ضوء في السماء.
كل شيء جميل في العالم هو نافذة صغيرة تطل منها الروح على الحقيقة الكبرى. ولهذا السبب يحدث شيء غريب في القلب حين يرى الإنسان الجمال، فهو لا يكتفي بالنظر، بل يشعر بشوق خفي. شوق إلى شيء أكبر من المشهد نفسه.
كأن الجمال يقول له بصمت: "إن أعجبك هذا، فتخيّل جمال من خلقه."
ومن هنا نفهم سرًا آخر من أسرار العرفان:
أن الله لم يضع مفاتيح التذكّر في المساجد والكتب فقط، بل في الحياة كلها.
في ضحكة طفل....في دمعة صادقة.....في لحظة رحمة بين إنسانين. كل تلك اللحظات الصغيرة يمكن أن تكون ومضة من نور توقظ القلب.
ولهذا قال بعض العارفين قولًا لطيفًا:
“لو فُتحت عين القلب لرأيت أن الكون كله يذكر الله.”
فالأمواج تذكره، والنجوم تذكره، والرياح تذكره…لكن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يسمع هذا الذكر أو يغفل عنه.
ومن أعمق أسرار هذا المعنى أن الإنسان حين يحب الجمال، فهو في الحقيقة يحب أثر الله في العالم.
ولهذا لا يشبع القلب من الجمال أبدًا.
قد يرى الإنسان ألف منظر جميل، لكنه يظل يشعر أن هناك جمالًا أعظم لم يره بعد. وهذا لأن القلب — في أعماقه — لا يبحث عن جمال الأشياء، بل عن جمال المصدر.
وهنا يصل العارفون إلى فكرة مؤثرة جدًا:
أن الإنسان حين يقف يومًا أمام الجمال الإلهي الحقيقي، سيشعر أن كل جمال في العالم كان مجرد إشارة صغيرة إليه. كالنجوم الصغيرة التي تدل المسافر على الشمس التي لم تشرق بعد.
ولهذا يقول أهل الطريق إن الحياة كلها ليست إلا رحلة طويلة من الدهشة الأولى إلى المعرفة الأخيرة.
بدأت بالدهشة حين رأت الأرواح النور لأول مرة، وستكتمل حين تعود الروح لتراه بوعي أعمق.
لكن السر الأجمل — وربما الأشجى — هو هذا:
أن الله لم يجعل الطريق إليه طريقًا جافًا من الأوامر فقط، بل جعله طريق جمال وشوق ومحبة.
حتى لا تسير الروح إليه بالخوف وحده، بل تسير إليه أيضًا بالحنين.
وفي نهاية هذه الرحلة، يفهم الإنسان شيئًا بسيطًا لكنه عميق:
أن كل لحظة جمال لمسَت قلبه في حياته كانت في الحقيقة رسالة حب صغيرة من الله.
رسالة تقول له:
"لا تنسَ…أنت تعرفني منذ زمن بعيد."
***حين خُلِق الحب… سرُّ الشوق بين الله والروح
حين يتحدث العارفون عن علاقة الإنسان بالله، لا يتحدثون عنها كعلاقة أمرٍ وطاعة فقط، بل يرون في أعماقها سرًّا أعظم: سرَّ الحب الإلهي.
يقول بعض أهل العرفان إن لحظة “ألست بربكم” لم تكن مجرد إعلان للربوبية، بل كانت لحظة تعارف بين النور والروح. وفي تلك اللحظة لم تعرف الأرواح ربها بالعقل، بل عرفته بالقرب والنور والمحبة.
ولهذا أجابت الأرواح “بلى” دون تردد.
لم تكن تلك الإجابة نتيجة تفكير، بل كانت استجابة فورية لنورٍ عرفته الروح في أعماقها.
لكن حين جاءت الأرواح إلى العالم الأرضي، حدث شيء يشبه الحجاب. لم تنسَ الروح ربها تمامًا، لكنها فقدت وضوح تلك الرؤية الأولى. فبقي في القلب شيء غريب: حنين لا يعرف سببه.
هذا الحنين هو ما يسميه الصوفيون الشوق إلى الله.
الشوق هو ذلك الألم الجميل الذي يشعر به الإنسان حين يبحث عن معنى أكبر من حياته اليومية.
حين يشعر أن قلبه يريد شيئًا لا يستطيع العالم كله أن يمنحه له.
ويقول العارفون إن الشوق ليس ضعفًا في الإنسان، بل علامة على أصله. فالروح لا تشتاق إلى شيء لم تعرفه من قبل.
كما أن الإنسان لا يحنّ إلى مدينة لم يزرها قط، كذلك الروح لا تشتاق إلى الله إلا لأنها عرفته يومًا ما.
ولهذا السبب يكون الشوق أحيانًا مؤلمًا…لأنه يشبه ذكرى جميلة لا يستطيع الإنسان أن يستعيدها بالكامل.
إن الحب الإلهي هو الذاكرة الحية لعهد “بلى”. فكل مرة يشعر الإنسان بمحبة صادقة نحو الله، فإن شيئًا من تلك اللحظة القديمة يستيقظ في قلبه.
كأن الروح تقول من جديد — بصمت هذه المرة —:
بلى… ما زلت أعرفك.
فالشوق ليس حركة من الإنسان نحو الله فقط…بل هو جذب من الله نحو الإنسان.
فالله لا ينتظر الإنسان ببرود، بل يجذبه إليه بطرق خفية: بجمال العالم، وبالأسئلة التي توقظ العقل،
وبالأحداث التي تكسر الغرور وتفتح القلب.
كل ذلك ليس صدفة…بل هو نداء لطيف من الله إلى روح الإنسان.
كأن الله يقول له في كل تجربة:
"تذكّرني."
“فلو لم يكن الله يريدك قريبًا منه… لما وضع في قلبك هذا الشوق.”
فالشوق نفسه هو علامة أن الباب لم يُغلق. إن الله يفرح بعودة القلب إليه أكثر مما يفرح الإنسان بالوصول. لأن الرحلة كلها — منذ عالم الذر حتى لحظة الوعي — ليست إلا قصة لقاء طويل بين الروح وربها.
وفي أعمق لحظات الصفاء، قد يشعر الإنسان بشيء نادر: سكون عميق في القلب…كأن الضجيج كله توقف. وفي تلك اللحظة يفهم شيئًا لم يفهمه من قبل:
أن الله لم يكن بعيدًا عنه يومًا، وأن الشوق الذي عاش معه طوال حياته لم يكن ألمًا بلا معنى…
بل كان خيطًا من النور يقوده إلى الله.
وعندها يدرك الإنسان سرًا بسيطًا لكنه يهز الروح: أن حياته كلها — بكل أفراحها وآلامها —
لم تكن إلا رحلة طويلة ليعود قلبه إلى تلك الكلمة القديمة التي قالها في حضرة النور منذ الأزل:
بلى.
حين يصبح القلب مرآة للنور… سرّ التحوّل الروحي
إذا دخل الإنسان قليلًا في أعماق طريق العرفان، يكتشف أن القرب من الله ليس فكرة جميلة فقط، بل تحوّل حقيقي يحدث في داخل الإنسان.
إن الإنسان حين يبدأ بمحبة الله بصدق، لا يبقى كما كان. شيء خفي يبدأ بالتغير في قلبه… كأن نورًا صغيرًا بدأ يشرق في الداخل. وهنا يظهر سر عجيب من أسرار الطريق.
إن قلب الإنسان في بدايته يشبه مرآة مغطاة بالغبار. هذه المرآة خُلقت لتعكس النور الإلهي، لكن طبقات الغفلة والأنانية والخوف تراكمت عليها عبر الزمن. ولذلك لا يرى الإنسان الحقيقة بوضوح.
لكن حين يبدأ القلب في طريق الصدق — صدق النية، صدق البحث، صدق المحبة — يبدأ الغبار بالتلاشي شيئًا فشيئًا. ليس فجأة… بل ببطء جميل.
كل لحظة رحمة تلمع فيها المرآة قليلًا. كل لحظة صدق تُزيل طبقة من الحجاب. كل مرة يغلب الإنسان فيها أنانيته، يزداد القلب صفاءً.
حتى يحدث شيء مدهش:
يبدأ نور الصفات الإلهية بالانعكاس في قلب الإنسان.
فالإنسان حين يقترب من الله، لا يصبح إلهًا — حاشا لله —لكن قلبه يبدأ يعكس شيئًا من صفات الله.
فتظهر الرحمة فيه أكثر. ويصبح أكثر لطفًا مع البشر. ويجد نفسه يميل إلى العدل دون أن يُجبر نفسه.
كأن القلب بدأ يتشكل على صورة النور الذي يحبه.
“فمن أحبّ شيئًا… تشبّه به.”
فإذا أحب الإنسان المال، تشكّل قلبه حوله. وإذا أحب السلطة، أصبح أسيرها.
أما إذا أحب الله…فإن أجمل ما يحدث له أن قلبه يبدأ يشبه النور الذي يعشقه.
أن الله لم يخلق الإنسان ليبقى مجرد مخلوق ضعيف يطلب النجاة فقط. بل خلقه ليكون مرآة لجماله في هذا العالم.
حين يرحم الإنسان إنسانًا آخر…يظهر في العالم شيء من رحمة الله.....حين يعفو إنسان عن إنسان…
يظهر شيء من عفو الله.....وحين يحب الإنسان الخير للناس بصدق…يظهر شيء من نور الله في الأرض.
“الله لا يظهر في العالم بالأنوار فقط… بل يظهر أيضًا بقلوب عباده الصالحين.”
فالقلب الذي امتلأ بالمحبة يصبح مثل نافذة يدخل منها النور إلى العالم. ولهذا تشعر أحيانًا حين تجلس مع إنسان طيب أن قلبك يهدأ دون سبب واضح....ليس لأنه قال كلامًا كثيرًا… بل لأن في حضوره سلامًا خفيًا.ذلك السلام هو أثر النور.
وبالرغم من إن السي في هذا الطريق بسيط جدًا… لكنه عميق جدًا:
أن يصبح القلب أكثر صدقًا، وأكثر حبًا، وأكثر رحمة. فإن أقرب الناس إلى الله ليس من يعرف أكثر،
بل من يحب أكثر. فكل قلب يشتعل بمحبة الله يصبح نجمة صغيرة في ظلمة العالم.
وعندها يفهم الإنسان سرًا لم يفهمه من قبل:
أن القرب من الله ليس فقط أن يشعر الإنسان بالسلام في داخله…بل أن يصبح وجوده نفسه مصدر سلام للآخرين....يُعرَف المشتعل بمحبة الله بالطمأنينة التي يتركها في القلوب.” كأن روحه تحمل أثر ذلك النور القديم الذي عرفه يومًا في حضرة الله.
#راندا_شوقى_الحمامصى (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟