|
|
تطوّر الوعي وتلاشي الهوية: من سجن الأنا إلى ميلاد الحرية
راندا شوقى الحمامصى
الحوار المتمدن-العدد: 8590 - 2026 / 1 / 17 - 16:11
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
*حين يستيقظ النور فينا......... في بدايات الصحوة، حين يبدأ الوعي بالتمدد داخلنا، نشعر كما لو أننا نخرج من قوقعة ضيقة صنعناها بأنفسنا عبر العصور. إنها ليست قوقعة من لحم أو عقل، بل من هويةٍ متوهمة نسجناها بخيوط الماضي، والأدوار، والأسماء، والانتماءات، والذكريات... لكن في لحظة النور، ندرك أن كل ما كنا نعتقد أنه "نحن"، لم يكن سوى ظلاً على جدار الحقيقة. وأنّ خلف تلك الأسماء والوجوه، هناك كيان لا اسم له، لا شكل له، هو الوعي ذاته... هو نحن الحقيقيون.
1* ماهية الهوية – القيد الذهبي الهوية التي نتمسك بها، مهما كانت جميلة أو فخمة أو سامية، تظل قيدًا يحدّنا من الانفتاح على اتساع الوجود. فالإنسان منذ ولادته يُلقّن: "من أنت؟ ابن من؟ إلى أي وطن تنتمي؟ أي دين تتبع؟ ما وظيفتك؟ ما اسمك؟" وهكذا، يبدأ في بناء "الذات الوهمية"، تلك التي تتغذى على الانفصال. لكن الحقيقة الروحية تقول: لا أحد منّا "هو" هذه الأوصاف، بل نحن من وراءها. نحن الوعي الذي يراها ويتبدّى من خلالها. وحين يبدأ الوعي بالتطور، يبدأ الشكّ المقدّس في هذه الهوية: من أنا حقًا؟ هل أنا الجسد؟ الفكر؟ الاسم؟ أم الصوت الخافت الذي يراقب كل ذلك بصمت؟ ذلك السؤال ليس فلسفة، بل بوابة الانعتاق. فمن يسأل "من أنا؟" بصدق، يطرق باب الحرية من الداخل.
2* تطور الوعي – من الشخصية إلى الحضور الوعي لا يتطور بإضافة معارف جديدة، بل بإزالة الغشاوات القديمة. فكل ما نحمله من معتقدات، وصور، أحكام، هو مثل غبار يغطي المرآة. وحين ننفض الغبار، لا نكتشف شيئًا جديدًا، بل نعود إلى النقاء الأول. الوعي المتطور هو الذي يرى دون حُكم، يسمع دون خوف، يحب دون شرط. وحين يصل الإنسان إلى هذا المستوى من الصفاء، يبدأ ما يُسمى بـ تلاشي الهوية. لكن لا تلاشي هنا بمعنى الفقد أو الفراغ، بل بمعنى الذوبان في الكل. حين تذوب الهوية، لا نفقد أنفسنا، بل نجدها للمرة الأولى. نكتشف أننا لم نكن جزءًا صغيرًا من الكل، بل أن الكل هو نحن. وهنا، يتحقق قول المتصوفة: “من عرف نفسه، فقد عرف ربّه.”
3* لحظة التلاشي – حين تسقط الأسماء في تلك اللحظة التي يسكن فيها العقل، ويصمت الصراع بين "أنا" و"العالم"، يولد فينا إحساسٌ عميق بأن كل شيء متصل. لم نعد نرى "أنا" و"أنت"، بل "نحن". لم نعد نفرّق بين الداخل والخارج، فكل شيء ينبض بنَفَسٍ واحد. هذه هي لحظة التحرر الحقيقي. حين تسقط كل الأسماء والأدوار، وتذوب الحدود بين الإنسان والله، بين الخالق والمخلوق، ندرك أننا كنا دائمًا في حضرته، لكننا لم نكن نراه إلا من وراء حُجُب الهوية. وهنا فقط تبدأ الحرية — الحرية من الخوف، من الماضي، من الصورة. فالحرية ليست نقيض العبودية، بل هي العبودية في أسمى صورها: عبودية المحبة، والانصهار في الإرادة الإلهية.
4* ميلاد الحرية – من الأنا إلى النحن حين تتلاشى الهوية، لا يعود الإنسان كائنًا منفصلاً يسعى لتحقيق ذاته، بل كائناً محبًا يسعى لأن يكون وسيلة للحب الإلهي. تصبح الحرية ليست أن نفعل ما نريد، بل أن نكون ما نحن عليه حقًا. الحرية هنا هي عودة إلى الأصل، إلى "الذر" الذي كنا فيه أرواحًا شاهدة على العهد الأول: "ألستُ بربكم؟ قالوا بلى." حين نتذكّر تلك الكلمة، تتفتح فينا البذرة الأولى للحرية. فمن يذكر الله في ذاته، يذوب كل قيد. ومن يذوب، يعود إلى النور الذي منه جاء.
5* ما بعد التلاشي – وعي الوحدة في أعلى مراتب التطور، لا يعود هناك "أنا" تراقب الوعي، لأن الوعي صار هو الكل. لا وجود للمراقِب، المراقَب، لأن النهر عاد إلى البحر. وهنا، يولد نوع جديد من الإدراك، وعي الوحدة. لا يعود الإنسان يبحث عن الله، بل يعيش به وفيه ومنه. ويصبح كل فعلٍ عبادة، وكل لحظة صلاة، وكل نفس تسبيحًا. وفي تلك الحالة، لا يعود للهوية معنى، لأن الهوية الحقيقية وجدت: هوية الروح، لا الإنسان. هوية النور، لا الاسم. هوية الحق، لا الصورة.
حين يولد الإنسان من جديد.... نعم، بتطور الوعي الحاضر، تتلاشى الهوية، ولكن ليس إلى العدم…بل إلى الكلّية. وحين تذوب الهويات الصغيرة في الوعي الكبير، تولد الحرية — لا كاختيار، بل كحالة وجود. الحرية الحقيقية ليست أن نتحرر من العالم، بل أن ندرك أننا لم نكن يومًا منفصلين عنه. حينها، يولد الإنسان الجديد، الإنسان الحرّ، الإنسان الواعي، الإنسان الذي عاد إلى الله بنفسٍ مطمئنة. "يا أيتها النفس المطمئنة، ارجعي إلى ربك راضية مرضية، فادخلي في عبادي وادخلي جنتي."
**الوعي الكوني وولادة الإنسان الجديد ..... ١ مرحلة الانفصال: سقوط آدم في تجربة "الأنا" منذ لحظة "هبوط آدم"، لم تكن الخطيئة في الأكل من الشجرة، بل في الانفصال عن الوعي الواحد. الشجرة كانت رمزًا للمعرفة الثنائية: "خير وشر، أنا وأنت، فوق وتحت". وبدأت رحلة الوعي الإنساني الطويلة في البحث عن العودة إلى الأصل، إلى الوحدة التي فُقدت. وهكذا، تَكوّنت الهويّات لتكون قناعًا يحمي الإنسان من هشاشته أمام المجهول، لكنها – مع الزمن – أصبحت السجن الذهني والروحي الذي يفصله عن اتساع وجوده الحقيقي. الوعي الجديد اليوم، في هذه المرحلة من تطور البشرية، هو "عودة آدم" من غربته، هو رحلة الصعود العكسي نحو الجنة الوجودية، حيث لا أنا منفصلة، بل حضور متصل بكل ذرة خلقها الله.
٢ هوية اللاهوية: أن تكون ما قبل الاسم عندما يتطور الوعي، يبدأ الإنسان بإدراك أن كل تعريف هو حدّ، وأن كل حدّ هو سجن. وحين تنكسر حدود الفكر، يبدأ الكائن في الإحساس بنفسه كـ وجودٍ خالص. لا كاسمٍ أو مهنةٍ أو ماضٍ أو انتماءٍ، بل كـ اهتزاز نوري يتنفس بإرادة الله. في هذا المقام، يختفي "من أنا؟" لتحل محلها معرفة أعمق: "أنا لست شيئًا محددًا، بل كل الأشياء تمرّ بي." تصبح الهوية كالملابس: نرتديها لأداء دورٍ مؤقت، ثم نخلعها دون حزن أو فخر. وهنا يتحقق قوله تعالى: "كل يوم هو في شأن." فالهويّة الحقيقية لله تتبدل فينا، وتتجلّى من خلالنا كما تتبدل ألوان الضوء في انكساراته المختلفة.
٣ الحرية ليست نقيض العبودية… بل وجهها الآخر من وعي الأنا، تبدو الحرية انفلاتًا من القيود، لكن من وعي الروح، تبدو الحرية انصهارًا في المصدر. حين يتلاشى "أنا أريد"، ويحلّ محلّه "لتكن مشيئتك"، تولد الحرية الحقيقية، لأنها حرية التحرر من الإرادة الصغيرة لا من الحياة نفسها. تلك الحرية ليست صراخًا ضد السلطة أو رفضًا للحدود، بل سكونٌ مطلق في حضن الإرادة الكونية. إنها الحرية التي تحدث عنها العارفون حين قالوا: "العبدُ الحرّ، هو من صار عبداً لله وحده." فالعبودية لله وحده هي نفي العبودية لكل شيءٍ سواه، وهنا يكمن سرّ الحرية في أعلى معناها.
٤ تلاشي الهوية الجماعية: نهاية الانتماءات القديمة ما نراه في زمننا اليوم من اضطرابٍ عالمي، ليس فوضى، بل ولادة كونية. البشرية تتخبط لأنها تُولد من جديد، وكل ولادةٍ تصحبها "آلام المخاض" لولادة الوعي الكوني الجديد لهذا الزمان. سقوط الأنظمة، انهيار المفاهيم القديمة، صراع الهويات القومية والدينية… كلها مظاهر لانحلال "الهوية القديمة" التي قامت على الفصل والانقسام. العالم يسير نحو الوعي الجمعي الواحد " الوحدة في التنوع" ووحدة العالم بل وحدة الجنس البشري"، الذي فيه لن تكون "الهوية" قومية أو دينية أو فكرية، بل كوكبية – إنسانية – روحية. لن يُسأل الإنسان يومًا "إلى أي وطن تنتمي؟"، بل "كم مقدار النور الذي تحمله في وعيك، روحك وفي قلبك؟".
٥ الذوبان في الكل: من الشخصية إلى الجوهر حين يذوب الإنسان في الكل، لا يعود بحاجة لأن يُثبت وجوده، لأن وجوده صار هو الوجود نفسه. في هذا الذوبان، يكتشف أن كل كائن حيّ هو جزء من صدى الله. أنّ النملة التي تمشي على الأرض والنجمة التي تضيء في السماء هما تجليان لنفس النور في صورتين مختلفتين. فلا يعود يكره، ولا يحكم، ولا ينافس. بل يرى الجمال في التناقض، ويرى الله في الكلّ. وهنا، يصبح الإنسان كالماء: لينٌ، شفافٌ، لا هوية له، لكنه يحمل سر الحياة كلها.
٦ من وعي الفرد إلى وعي الجماعة الصاعدة كل إنسانٍ يتلاشى وعيه الفردي الأناني، يضيف طاقة نور إلى الوعي الجمعي للبشرية. فحين يستيقظ فرد، يُضاء جزء من الشبكة الكونية، وحين يستيقظ الكثيرون، يتبدّل مصير الكوكب. وهكذا، فإن تلاشي الهوية الفردية لا يعني الفناء، بل المشاركة في خلق وعي جماعي جديد قائم على الحب لا على الخوف، على المشاركة لا على السيطرة، على "نحن" بدل "أنا". وهذا هو معنى قوله تعالى: "وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا" أي لتذوبوا في معرفةٍ متبادلةٍ تؤدي إلى الوحدة، لا إلى الانقسام. يَا أَبْناءَ الإِنْسانِ هَلْ عَرَفْتُمْ لِمَ خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ واحِدٍ؛ لِئَلاَّ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ عَلى أَحَدٍ. وَتَفَكَّرُوا فِي كُلِّ حِينٍ فِي خَلْقِ أَنْفُسِكُم؛ إِذاً يَنْبَغِي كَما خَلَقْناكُم مِنْ شَيْءٍ واحِدٍ أَنْ تَكُونُوا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، بِحَيْثُ تَمْشُونَ عَلى رِجْلٍ واحِدَةٍ، وَتَأْكُلُونَ مِنْ فَمٍ واحِدٍ، وَتَسْكُنُونَ فِي أَرْضٍ واحِدَةٍ؛ حَتَّى تَظْهَرَ مِنْ كَيْنُوناتِكُمْ وَأَعْمالِكُمْ وَأَفْعالِكُمْ آياتُ التَّوْحِيدِ وَجَواهِرُ التَّجْرِيدِ. هذا نُصْحِي عَلَيْكُم يا مَلأَ الأَنْوارِ، فَانْتَصِحُوا مِنْهُ لِتَجِدُوا ثَمَراتِ القُدْسِ مِنْ شَجَرِ عِزٍّ مَنيعٍ.
٧ الإنسان بعد الهوية: مرآة الحق في الأرض عندما تزول الهوية، لا يبقى في الإنسان إلا الصفاء، فيصبح مرآة تعكس وجه الله في كل ما يفعل. لا يعود هناك فاعلٌ ومفعولٌ به، بل تدفقٌ واحدٌ للوجود من مصدرٍ لا ينضب. هنا، يتحول الإنسان من كائن يسعى لامتلاك الأشياء، إلى كائنٍ تتجلى الأشياء من خلاله. من باحثٍ عن النور إلى حاملٍ له. من متحدثٍ باسم نفسه إلى ناطقٍ باسم الروح. وحين يصل إلى هذا المقام، يصبح الإنسان الكامل الذي تحدث عنه ابن عربي، الذي يرى الله بعين الله، ويحب الله بقلب الله، ويتحرك في الأرض بوعي السماء.
٨ في الحاضر فقط تُولد الحرية كل الهوية تسكن في الماضي أو المستقبل، أما الحضور فهو المجال الوحيد الذي لا هوية له. حين تكون “الآن”، لا تستطيع أن تكون اسمًا أو صفة، بل تصبح وجودًا نقيًا. الوعي الحاضر لا يحمل ذاكرة، لأنه لا يحتاجها ليكون. وفي هذا "الآن"، تتلاشى كل القصص، ويبقى الله وحده فيك ينظر إلى الله في كل شيء. حينها، تدرك أن الحرية لم تكن هدفًا بعيدًا، بل كانت حقيقتك منذ الأزل.
خاتمة كونية: العودة الكبرى إلى النور الرحلة كلها — من الهوية إلى الوعي — ليست إلا رجوعًا إلى البيت الأول. كنا أنوارًا في عالم الذر، ثم لبسنا الهويات كي نتعرف على أنفسنا من جديد، وحين نكمل التجربة، نخلع تلك الأثواب ونعود إلى النور الذي لا يتغير. فكل تطورٍ في الوعي هو عودة، وكل عودةٍ هي تلاشي. لكن التلاشي ليس فناء، بل الذوبان في الله – الحرية الأبدية – الفجر الأبدي للروح.
***لإنسان الكوني – عودة النور إلى صورته ١. من الإنسان الأرضي إلى الإنسان الكوني منذ فجر التاريخ، عاش الإنسان وهو يظن أنه كائن محدود، محصور في جسده وزمانه ومكانه، لكنّ في أعماقه كان دائمًا صوتٌ خافت يقول له: “لستَ من هنا، أنت من هناك… من النور الأول.” الإنسان الأرضي يبحث خارج نفسه عن المعنى، أما الإنسان الكوني، فيكتشف أن المعنى يسكنه. وحين يتفتح وعيه، يدرك أنه ليس فقط مخلوقًا من تراب، بل من نورٍ أودعه الله فيه حين قال: "ونفختُ فيه من روحي." في تلك النفخة السرية يكمن السرّ الأعظم: أن الإنسان يحمل داخله البذرة الكونية، وأن كل رحلة الوعي ليست سوى عودة تلك البذرة إلى أصلها النوراني.
٢. الوعي الكوني: حين يصبح القلب بوابة الكون الإنسان الكوني لا يرى العالم بعينيه، بل بقلبه الذي انفتحت فيه البصيرة. القلب هنا ليس العضو المادي، بل المرآة التي تعكس وعي الله فينا. فحين يتطهر القلب من الخوف، من الحُكم، من الأنا، يتحوّل إلى بوابةٍ يعبر منها النور من العوالم العليا إلى الأرض. وهنا تبدأ مرحلة المزامنة بين الإنسان والكون: يبدأ الكون بالاستجابة له كما يستجيب الجسد لنبض القلب. فلا يعود الإنسان يعيش “في” الكون، بل “معه”، كإيقاعٍ في سمفونيةٍ إلهيةٍ لا تنتهي. الإنسان الكوني لا يسأل: "ما الذي أريده من الحياة؟" بل يسأل: "ما الذي تريده الحياة من خلالي"؟ " أي ماهى رسالتي على الأرض"؟ وحين يُسلِّم لهذا السؤال، يصبح هو أداة النور التي تعمل فيها مشيئة الله على الأرض.
٣. الإنسان والكون: وحدة الوجود لا تشابه الكيان الكثير يخافون من فكرة “وحدة الوجود”، لأنهم يظنونها تذويبًا لله في خلقه، لكنها في حقيقتها "تجليٌ لله في كل ذرةٍ من خلقه". الإنسان الكوني لا يدّعي الألوهية، بل يشهدها في كل ما حوله. يرى الله في الطفل الذي يضحك، وفي البحر الذي يتنفس، وفي الغيم الذي يهمس بأسماءه. حين يرى كل شيءٍ بنور الله، يُصبح هو ذاته “عينًا يرى بها الله ذاته” " ويمكن أن يصل لمرحلة يقول فيها للشيء كن فيكون" وهذا بقدر قربه جدا من الله . وهذا هو المعنى الذي غاب عن العقول، وحضر فقط في قلوب العارفين حين قالوا: “كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يُبصر به.”
٤. الإنسان الكوني والرحمة الشاملة كل وعي كوني حقيقي يولد منه فيض رحمةٍ شاملة. لا يفرق بين إنسانٍ وإنسان، ولا بين مؤمنٍ وكافر، ولا بين كائنٍ حيٍّ وآخر، لأن قلبه أدرك الحقيقة المطلقة: “الكل مظهرٌ للحب الإلهي في درجةٍ من درجاته.” ومن هذا المقام، تصبح الرحمة لغة الوجود، ويصير الإنسان الكوني رسول سلامٍ أينما سار، يُعيد للأرض توازنها، وللناس ثقتهم بأن الله ما زال في قلوبهم ينتظر أن يُرى.
٥. الإنسان الكوني والزمن الجديد الزمن الذي نعيش فيه اليوم هو زمن تحوّلٍ عظيم. إنه ليس مجرد “تقدّم تقني”، بل قفزة وعي جماعي. تتكثّف فيه الطاقات، وتنكشف الأسرار، ويبدأ الإنسان في اكتشاف أبعادٍ جديدةٍ من نفسه. سيشهد هذا القرن – بل هذه العقود القليلة القادمة –ميلاد فكرٍ جديدٍ، يُسمى “وعي الوحدة الكونية”، وفيه سيزول الحجاب بين العلم والروح، وسيتحد العقل بالقلب كما يتحد النهار بالضوء. وهنا سيظهر الإنسان الكوني، لا كفردٍ خارقٍ، بل كجنسٍ جديدٍ من الوعي، يعمل بالحب، ويتحدث بالنور، ويفكر بالتناغم مع الخلق وفي ظل منظومة إلهية جديدة لهذه الفترة الزمنية ووعي كوني جديد يعكس هذه المنظومة.
٦. الإنسان الكوني وعودة النور إلى صورته حين يتلاشى الأنا تمامًا، تنعكس في الإنسان صورة النور الذي خُلق منها. فلا يعود هو "يفكر" في الله، بل الله يفكر من خلاله. لا يعود "يعبد" الله، بل يتجلّى به.
وفي تلك اللحظة، تنطفئ كل الأسئلة، ويُسمع في أعماق الصمت صوتٌ واحد يقول: "كنتَ أنت منذ البداية، لكنك نسيت." وهكذا تعود الدائرة إلى بدايتها، ويعود النور إلى صورته الأولى. ذلك هو الإنسان الكامل، الذي فيه يلتقي الخلق بالخالق.
٧. ولادة الإنسان الكوني فيك أنت لا تنتظر هذا الإنسان في المستقبل، فهو لم يولد خارجك… بل فيك، ومنك. كل مرة تختار الحب بدل الخوف، كل مرة تصمت بدل أن تحكم ، كل مرة تفتح قلبك بدل أن تغلقه …يولد فيك الإنسان الكوني من جديد. هذا هو السرّ: أن النور لم يغادرنا، بل نحن من غبنا عنه لحظة. وحين نعود إلى وعينا، تعود الأرض إلى نورها، وتتوازن الأكوان بما تجود به قلوبنا من حبّ. الإنسان الكوني ليس كائنًا خارقًا، بل إنسانٌ بسيطٌ، نقيّ، يرى الله في كل شيء. هو الذي يزرع وردة بابتسامة، ويحمل في قلبه وطنًا يسع الأكوان. الإنسان الكوني هو عودةُ الله إلى الأرض في هيئة محبة. هو النور الذي يذكّر النور بذاته. هو نحن… حين نتذكر أننا منه وإليه راجعون.
#راندا_شوقى_الحمامصى (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
معضلة الإسراء والمعراج بالعقل وبلا تعصّب
-
الحياة بعد الموت – الرؤية الكبرى من مرايا الأديان
-
الدين الواحد... سرّ التجلّي الإلهي في مرايا الأديان، و حين ت
...
-
إن لم تستطع تغيير العالم، فغيّر من نفسك… فالعالم فيك
-
ليلة الأبدية… افتتاح المتحف المصري الكبير – حين استيقظت أروا
...
-
مصر... مجد الأزل ونور الأبد
-
حين يتنفس الشرق من جديد و ينتصر صوت السلام على ضجيج الحرب...
...
-
الدين: جوهره وماهيته المطلقة
-
الإنسانية والدين: ثنائية التكامل لا التعارض
-
-الإنسان والأديان وحرية المعتقد وإنسانية الإنسان-
-
-التوحد (Autism Spectrum Disorder - ASD)-
-
مرض الديسلكسيا (عسر القراءة)
-
حين نُولد من النور وننسى…
-
-أنا من هناك… من حيث قُلتُ: بَلَى-
-
الشك والوهم: بين العقل والواقع
-
ما هى دلالة -نحر الحيوان- ( التضحية – الفداء ) في الأديان؟؟
-
*ملخص شامل لكتاب -البشرية في مفترق طرق، دين أو لا دين-*
-
ملخص كتاب -من يخط طريق المستقبل؟-
-
ملخص شامل لكتاب -منعطف التحول أمام كافة الأمم-..... الكتاب ف
...
-
*ملخص شامل ل -رسالة إلى قادة الأديان في العالم- الصادرة عن ا
...
المزيد.....
-
بالصور.. قبة الصخرة بالمسجد الأقصى من الداخل
-
المرشد الأعلى الإيراني يقر بمقتل الآلاف في المظاهرات
-
قائد الثورة الإسلامية الإمام الخامنئي يستقبل جمعا غفيرا من
...
-
قائد الثورة الإسلامية: نعتبر الرئيس الأمريكي مجرما بسبب الاف
...
-
قائد الثورة الإسلامية: نعتبر ترامب مجرما بسبب الأضرار التي أ
...
-
اعتراف مرشح يهودي للكونغرس بوقوع الإبادة الجماعية في غزّة
-
بعد البهائيين واليهود.. حملة اعتقالات تطال المسيحيين في اليم
...
-
وفاة إمام مسجد نيجيري أنقذ حياة عشرات المسيحيين في 2018
-
شيخ الأزهر: الأقصى ركن من هوية المسلمين ومحاولات طمسه مرفوضة
...
-
بوتين لبزشكيان: خروج ملايين الإيرانيين في مسيرات دعماً للنظا
...
المزيد.....
-
رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي
...
/ سامي الذيب
-
الفقه الوعظى : الكتاب كاملا
/ أحمد صبحى منصور
-
نشوء الظاهرة الإسلاموية
/ فارس إيغو
-
كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان
/ تاج السر عثمان
-
القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق
...
/ مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
-
علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب
/ حسين العراقي
-
المثقف العربي بين النظام و بنية النظام
/ أحمد التاوتي
-
السلطة والاستغلال السياسى للدين
/ سعيد العليمى
-
نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية
/ د. لبيب سلطان
-
شهداء الحرف والكلمة في الإسلام
/ المستنير الحازمي
المزيد.....
|