أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - راندا شوقى الحمامصى - القرب الإلهي...تأمل في سر المسافة بين الإنسان وربه (2)















المزيد.....

القرب الإلهي...تأمل في سر المسافة بين الإنسان وربه (2)


راندا شوقى الحمامصى

الحوار المتمدن-العدد: 8677 - 2026 / 4 / 14 - 15:13
المحور: الادب والفن
    


لماذا يشتاق الإنسان إلى الله أصلًا؟
كيف يمكن لقلبٍ يعيش في عالم المادة أن يحمل هذا الحنين العميق إلى المطلق؟
هنا نعود بأرواحنا إلى لحظة بعيدة جدًا في فجر الوجود… اللحظة التي تذكرها الآية الكريمة:
“ألست بربكم… قالوا بلى.”
إن هذه ليست مجرد قصة رمزية، بل إشارة إلى اللحظة الأولى لوعي الروح.
في تلك اللحظة — قبل أن تدخل الأرواح إلى عالم الجسد — شهدت الحقيقة الإلهية مباشرة، وعرفت ربها معرفة لا يشوبها شك ولا حجاب.
كانت تلك لحظة نقاء مطلق. لم يكن هناك عقلٌ يحلل، ولا نفسٌ تشتهي، ولا عالمٌ يشتت الانتباه.
كانت الروح في مواجهة النور مباشرة.
وعندما جاء السؤال الإلهي:
“ألست بربكم؟”
لم يكن سؤال معرفة… بل سؤال تذكير.
ولهذا جاءت الإجابة من الأرواح بلا تردد:
“بلى.”
ذلك الجواب لم يكن كلمة فقط…بل كان عهدًا وجوديًا بين الروح وخالقها.

لكن ما الذي حدث بعد ذلك؟
حين جاءت الروح إلى العالم الأرضي، دخلت في تجربة جديدة: تجربة الجسد، والزمن، والنسيان.
أصبحت محاطة بالحواس، بالأفكار، بالرغبات، وبضجيج الحياة.
فغابت تلك اللحظة الأولى عن الوعي الظاهر…لكنها لم تختفِ من أعماق الروح.
وهنا يُكشف السر المدهش:
أن الشوق الذي يشعر به الإنسان إلى الله هو في الحقيقة صدى تلك الإجابة القديمة: “بلى”. كأن تلك الكلمة لم تختفِ، بل بقيت تتردد في أعماق الوجود الإنساني مثل نغمة بعيدة. وفي كل مرة يهدأ فيها القلب قليلًا، يسمع الإنسان صداها.
ولهذا يشعر بعض الناس — فجأة — بلحظات غريبة من الحنين:
حين ينظر إلى السماء، أو حين يقف أمام البحر، أو حين يغمره صمت عميق في لحظة تأمل. في تلك اللحظات يشعر الإنسان بشيء لا يستطيع تفسيره…كأن روحه تتذكر شيئًا قديمًا جدًا.
وعليه نجد :
“الإنسان لا يحب الله لأنه تعلّم ذلك… بل لأنه يتذكره.” فالمحبة ليست فكرة يكتسبها العقل، بل ذكرى قديمة تسكن الروح.
ولهذا السبب أيضًا يشعر كثير من الناس أنهم غرباء قليلًا في هذا العالم. ليس لأن الحياة ناقصة، بل لأن الروح تتذكر وطنًا أقدم من الأرض.
وكل رحلة روحية في الحقيقة ليست اكتشاف شيء جديد، بل عودة بطيئة إلى ذلك العهد الأول.

ومن هنا نفهم سرًا آخر من أسرار القرب الإلهي:
أن الله لا يطلب من الإنسان أن يتعرف عليه من الصفر…بل يطلب منه فقط أن يتذكر. ولهذا نجد أن الطريق إلى الله ليس صعودًا إلى السماء، بل عودة إلى الداخل.

كلما صمت العقل قليلًا، وكلما صفا القلب قليلًا، تبدأ تلك الذكرى القديمة بالظهور.ليس كفكرة…بل كإحساس عميق بالانتماء.
وفي أعمق لحظات العرفان، يصل بعض المحب إلى إدراك مدهش:
أن حياته كلها كانت رحلة طويلة لكي يعود إلى كلمة واحدة قالوها منذ الأزل…
“بلى.”
فكل صلاة، وكل دعاء، وكل دمعة صادقة، وكل لحظة بحث عن الحقيقة…ليست إلا محاولة من الروح أن تعود إلى صدق تلك الإجابة الأولى.
ولهذا يقول أهل العرفان إن أعظم لحظة في حياة الإنسان ليست حين يعرف الله لأول مرة…بل حين يدرك أنه كان يعرفه دائمًا.
عندها يفهم الإنسان سر الشوق الذي عاش معه طوال حياته. ويفهم أن قلبه لم يكن يبحث عن شيء مجهول…بل كان يحاول فقط أن يعود إلى تلك اللحظة القديمة حين وقف أمام النور وقال:
بلى… أنت ربّي.

الشجن الروحي… سرُّ النداء الأول
في أعماق التجربة الروحية سرًّا عجيبًا:
إن سؤال الحق للأرواح “ألست بربكم؟” لم يكن مجرد لحظة عابرة في بداية الوجود، بل كان زرعًا لبذرة الوعي الإلهي في جوهر الإنسان.

ففي تلك اللحظة الأولى لم تتلقَّ الأرواح خبرًا عن الله فقط…بل تذوّقت حضوره. وهناك فرق هائل بين أن تسمع عن النور، وأن ترى النور، وأن تكون مغمورًا به.
الأرواح في عالمها الأول لم تكن تبحث عن الله، لأنها كانت في حضرته. لم يكن هناك سؤال عن معنى الوجود، لأن المعنى كان واضحًا مثل الشمس في قلب السماء.
لكن حين بدأت رحلة الإنسان في العالم الأرضي، حدث ما يشبه الستار الكوني. دخلت الروح إلى عالم كثيف، عالم الزمن والمادة والنسيان. ومع هذا النسيان بدأ الإنسان يشعر بشيء غريب:
شعور لا يمكن تفسيره بسهولة…شعور بالشوق.....هذا الشوق ليس حزنًا عاديًا، وليس رغبة عابرة....إنه ذلك الشجن الروحي الذي يزور الإنسان أحيانًا دون سبب واضح.
قد يحدث حين يرى الإنسان غروبًا هادئًا، أو حين يسمع موسيقى تمس القلب، أو حين يقف وحده في صمت الليل وينظر إلى النجوم. فجأة يشعر أن روحه تتحرك بشيء يشبه الحنين…كأن هناك بابًا قديمًا في أعماقه يُفتح لحظةً ثم يُغلق.
العارفون يقولون إن تلك اللحظات ليست صدفة. إنها ارتعاش الذاكرة الروحية، كأن الروح تتذكر شيئًا من نورها الأول، شيئًا من تلك اللحظة القديمة حين كانت تعرف الله معرفة مباشرة.

ومن هنا نفهم فكرة مذهلة:
أن الحياة كلها ليست إلا عملية تذكّر بطيئة.
الإنسان يولد ناسيًا، لكنه يحمل في أعماقه بذرة المعرفة الأولى....وكل تجربة في الحياة — الفرح، الألم، الحب، الفقد — يمكن أن تكون بابًا لإيقاظ تلك البذرة.
ولهذا السبب كثيرًا ما تكون اللحظات الصعبة في حياة الإنسان لحظات اقتراب روحي. لأن الألم يكسر الغرور، ويجعل القلب أكثر شفافية، وأكثر استعدادًا لسماع النداء القديم.

ومن أعمق أسرار العرفان أن الله لم يترك الإنسان بعد ذلك العهد الأول، بل ظل يرسل إليه إشارات لا تنتهي.
كل جمال في الكون…كل رحمة في قلب إنسان…كل فكرة نورانية تمر في العقل…هي في الحقيقة صدى لذلك السؤال الأول، وكأن الوجود كله يكرر النداء:
ألست بربكم؟
والروح — في كل لحظة صدق — تعود لتجيب من جديد:
بلى.
لكن السر الأجمل في هذا كله هو أن الله لم يطلب من الإنسان أن يبقى أسير النسيان، بل جعل في قلبه قدرة عجيبة على العودة.
فكلما اتجه الإنسان نحو الحقيقة، وكلما صفا قلبه قليلًا، تبدأ تلك الذاكرة القديمة بالعودة تدريجيًا.
ليس كذكرى عقلية، بل كإحساس بالانتماء إلى النور. عندها يشعر الإنسان بشيء لا يمكن وصفه بسهولة: طمأنينة عميقة…كأنه عاد إلى مكان يعرفه منذ زمن بعيد.
ولهذا قال بعض العارفين قولًا مدهشًا:
“إن الإنسان لا يسير نحو الله فقط…بل الله يسير به نحو نفسه.”
فالرحلة الروحية ليست جهد الإنسان وحده، بل هي أيضًا جذب إلهي خفي.
كل شوق تشعر به روحك، كل سؤال كبير يوقظك من غفلتك، كل لحظة دهشة أمام جمال الوجود…
هي في الحقيقة دعوة لطيفة من الله لكي تتذكر. وفي نهاية هذا الطريق، يكتشف العارف سرًا بسيطًا لكنه عميق:
أن الله لم يكن بعيدًا عنه يومًا…وأن الشوق الذي عاشه طوال حياته لم يكن ألمًا بلا معنى. بل كان البوصلة التي تقوده إلى وطنه الأول.
عندها يفهم الإنسان لماذا بكى بعض العارفين من الفرح حين شعروا بالقرب الإلهي. لأنهم أدركوا أن رحلتهم الطويلة في الحياة لم تكن إلا طريقًا للعودة، إلى تلك اللحظة القديمة، حين وقفوا في حضرة النور وأجابوا بكل صفاء:
بلى.
وهناك سر آخر أعمق بكثير وقد يدهشك حقًا، وهو:
أن الإنسان لا يتذكر فقط لحظة “بلى”…بل إن كل جمال في الكون خُلق ليوقظ تلك الذاكرة.حتى النجوم… البحار… والموسيقى… والرحمة بين البشر. كلها مفاتيح صغيرة وضعها الله في العالم حتى لا تنسى الروح طريق العودة.



#راندا_شوقى_الحمامصى (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- القرب الإلهي...تأمل في سر المسافة بين الإنسان وربه (1)
- النظام الإنساني والنظم الإلهي
- الإنسان بين وعي الأمس ووعي اليوم
- تحرّي الحقيقة: فريضة الوعي ومسار الروح في كل مناحي الحياة
- -العدالة وبني الإنسان-
- الغيب… أفق العقل المفتوح
- نبذ التعصّبات بكافة أنواعها: وصمة لا تليق بإنسان هذا العصر
- -إلى متى نستمر بهذه العبثية الفكرية وبعيداً عن إعمال العقل و ...
- تطوّر الوعي وتلاشي الهوية: من سجن الأنا إلى ميلاد الحرية
- معضلة الإسراء والمعراج بالعقل وبلا تعصّب
- الحياة بعد الموت – الرؤية الكبرى من مرايا الأديان
- الدين الواحد... سرّ التجلّي الإلهي في مرايا الأديان، و حين ت ...
- إن لم تستطع تغيير العالم، فغيّر من نفسك… فالعالم فيك
- ليلة الأبدية… افتتاح المتحف المصري الكبير – حين استيقظت أروا ...
- مصر... مجد الأزل ونور الأبد
- حين يتنفس الشرق من جديد و ينتصر صوت السلام على ضجيج الحرب... ...
- الدين: جوهره وماهيته المطلقة
- الإنسانية والدين: ثنائية التكامل لا التعارض
- -الإنسان والأديان وحرية المعتقد وإنسانية الإنسان-
- -التوحد (Autism Spectrum Disorder - ASD)-


المزيد.....




- فيلم -العروس-.. قراءة فنية جديدة لفرانكشتاين
- 100 دولار وابتسامة.. هل استغل ترمب عاملة التوصيل بمسرحية سيا ...
- البرلمان الفرنسي يقر قانونا يُسهل إعادة القطع الفنية المنهوب ...
- لكل شعب -جحاه-.. أحمق حكيم أم معارض هز عروش الأقوياء؟
- ثقيلاً عليّ الصمت
- الخرتيت المدبوغ
- فرنسا: الجمعية الوطنية تناقش مشروع قانون لتسهيل إعادة القطع ...
- الهند تودع آشا بوسلي -ملكة الغناء الهندي- عن عمر 92 عامًا.. ...
- كانيي ويست.. النجم الممنوع من الغناء والمحتفى به في آنٍ واحد ...
- مصر.. زوجة الفنان سامي عبدالحليم تصدر توضيحًا بخصوص نفقات عل ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - راندا شوقى الحمامصى - القرب الإلهي...تأمل في سر المسافة بين الإنسان وربه (2)