|
|
النظام الإنساني والنظم الإلهي
راندا شوقى الحمامصى
الحوار المتمدن-العدد: 8660 - 2026 / 3 / 28 - 16:16
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
في كل عصر، يقف الإنسان أمام مرآة ذاته، متسائلًا: هل يكفي أن أكون أنا المقياس؟ هل تستطيع إنسانيتي وحدها أن ترسم العدل، وتُقيم الميزان، وتمنح الوجود معناه الكامل؟ ومن هذا السؤال، وُلدت النظم الإنسانية… محاولةً أن تجعل من الإنسان بداية الطريق ونهايته، وأن تبني عالمًا تُحكمه إرادته، وتُصاغ قيمه من داخله. لكن الإنسان—على جماله—ليس كيانًا مكتملًا بذاته. فهو يحمل في أعماقه نورًا يهديه… كما يحمل ظلًا قد يُضلّه. وحين يجعل من نفسه المرجع الأعلى، قد يعلو حينًا، لكنه قد يتعثر حينًا آخر، لأن ما يبنيه بوعيه قد تهدمه أهواؤه. ومن هنا، يطلّ النظم الإلهي… لا ليُقصي الإنسان، بل ليُعيده إلى موضعه الحقيقي. لا كسيّدٍ مطلق، ولا ككائنٍ تابع، بل كجسرٍ بين الأرض والسماء، بين المحدود واللامحدود، بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون.
النظم الإلهي لا يبدأ من الإنسان، بل من معنى أسمى…لكنه لا ينتهي بعيدًا عنه، بل يعود ليحتضنه، ويرتقي به، ويهذّب مسيرته. إنه لا يُلغي العقل، بل ينيره…ولا يُضعف الحرية، بل يحرّرها من فوضى الذات.
وهنا تتجلّى الحقيقة الأعمق: أن الصراع ليس بين نظامين متناقضين، بل بين رؤيتين للإنسان نفسه… هل هو الغاية… أم الطريق؟
نحن هنا، لا نسعى إلى المفاضلة السطحية، بل إلى الغوص في الجوهر: كيف يمكن أن يلتقي الإنساني بالإلهي؟ وأين تنتهي حدود الإنسان… لتبدأ آفاقه؟ إنها ليست مجرد مقارنة بين نظم…بل رحلة لاكتشاف الإنسان حين يخرج من ضيق ذاته، ليتّسع لمعنى أكبر… كان دائمًا يناديه من الداخل.
وإذا تأمّلنا في مسيرة العالم، وجدنا أن الأنظمة التي حكمت الإنسان—قديمًا وحديثًا—لم تكن إلا محاولات متكرّرة للإجابة عن سؤاله الأزلي: كيف نعيش معًا؟ فقد ظهرت أنظمة قامت على القوة والوراثة، مثل النظام الملكي والإمبراطوريات التي جعلت السلطة في يد فرد أو سلالة. ثم برزت أنظمة حاولت تنظيم الحكم عبر مشاركة أوسع، مثل الديمقراطية، التي رفعت شعارات الحرية وحقوق الإنسان، لكنها لم تسلم من تأثير المصالح والصراعات. وفي المقابل، ظهرت رؤى اقتصادية واجتماعية مثل الرأسمالية التي اعتمدت على حرية السوق، والاشتراكية والشيوعية التي سعت لتحقيق العدالة والمساواة، لكنها واجهت تحديات في التطبيق والتوازن. كما شهد العالم أشكالًا أخرى من الحكم، مثل الأنظمة الثيوقراطية التي تمزج الدين بالسلطة، والأنظمة الشمولية التي تُخضع الفرد لمنظومة صارمة باسم الدولة أو الأيديولوجيا. لكنها كثيرًا ما تعثّرت حين اصطدمت بتناقضات المصالح البشرية. وبين هذا وذاك، ظهرت رؤى اقتصادية واجتماعية سعت لتحقيق العدالة، لكنها وقعت أحيانًا في فخ المادية أو الصراع الطبقي، فاختلّ توازنها. هكذا، ظلّ الإنسان ينتقل من نظامٍ إلى آخر، يُصلح هنا ويهدم هناك، كمن يبحث عن صورةٍ كاملة لم تكتمل بعد… لأن معظم هذه الأنظمة—رغم اجتهادها—انطلقت من الإنسان وحده، فعكست محدوديته بقدر ما عبّرت عن طموحه. ومن هذا المشهد المتقلّب، يبرز التساؤل من جديد: هل تكفي خبرة الإنسان وحدها لصياغة نظامٍ يحقق التوازن المنشود؟ أم أن الطريق يقتضي مصدرًا أسمى، يُنير له ما عجز عن رؤيته بنفسه؟
1. البداية: ما قصّرته الأنظمة البشرية كما رأينا، الأنظمة القديمة والحديثة—من الملكيات والإمبراطوريات، إلى الديمقراطيات والرأسمالية والشيوعية—كلها كانت محاولة الإنسان ليؤسّس حياته جمعيًا. لكنها انطلقت من محدودية الإنسان نفسه: غروره، مصالحه، أهواؤه، أو حتى نقص وعيه بالقيم الروحية العليا. لذلك، رغم الجهود الكبيرة، كثيرًا ما ظهر في هذه الأنظمة: صراع على السلطة.....فوضى المصالح الشخصية.....قصور في تحقيق العدالة الحقيقية....ضعف في توحيد الإنسانية فوق الانقسامات بمعنى آخر: الإنسان كان محور البداية، لكنه لم يكن كافيًا ليكون محور النهاية… ولذلك بقيت كل الأنظمة ناقصة، مهما بلغت من ذكاء أو تصميم.
2. النقلة: من الإنسان وحده… إلى الإنسان في ضوء المصدر الإلهي هنا يطلّ النظم البديع لحضرة بهاءالله كتحوّل نوعي: *المصدر ليس الإنسان فقط، بل الإرادة الإلهية. *الإنسان ليس غاية مطلقة، لكنه طريق للتجلي الروحي. النظام يُبنى على الوعي الإلهي في الإنسان، وليس على الأهواء أو المصالح الفردية. وبهذا، تصبح المبادئ الإلهية الإطار الذي يرفع الإنسان بدل أن يقيده، ويعطيه القدرة على تجاوز ذاته المحدودة، دون أن يفقد حريته أو كرامته.
3. القيم المشتركة: الإنسان محور لكن ليس مطلق النظم البديع يحافظ على الإنسان محورًا للقرار والتطبيق، لكنه يوجهه بـ: *العدالة والحق كأساس *الوحدة والتعاون كأسلوب *الخدمة والعطاء كأساس للقيادة
وهنا نرى الفرق الجوهري مع الأنظمة البشرية السابقة: لم تعد السلطة أو القوة أو حتى القانون وحده الضابط، بل الوعي والنية هما ما يُحوّل النظام إلى حياة حقيقية، وليس مجرد إطار شكلي.
4. الخلاصة النظم البشرية كانت رحلة تجربة… النظم البديع هي نقلة وعيية: تبدأ من أعلى مصدر، تمر بالإنسان، وتنتهي بخدمته… هكذا يتحوّل الإنسان من محدودة ذاته، إلى مرآة للحق والعدالة الإلهية في العالم. فالنظام الذي "يبدأ بالإنسان وينتهي بالإنسان" يبدو في ظاهره أرقى ما يمكن: كرامة، حرية، مساواة، واعتراف بأن الإنسان هو القيمة العليا. وهذا ما سعت إليه مدارس فكرية كثيرة تحت مظلة ما يُعرف بـ Humanism، حيث يصبح الإنسان مركز الكون الأخلاقي، وصانع المعنى، ومصدر التشريع.
لكن هنا يبدأ السؤال العميق: إذا كان الإنسان هو البداية والنهاية… فمن يوجّه الإنسان؟ الإنسان كائن مزدوج: فيه نور يرتفع به… وفيه ظل قد يُسقطه. فإن جعلنا الإنسان مرجعًا نهائيًا، فنحن نُسلم القيادة لشيء متغير، متقلب، تحكمه أهواء، وثقافات، ومصالح. ولهذا، التاريخ يعطينا درسًا خفيًا: كل نظام جعل الإنسان وحده مرجعية مطلقة… انتهى إما إلى فوضى قيم، أو إلى استبداد باسم الإنسان نفسه. لكن لا يعني ذلك رفض الفكرة… بل تنقيتها. النظام الأجمل والأرقى والأصح – هو – ليس الذي يبدأ بالإنسان وينتهي بالإنسان، بل الذي: يبدأ من معنى أعلى من الإنسان…ويمرّ عبر الإنسان…ويعود ليخدم الإنسان. أي: أن يكون الإنسان محور الرحلة… لا مركز الكون المطلق. لأن الإنسان حين يُربط بمصدر أسمى (سمّه حق، عدل، إله، أو حتى قانون كوني أخلاقي)… يصبح أكثر إنسانية، لا أقل. أما إذا دار حول نفسه فقط، فقد يُقدّس ذاته… أو يُفقد ذاته.
فالإنسان جميل… لكنه لا يكتمل بنفسه. هو بداية الحكاية… لكنه ليس نهايتها. فإذا جعل نفسه غاية، ضاع في مرآته. وإذا جعل نفسه طريقًا… وصل. وعليه يمكن القول إن النظم البديع الذي جاء به بهاءالله يقترب جدًا من هذا التوازن الذي تحدثنا عنه—بل يحاول أن يحققه بصورة واعية ومقصودة.
أولًا: من أين يبدأ النظم البديع؟ هو لا يبدأ من الإنسان وحده…بل يبدأ من الوحي الإلهي. أي أن المصدر الأعلى (الحق، الإرادة الإلهية) هو المنطلق. وهذا يجنّب النظام الوقوع في نسبية القيم أو تقلب الأهواء البشرية.
ثانيًا: أين يضع الإنسان؟ هنا الجمال… الإنسان في هذا النظم ليس تابعًا مُلغى، ولا إلهًا مُقدّسًا، بل هو: كائن مُكرَّم… خُلق ليُظهر الصفات الإلهية. في كتابات بهاءالله نجد أن الإنسان هو "أشرف المخلوقات" لأنه مرآة تعكس النور الإلهي—لكن المرآة ليست هي الشمس.
ثالثًا: كيف يُدار العالم في هذا النظم؟ النظم البديع لا يعتمد على فرد مُلهَم بعد المؤسس، ولا على صراع سلطات، بل على مؤسسات قائمة على الشورى والانتخاب بدون صراع، مثل: *البيت الأعظم العالمي *المحافل الروحانية المحلية والمركزية وهذا يحقق توازنًا مهمًا: لا دكتاتورية فرد ولا فوضى جماهير
رابعًا: هل يحقق التوازن ؟ نعم… من حيث الفكرة والبنية، هو من أقرب النظم لتحقيق: "البدء من معنى أعلى… والمرور بالإنسان… والعودة لخدمة الإنسان." لأنه: *يربط الإنسان بالمصدر الإلهي *يكرّس كرامته ووحدته *يضع نظامًا عمليًا لإدارة العالم دون صراع سلطوي
لكن… (وهنا الصدق الفكري) أي نظام—حتى لو كان بديعًا— يظل مرهونًا بوعي الإنسان الذي يطبّقه.
فالنظم البديع: ليس مجرد قوانين، بل يحتاج إنسانًا جديدًا: نقيّ النية، متحرر من التعصب، واعٍ بوحدة البشر وهنا التحدي الحقيقي… ليس في النظام، بل في الإنسان الذي يعيش داخله.
إذاً لنظم البديع لا يضع الإنسان في المركز…ولا يخرجه من الصورة…بل يجعله طريقًا بين الأرض والسماء.
النظم البديع الذي أتى به بهاءالله قابل للتطبيق عالميًا… لكن ليس قابلًا للاكتمال عالميًا بعد. هناك فرق مهم بين: *أن يبدأ التطبيق *وأن يكتمل التحقق
لماذا هو قابل للتطبيق الآن؟ لأن العالم—رغم أزماته—بدأ يقترب من بعض مبادئ هذا النظم دون أن يشعر: *فكرة وحدة الإنسانية لم تعد خيالًا *التعاون الدولي (رغم هشاشته) موجود *ازدياد الوعي بالعدالة، المساواة، وحقوق الإنسان *البحث عن بدائل للنظم السياسية المتصارعة....كل هذا يشير إلى أن الأرضية بدأت تُمهَّد.
لكن لماذا لم يكتمل بعد؟ لأن العائق ليس في النظام… بل في الإنسان....الإنسان اليوم ما زال يعيش بين مستويين: وعي يدعو للوحدة، ونفس تميل للسيطرة والتميّز والانقسام
النظم البديع يتطلب إنسانًا: يرى نفسه جزءًا من كل، لا يسعى للهيمنة، يمارس الشورى بصدق، لا بمصالح خفية وهذا النمط من الإنسان… لم يصبح هو السائد بعد.
إذن نحن في أي مرحلة؟ نحن في مرحلة انتقالية يمكن وصفها بأنها: "زمن تعلُّم الإنسانية كيف تصبح إنسانية وتصل لمرحلة النضج الإنساني- فنحن في بدايات مراحل النضج الإنساني".
في فكر حضرة عبد البهاء، هناك إشارة جميلة جدًا: أن العالم يمر بمرحلة شبيهة بانتقال الإنسان من الطفولة إلى البلوغ. *الطفولة: صراع، أنانية، تملك *البلوغ: وعي، مسؤولية، وحدة.......ونحن الآن… في هذا "المخاض".
الرؤية الأعمق: النظم البديع ليس مشروعًا سياسيًا يُفرض فجأة، بل هو مسار تطوّر تدريجي: يبدأ بأفراد ثم مجتمعات صغيرة ثم ينتشر كنموذج حي حتى يصبح يومًا ما… الإطار الطبيعي للعالم
الخلاصة: النظم البديع ليس متأخرًا عن العالم…بل العالم هو الذي لم يصل إليه كاملًا بعد. ولو أردنا أن نكون أدق جدًا: هو يُطبَّق الآن… لكن على مستوى "النبض" لا "الجسد الكامل".
1. ابدء من الداخل: وحدة النفس في فكر بهاءالله، أول ساحة للنظام ليست المجتمع… بل القلب. أن تعيش هذا النظم يعني: أن تقلّل التناقض بين ما تؤمن به وما تفعله، أن تراقب نيتك قبل سلوكك، أن تسأل نفسك: “هل هذا الفعل يخدم الوحدة… أم يغذي الانقسام؟” فالوحدة الكبرى تبدأ من وحدة الداخل.
2 . مارس الشورى… حتى في أبسط العلاقات النظم البديع قائم على الشورى الصادقة، لا الجدل ولا فرض الرأي. جرب هذا في حياتك اليومية: *اسمع لتفهم… لا لتردّ *اترك رأيك حين يظهر حقٌّ أوضح *لا تجعلي “أنا” تنتصر… بل “الحقيقة” هنا تتحول العلاقة من صراع خفي… إلى بحث مشترك عن نور.
3 . عيش مبدأ “وحدة الإنسانية” عمليًا ليس كشعار… بل كسلوك: *لا تصنّف الناس سريعًا (دين، فكر، طبقة…) *عامل كل إنسان كقيمة قائمة بذاتها *وسّع قلبك ليتّسع للاختلاف دون رفض في تعاليم عبد البهاء، الإنسان يُقاس بقدرته على احتواء الآخر لا إقصائه.
4 . تخلّ عن الصراع الخفي على السيطرة هذا من أعمق مفاتيح النظم البديع… أن تعيشه يعني: *لا تسع لفرض نفسك *لا تتلذذ بالانتصار في النقاش *لا تجعل قيمتك مرتبطة بأن تكون “الأصح دائمًا”
بل: كن جزءًا من تناغم… لا مركز دائرة.
5 . اجعل حياتك “خدمة” لا “إثبات” النظم البديع يُبنى على روح الخدمة، لا على إثبات الذات.
اسأل نفسك يوميًا: *من خفّفتُ عنه اليوم؟ *أين أضفتُ نورًا—ولو صغيرًا؟ الخدمة هنا ليست تضحية مؤلمة…بل تعبير طبيعي عن إنسان متصل بمعنى أعلى.
6 .عش كأن العالم قد وصل… حتى لو لم يصل وهنا السر الأجمل: *لا تنتظر أن يصبح العالم عادلًا… لتكون عادل *لا تنتظر أن يسود السلام… لتكون سلامًا *عش “المستقبل” في حاضرك.
الخلاصة: أن تعيش النظم البديع…لا يعني أن تغيّر العالم دفعة واحدة، بل أن: تكون أنت النسخة المصغّرة من العالم الذي تؤمن به. أي..... “عش كما لو أن وحدة العالم قد بدأت من قلبك.”
النظام الإداري البهائي نظام جنيني للنظام العالمي المستقبلي. وطبقًا لما ذكره حضرة شوقي أفندي فإنَّ مؤسسات وقوانين النظام الإداري البهائي مقدّر لها أن تصبح "نموذج للمجتمع المستقبلي، وهذا النموذج يعتبر أداة جيدة لتأسيس السلام الأعظم ووسيلة لوحدة العالم وإعلان العدل والمساواة والخير والرفاهية لعموم البشر". وقد أوجز لنا حضرة شوقي أفندي" ولي أمر الله" نظرة حضرة بهاء الله في النظام العالمي للمستقبل في البيانات التالية: "إنَّ وحدة البشر كما رسمها بهاء الله تعني تأسيس حكومة عالمية تتّحد فيها اتحادًا ثابتًا وثيقًا كافة الأمم والمذاهب والأجناس والطبقات فيها، وتكون الحقوق الذاتية للحكومات المكونة لأعضائها مكفولة تمامًا، والحرية الشخصية لممثلي هذه الحكومة العالمية وتوقيعاتهم تكون محترمة نافذة. هذه الحكومة العالمية بقدر ما نستطيع تصويرها يجب أن تشتمل على هيئة تشريعية عالمية يكون أعضاؤها وكلاء عن جميع الجنس البشري وأن يكون لها الإشراف التام على موارد كافة الأمم التي تتكون منها، وأن تشّرع من القوانين ما تتطلبه نواحي الإصلاح وسد مطالب الأجناس والشعوب وتصحيح العلاقات فيما بينها، وعلى هيئة تنفيذية مؤيدة بقوة عالمية وظيفتها تنفيذ القرارات وتطبيق القوانين التي تضعها الهيئة التشريعية والمحافظة على هيكل وحدة الحكومة العالمية، وعلى محكمة عالمية تتولى الفصل والحكم النافذ البات في كل نزاع ينشأ بين العناصر المختلفة المكونة لهذا النظام العام. وبجانب هذا يجب تنظيم مركز مواصلات عالمي وتخصيص جهاز للتخاطب مع كل جزء من أجزاء الأرض ويكون بعيدًا عن كل تأثير وقيد قومي ويعمل بسرعة وكفاية تامة، وإعداد مقر عام يكون المركز النابض لمدنية عالمية تتركز حوله كل عناصر التوحيد في الحياة ومنه تنبعث أنوار آثاره المنشطة، والإتفاق على لغة عامة تُبتكر أو تُختار من بين اللغات الحالية تدرّس في جميع مدارس الأمم المتحدة وتكون بمثابة لغة مساعدة بجانب اللغات القومية، وتنوع عالمي من حروف الطباعة والأدبيات، وشكل ونظام عالمي للعملة والموازين والمكاييل والمقاييس، كل ذلك من شأنه أن يسهل أسباب التعامل والتفاهم بين شعوب العالم وأجناسه… أما الثورات القومية والعداوات والفتن فإنها تتوقف، ويتبدل العداء العنصري والتعصب بالوفاق والتفاهم والتعاون، وتنعدم نهائيًا أسباب المشاحنات الدينية وترتفع الحواجز والقيود الإقتصادية، ويختفي التمييّز بين الطبقات. تحدث حضرة شوقي أفندي "ولي أمر الله" عن هذا النظام بأنَّه "الإندمـاج النهائي لجميع الأجناس والعقائد والطبقات والشعوب". ولكن السلام الأصغر سيتحقق بواسطة "شعوب الأرض الغافلة عن ظهور حضرة بهاء الله والتي تنفـذ مبادئه بصورة لا إرادية". أمَّا السـلام الأعظم فسيتحقـق بعد "الإعتراف بمميزات وأحقية دعوة بهاء الله". فإنَّه خلال تطور البشرية من مرحلة السلام الأصغر إلى مرحلة السلام الأعظم ستقر الشعوب تمامًا بدعوة حضرة بهاء الله وستقبل بمبادئه وتطبقها غالبية أفراد الجنس البشري. جاء في بعض التقاليد والأعراف الدينية بأنَّ تأسيس ملكوت الله يرتبط فقط بالإرادة الإلهية وأنَّ دور الإنسان في هذه العملية سلبي في الأصل، وأنَّ ظهور الملكوت وتأسيسه سيكون بصورة مفاجئة وبشكل سحري وغير طبيعي. إلاّ أنَّ حضرة بهاء الله شرح لنا بأنَّ الله يريد أن يعلّمنا دروسًا محددة كيف يمكن تأسيس ملكوته. ويعتبر البهائيون المجتمعات في عالمنا المعاصر غير قادرة على تلبية إحتياجاتنا الفعلية لأنَّ هذه المجتمعات تعمل وتطبق شرائع مغايرة لشرع الله. وفي الوقت الذي يؤسس فيه الله ملكوته على الأرض فإنَّه يعطي لنا مجال التعلم من خلال الخبرة والممارسة، وهذه الخبرة تأتي من واقع حياتنـا وما تتمخض عنه نتائج أعمالنا وتجاربنا. كما أشار حضرة بهاء الله بأنَّه فقط من خلال تفكيرنا العميق وإدراكنا لأخطائنا الماضية وقبولنا بها فإننا نحمي أنفسنا من تكرارها المأساوي الذي جرّ العالم إلى ما هو عليه من أخطار الحروب المستمرة وما تحمله لنا من معاناة واستغلال ويأس. كما تحدث حضرة شوقي أفندي عن السلام الأعظم بقوله الكريم: "عندها ستولد الحضارة العالمية وتزدهر وتخلد نفسها، وستكون حافلة وخصبة بالحياة بحيث لم ير العالم شبهها ولم يتخيلها أحدٌ من قبل. عندئذ سيتحقق العهد الأبدي بشكل كامل وتتحقق الوعود المذكورة في جميع الكتب المقدسة السماوية وتتحقق جميع النبوءات التي وردت على لسان النبيين والمرسلين ويتجلى ما تغنى به ذوو البصيرة والشعراء في رؤاهم. وعندها ستنعم الأرض بدين عالمي، بإﻟﻪ واحد أحد، ويكون ولاؤهم وإخلاصهم لدين واحد. وعندها ستعكس الأرض، على الرغم من بعض العثرات، ذلك الجلال والعظمة المتلألئة من سلطنة حضرة بهاء الله الملكوتية … وتصبح الأرض جنة من الملكوت الأبهى وقادرة على تحقيق ذلك المصير العظيم الذي قدّره الخالق لها منذ الأزل بفضل محبّته وحكمته. إنتهى
#راندا_شوقى_الحمامصى (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الإنسان بين وعي الأمس ووعي اليوم
-
تحرّي الحقيقة: فريضة الوعي ومسار الروح في كل مناحي الحياة
-
-العدالة وبني الإنسان-
-
الغيب… أفق العقل المفتوح
-
نبذ التعصّبات بكافة أنواعها: وصمة لا تليق بإنسان هذا العصر
-
-إلى متى نستمر بهذه العبثية الفكرية وبعيداً عن إعمال العقل و
...
-
تطوّر الوعي وتلاشي الهوية: من سجن الأنا إلى ميلاد الحرية
-
معضلة الإسراء والمعراج بالعقل وبلا تعصّب
-
الحياة بعد الموت – الرؤية الكبرى من مرايا الأديان
-
الدين الواحد... سرّ التجلّي الإلهي في مرايا الأديان، و حين ت
...
-
إن لم تستطع تغيير العالم، فغيّر من نفسك… فالعالم فيك
-
ليلة الأبدية… افتتاح المتحف المصري الكبير – حين استيقظت أروا
...
-
مصر... مجد الأزل ونور الأبد
-
حين يتنفس الشرق من جديد و ينتصر صوت السلام على ضجيج الحرب...
...
-
الدين: جوهره وماهيته المطلقة
-
الإنسانية والدين: ثنائية التكامل لا التعارض
-
-الإنسان والأديان وحرية المعتقد وإنسانية الإنسان-
-
-التوحد (Autism Spectrum Disorder - ASD)-
-
مرض الديسلكسيا (عسر القراءة)
-
حين نُولد من النور وننسى…
المزيد.....
-
مقر -خاتم الأنبياء- لحرس الثورة الاسلامية: القوات المسلحة ا
...
-
من الزهد إلى المؤسسة.. دراسة تاريخية في تحولات العلاقة بين ا
...
-
حرس الثورة الإسلامية: استخدمنا خلال هذا الهجوم أنواع مختلفة
...
-
سفير إيران الدائم بالأمم المتحدة: الجمهورية الإسلامية وافقت
...
-
حرس الثوة الإسلامية: مضيق هرمز اليوم هو المؤشر لتغير ميزان ا
...
-
المقاومة الاسلامية في لبنان تستهدف تجمعا وآليات لجنود العدو
...
-
المقاومة الاسلامية في لبنان تستهدف تجمعاً لجنود العدو في بل
...
-
المقاومة الإسلامية في لبنان تستهدف دبابتي -ميركافا- في بلدة
...
-
حرس الثورة الإسلامية: تدمير منظومات الدفاع المضاد للصواريخ ف
...
-
المقاومة الإسلامية في لبنان تستهدف مستوطنة -كريات شمونة- للم
...
المزيد.....
-
التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني
/ عمار التميمي
-
إله الغد
/ نيل دونالد والش
-
في البيت مع الله
/ نيل دونالد والش
-
محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء
/ نيل دونالد والش
-
محادثات مع الله للمراهقين
/ يل دونالد والش
-
شركة مع الله
/ نيل دونالد والش
-
صداقة مع الله
/ نيل دونالد والش
-
شركة مع الله
/ نيل دونالد والش
-
في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله
/ المستنير الحازمي
-
أنه الله فتش عن الله ونبي الله
/ المستنير الحازمي
المزيد.....
|