أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - راندا شوقى الحمامصى - الغيب… أفق العقل المفتوح














المزيد.....

الغيب… أفق العقل المفتوح


راندا شوقى الحمامصى

الحوار المتمدن-العدد: 8635 - 2026 / 3 / 3 - 16:13
المحور: الادب والفن
    


الغيب والعقل ليسا طرفين متقابلين في صراع، بل مستويين متداخلين في تجربة الإنسان وهو يحاول أن يفهم نفسه والعالم. فحيثما وُجد عقل يسأل، وُجد غيب يلوح في الأفق. وحيثما ظهر مجهول، تحرك العقل نحوه بدافع الفهم والاكتشاف. إن العلاقة بينهما ليست علاقة إنكار أو تناقض، بل علاقة توتر خلاق يولّد المعرفة ويمنح الوجود معناه المفتوح.

الغيب، في معناه المعرفي الخالص، هو كل ما يتجاوز نطاق الإدراك المباشر، وكل ما لم يدخل بعد في دائرة التفسير أو القياس. إنه ليس بالضرورة عالمًا خارقًا للطبيعة، بل قد يكون مجرد منطقة لم يصل إليها الفهم بعد. ما كان غيبًا في زمنٍ ما قد يصبح علمًا في زمنٍ آخر، وما يزال في كل عصر جزء من الواقع يقف عند حدود التفسير، يذكّر الإنسان بأن معرفته نسبية وأن الأفق أوسع من أدواته الحالية. بهذا المعنى، الغيب ليس نقيض العلم، بل شرطه الأول، لأن البحث لا يبدأ إلا من سؤال، والسؤال لا يولد إلا من شعور بوجود فراغ في الفهم.

أما العقل فهو الأداة التي يواجه بها الإنسان هذا الفراغ. هو القدرة على التحليل والتركيب والاستدلال وبناء النماذج وتجاوز المعطى المباشر نحو معنى أعمق. غير أن العقل، مهما بلغ من دقة وتنظيم، يعمل داخل أطر محددة تشكل بنيته: اللغة التي يفكر بها، والمفاهيم التي يستخدمها، والزمن الذي يعيش فيه، والمنطق الذي ينظم أحكامه. ولذلك فإن كل معرفة ينتجها العقل تحمل بصمته الخاصة، وتظل محكومة بشروط إدراكه. من هنا ينشأ نوع من الغيب البنيوي، ليس لأنه موجود خارج الإنسان فقط، بل لأن أدوات الإنسان ذاتها لا تسمح له بالإحاطة الكاملة.

حين يتقدم العقل في تفسير ظاهرة ما، يظن أحيانًا أنه اقترب من اكتمال الصورة، لكنه سرعان ما يكتشف أن كل كشف يفتح أبوابًا جديدة من الأسئلة. فهم الذرة قاد إلى أسئلة عن طبيعة الجسيمات دون الذرية، وفهم الكون الظاهر قاد إلى أسئلة عن بدايته ومصيره، ودراسة الدماغ قادت إلى لغز الوعي الذي ما زال عصيًا على الاختزال الكامل. هكذا يتحرك العقل في مسار لا ينتهي، يضيء جزءًا من العتمة، فيكتشف أن العتمة أوسع مما ظن. غير أن هذه العتمة ليست عدوًا له، بل هي المساحة التي تمنحه سببًا للاستمرار.

التوتر بين الغيب والعقل هو توتر ضروري. لو كان كل شيء معلومًا لانطفأت جذوة التفكير، ولو كان كل شيء غامضًا بلا إمكانية للفهم لاستحال أي سعي معرفي. العقل يحتاج إلى قدر من الوضوح ليبني عليه، ويحتاج إلى قدر من الغموض ليتجاوزه. في هذا التوازن تنشأ الحضارة الإنسانية بكل منجزاتها. إن الاعتراف بوجود ما لا نعرفه لا يعني الاستسلام، بل يعني التواضع المعرفي الذي يحمي العقل من الغرور ويمنحه في الوقت نفسه شجاعة السؤال.

الغيب أيضًا ليس مجرد مساحة خارجية في الكون، بل هو بعد داخلي في النفس. الإنسان يحمل في أعماقه طبقات من الأفكار والرغبات والدوافع التي لا يدركها وعيه المباشر. كثير من قراراته تتشكل قبل أن يشعر بها، وكثير من أفكاره تنبثق فجأة كما لو جاءت من منطقة غير مرئية. هنا يصبح الغيب جزءًا من بنية الذات نفسها، ويغدو العقل مطالبًا ليس فقط بفهم العالم، بل بفهم أعماقه الخاصة. وهكذا تتضاعف المهمة: استكشاف الخارج واستكشاف الداخل في آن واحد.

غير أن أجمل ما في العلاقة بين الغيب والعقل أنها ليست علاقة إحاطة كاملة، بل علاقة اقتراب دائم. العقل لا يملك أن يحتوي المجهول احتواءً تامًا، لكنه يملك أن يقترب منه، أن يرسم له خرائط تقريبية، وأن يوسّع حدود الممكن. وكل اقتراب يغير صورة الإنسان عن نفسه، ويعيد تعريف موقعه في الوجود. إن العقل في حركته نحو الغيب لا يسعى إلى القضاء عليه، بل إلى تحويله من مجهول مطلق إلى مجهول قابل للفهم التدريجي.

بهذا المعنى، الغيب ليس فراغًا سلبيًا، بل أفقًا مفتوحًا، والعقل ليس سلطة مطلقة، بل رحلة مستمرة. الإنسان يقف بينهما في حالة بحث دائم، لا يملك اليقين الكامل ولا يعيش في ظلام تام، بل يتحرك في منطقة وسطى من الضوء والظل. وفي تلك المنطقة تحديدًا تتولد الأسئلة الكبرى، وتنبثق الفلسفة، ويتشكل الوعي بذاته وحدوده.

إن الغيب والعقل معًا يشكلان بنية التجربة الإنسانية. فالعقل يمنح الغيب لغة، والغيب يمنح العقل اتجاهًا. وكلما أدرك الإنسان أن معرفته لا تكتمل، ازداد نضجًا، لأن الحكمة لا تكمن في ادعاء الإحاطة، بل في القدرة على العيش في حضرة المجهول دون خوف، والاستمرار في التفكير رغم اتساع الأفق. وفي هذا الاستمرار يكمن سر إنسانيتنا، لأننا كائنات لا تكتفي بما هو قائم، بل تتطلع دائمًا إلى ما وراءه، بين عقل يسأل وغيب ينتظر أن يُكتشف.



#راندا_شوقى_الحمامصى (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نبذ التعصّبات بكافة أنواعها: وصمة لا تليق بإنسان هذا العصر
- -إلى متى نستمر بهذه العبثية الفكرية وبعيداً عن إعمال العقل و ...
- تطوّر الوعي وتلاشي الهوية: من سجن الأنا إلى ميلاد الحرية
- معضلة الإسراء والمعراج بالعقل وبلا تعصّب
- الحياة بعد الموت – الرؤية الكبرى من مرايا الأديان
- الدين الواحد... سرّ التجلّي الإلهي في مرايا الأديان، و حين ت ...
- إن لم تستطع تغيير العالم، فغيّر من نفسك… فالعالم فيك
- ليلة الأبدية… افتتاح المتحف المصري الكبير – حين استيقظت أروا ...
- مصر... مجد الأزل ونور الأبد
- حين يتنفس الشرق من جديد و ينتصر صوت السلام على ضجيج الحرب... ...
- الدين: جوهره وماهيته المطلقة
- الإنسانية والدين: ثنائية التكامل لا التعارض
- -الإنسان والأديان وحرية المعتقد وإنسانية الإنسان-
- -التوحد (Autism Spectrum Disorder - ASD)-
- مرض الديسلكسيا (عسر القراءة)
- حين نُولد من النور وننسى…
- -أنا من هناك… من حيث قُلتُ: بَلَى-
- الشك والوهم: بين العقل والواقع
- ما هى دلالة -نحر الحيوان- ( التضحية – الفداء ) في الأديان؟؟
- *ملخص شامل لكتاب -البشرية في مفترق طرق، دين أو لا دين-*


المزيد.....




- حذف صفحة الفنانة روان الغابة من -ويكيبيديا- بعد تجسيدها شخصي ...
- بيتر ميمي يعلن عن فيلم تسجيلي يلي الحلقة الأخيرة من -صحاب ال ...
- رمضان في البحرين.. -النقصة- و-المجالس- جسور تصل الماضي بالحا ...
- محمد سعيد الحسيني.. حين توشحت ليالي رمضان في البحرين بصوت من ...
- مـِداد: أنثى الرواية التي خلعت الحجاب
- أقمار صناعية تكشف دماراً في منشأة نطنز النووية وتناقض في الر ...
- مديرة مهرجان برلين السينمائي تسعى للاستمرار في منصبها رغم ال ...
- عودة القصيدة العمودية بالجزائر.. نكوص شعري أم تصحيح وضع؟
- إطلالات جريئة للنجمات في حفل جوائز الممثلين 2026
- من بينهم الراحلة كاثرين أوهارا.. أبرز الفائزين بجوائز الممثل ...


المزيد.....

- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - راندا شوقى الحمامصى - الغيب… أفق العقل المفتوح