أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - راندا شوقى الحمامصى - الإنسان بين وعي الأمس ووعي اليوم















المزيد.....



الإنسان بين وعي الأمس ووعي اليوم


راندا شوقى الحمامصى

الحوار المتمدن-العدد: 8654 - 2026 / 3 / 22 - 18:12
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


حين نتأمل مسيرة الإنسان عبر الزمن، لا نجد أن التاريخ مجرد تعاقب للأحداث، بل هو تعاقب لحالات الوعي. فالإنسان لم يتغير في جوهره كثيرًا؛ نفس القلب يخفق، ونفس العقل يتساءل، ونفس الروح تبحث عن المعنى. لكن ما يتغير هو زاوية النظر إلى الوجود، أي الوعي الذي يرى به الإنسان نفسه والعالم من حوله.

في الأمس، كان وعي الإنسان أكثر بساطة وأشد التصاقًا بالفطرة. كان ينظر إلى السماء فيراها كتابًا مفتوحًا، ويصغي إلى الطبيعة كأنها لغة كونية تخاطبه. لم يكن يملك علوم اليوم ولا أدواته، لكنه كان يملك نوعًا من الحضور الداخلي، نوعًا من السكون الذي يجعل العلاقة بينه وبين الوجود علاقة مباشرة. كان الكون بالنسبة له لغزًا مقدسًا، وكان الإنسان جزءًا من هذا اللغز لا سيدًا عليه.
أما وعي اليوم فقد اتسع في المعرفة لكنه تعقّد في الإدراك. أصبح الإنسان يعرف أشياء كثيرة عن الكون: يقيس النجوم، ويفكك الذرة، ويحلل الجينات. لكنه في الوقت ذاته أصبح أكثر انشغالًا بالضجيج الخارجي، وأقل إصغاءً لصوته الداخلي. كأن المعرفة ازدادت، لكن الحكمة لم تزد بنفس السرعة. وهنا يظهر السؤال العميق: هل تغير وعي الإنسان حقًا، أم أن طاقة الكون نفسها قد تبدلت؟
هناك من يرى أن الكون ليس ساكنًا، بل في حالة تدفق دائم، وأن للطاقة الكونية موجات تؤثر في الوعي البشري كما تؤثر الفصول في الأرض. فإذا كانت الأرض تعرف ربيعًا وخريفًا، فلماذا لا يعرف الوعي الإنساني مواسمه أيضًا؟ ربما نحن اليوم نعيش في زمن تتسارع فيه الطاقات وتتقاطع فيه المعلومات بصورة لم يعرفها البشر من قبل، ولهذا يبدو الوعي مضطربًا أحيانًا ومتسعًا أحيانًا أخرى.
لكن الحقيقة الأعمق قد تكون أن الكون لم يتغير بقدر ما تغيرت مرآة الإنسان. فوعي الأمس كان محدود الأدوات لكنه صافي الرؤية، أما وعي اليوم فواسع الأدوات لكنه مشتت الاتجاه. الفرق ليس في طاقة الكون بقدر ما هو في طريقة استقبال الإنسان لهذه الطاقة. فالشمس التي أشرقت على إنسان الأمس هي نفسها التي تشرق علينا اليوم، لكن السؤال: كيف ننظر إليها؟

إن الوعي ليس مجرد معرفة، بل هو حالة حضور. وكلما عاد الإنسان إلى ذاته بصدق، عاد إلى نفس النبع الذي شرب منه الأولون. لذلك قد لا يكون الصراع بين وعي الأمس ووعي اليوم صراع تفوق أو تخلف، بل هو صراع توازن. فوعي الأمس يذكرنا بالجذور، ووعي اليوم يمنحنا الأجنحة.
والإنسان، في نهاية المطاف، كائن يقف بين الجذور والأجنحة معًا. إن نسي جذوره ضاع في الفراغ، وإن رفض أجنحته بقي سجين الماضي. لذلك فالحكمة ليست أن نعود إلى الأمس، ولا أن نذوب في صخب اليوم، بل أن نصنع وعيًا ثالثًا: وعيًا يتسع لمعرفة العصر، لكنه يحتفظ بنقاء الروح التي عرفها الإنسان منذ فجر الوجود.
عندها فقط يدرك الإنسان أن الكون لم يتغير كثيرًا… بل الذي يتغير دائمًا هو عمق الرؤية في عين من ينظر إليه.

**الإنسان بين وعي الأمس ووعي اليوم: هل تغيّر الإنسان أم تغيّرت طاقة الكون؟
ليس التاريخ مجرد دفتر أحداث، بل سجلّ لتحولات الوعي الإنساني. فالإنسان عبر العصور لم يكن يتغير في هيئته بقدر ما كان يتغير في طريقته لفهم الوجود. وكأن الزمن لا يصنع إنسانًا جديدًا بقدر ما يكشف طبقات جديدة من الوعي داخل الإنسان نفسه.
في الأمس، كان الإنسان يعيش قريبًا من نبض الكون. لم تكن بينه وبين السماء شاشات ولا بينه وبين الأرض حواجز كثيرة. كان ينظر إلى الليل فيرى في النجوم رسائل، ويسمع في الريح همسًا، ويشعر أن الكون كائن حي يشاركه الوجود. كان وعيه بسيطًا لكنه عميق، محدود المعرفة لكنه واسع الإحساس. لم يكن يعرف قوانين الكون بل كان يشعر بها.
ثم جاء اليوم… يوم امتلأ بالمعرفة والأجهزة والسرعات المذهلة. أصبح الإنسان قادرًا على رؤية ما وراء المجرات، وتحليل أصغر جسيم في المادة، لكنه في المقابل ابتعد قليلًا عن الإصغاء لذلك الصوت القديم الذي كان يسمعه داخله. لقد تضاعفت المعلومات، لكن الوعي لم يهدأ ليستوعبها. فصار العقل مزدحمًا، بينما القلب يحنّ إلى صفاء كان يعرفه يومًا ما.

*وهنا يظهر السؤال الفلسفي الأكثر جرأة:
هل الذي تغيّر هو وعي الإنسان فقط… أم أن الكون نفسه دخل مرحلة جديدة من طاقته؟
لو تأملنا الوجود بعمق سنكتشف أن الكون ليس ثابتًا كما نتصور. كل شيء فيه حركة: النجوم تولد وتموت، المجرات تتمدد، وحتى الزمان نفسه يتمدد مع الكون. فإذا كان الكون كله في حالة تطور مستمر، فكيف يبقى وعي الإنسان ثابتًا؟ أليس الإنسان جزءًا من هذا الكون ونقطة واعية داخله؟
ربما ما نعيشه اليوم ليس مجرد تقدم علمي، بل انتقال في مستوى الإدراك الكوني. فالمعرفة التي تتدفق اليوم على البشرية لم تحدث في أي عصر سابق بهذه الكثافة. الأفكار تتسارع، الاكتشافات تتوالد، والإنسان يشعر أحيانًا وكأنه يعيش زمنًا يضغط آلاف السنين في بضعة عقود. كأن الوعي الإنساني يُدفع دفعًا إلى مرحلة جديدة.
لكن المفارقة أن هذا الارتفاع في الطاقة المعرفية لم يُقابله دائمًا ارتفاع مماثل في الحكمة. ولهذا يبدو العالم أحيانًا وكأنه يملك عقلًا هائلًا وقلبًا مرتبكًا. إن المشكلة ليست في وفرة الضوء، بل في قدرة العين على احتماله.

*وربما هنا يكمن السر الحقيقي:
الكون لم يغيّر قوانينه الأساسية، لكنه يفتح أبوابًا جديدة للوعي عندما يصبح الإنسان مستعدًا لها.
فوعي الأمس كان وعي البقاء، ووعي اليوم هو وعي الفهم، وربما وعي الغد سيكون وعي الإدراك الكوني… حيث يدرك الإنسان أنه ليس كائنًا منفصلًا عن الكون، بل نقطة وعي داخل شبكة كونية هائلة. عندها لن يرى الإنسان نفسه مجرد فرد يعيش على كوكب صغير، بل كائنًا يحمل في داخله صدى النجوم الأولى.
إن الإنسان في الحقيقة يشبه مرآة للكون. كلما اتسعت هذه المرآة انعكس فيها الوجود بعمق أكبر. ولهذا فإن رحلة الوعي ليست انتقالًا من جهل إلى معرفة فقط، بل من ضيق الإدراك إلى اتساعه.
قد لا يكون السؤال الحقيقي إذن: هل تغيّر وعي الإنسان أم تغيّرت طاقة الكون؟
بل ربما السؤال الأعمق هو: هل بدأ الإنسان أخيرًا يلاحظ الطاقة التي كانت تحيط به منذ البداية؟
فالكون لم يكن صامتًا يومًا…
لكن الإنسان هو الذي بدأ يتعلم الإصغاء.

ما الذي جعل فكر الإنسان أكثر عمقا واتساعا كي يحيط بالقدر المستطاع للوعي الكوني اليوم وطاقته الأكثر عمقا واتساعا؟
ما الذي دفع الوعي إلى أن يتسع أصلًا.
ومن منظور فلسفي عميق يمكن القول إن اتساع وعي الإنسان لم يحدث بسبب عامل واحد، بل نتيجة تلاقي عدة تحولات كبرى في مسيرة الإنسان والكون معًا.
**أول هذه العوامل هو تراكم التجربة الإنسانية عبر الزمن. فالوعي لا يولد مكتملًا، بل يتشكل طبقة فوق طبقة مثل حلقات الشجرة. كل جيل يضيف شيئًا إلى الإدراك الذي سبقه: فكرة، اكتشافًا، تجربة روحية، أو حتى خطأً كبيرًا يتعلم منه الإنسان. ومع مرور آلاف السنين تراكمت هذه الخبرات حتى أصبح عقل الإنسان اليوم يقف على جبل من التجارب الفكرية والروحية والعلمية. ولهذا يبدو وعيه أوسع، لأنه يرى من ارتفاع أعلى.

**العامل الثاني هو تحرر العقل من الخوف التدريجي. في الأزمنة القديمة كان الإنسان محاطًا بالخوف من الطبيعة، ومن المجهول، ومن القوى التي لا يفهمها. الخوف كان يضيّق مجال التفكير. لكن مع اكتشاف القوانين الطبيعية بدأ الإنسان يشعر أنه قادر على الفهم، وأن الكون ليس فوضى عمياء بل نظام يمكن إدراكه. هذا الشعور فتح الباب أمام العقل ليتجرأ على طرح الأسئلة الكبرى: من نحن؟ وما طبيعة الوجود؟ وما علاقتنا بالكون؟

**أما العامل الثالث فهو اتساع أدوات المعرفة. الإنسان القديم كان يعتمد على حواسه وتأملاته، أما الإنسان اليوم فقد صنع لنفسه عيونًا جديدة: التلسكوبات التي ترى أعماق المجرات، والمجاهر التي ترى عالم الذرة، ووسائل الاتصال التي جعلت المعرفة تنتقل في لحظة عبر العالم. هذه الأدوات لم تغيّر العقل نفسه، لكنها وسّعت المجال الذي يستطيع العقل أن يتأمله.

***لكن هناك عاملًا أعمق من كل ما سبق، وهو نضج الوعي الإنساني ذاته.
فالوعي البشري يشبه كائنًا ينمو عبر التاريخ. في بداياته كان وعيًا غريزيًا يركز على البقاء، ثم أصبح وعيًا اجتماعيًا يبني الحضارات، ثم بدأ يتحول تدريجيًا إلى وعي تأملي يسأل عن المعنى والغاية. واليوم نرى بوادر مرحلة جديدة: وعي يحاول فهم علاقته بالكون كله، لا بمجتمعه فقط.
وهنا تظهر فكرة مهمة:
ليس لأن طاقة الكون أصبحت أعمق فجأة، بل لأن قدرة الإنسان على استقبال هذه الطاقة أصبحت أكبر.

يمكن تشبيه الأمر بالراديو القديم. الموجات كانت موجودة في الهواء دائمًا، لكن الجهاز لم يكن قادرًا على التقاطها كلها. ومع تطور الجهاز أصبح قادرًا على استقبال نطاق أوسع من الترددات. كذلك الإنسان: الكون مليء بالمعاني والإشارات منذ البداية، لكن الوعي البشري يتطور تدريجيًا ليصبح أكثر قدرة على التقاطها.
ومع ذلك، يبقى السؤال الأكبر مفتوحًا:
هل هذا الاتساع في الوعي هو نهاية الرحلة؟
ربما العكس تمامًا.
ما نراه اليوم قد يكون مجرد بداية لمرحلة أعمق، مرحلة يدرك فيها الإنسان أن الوعي ليس شيئًا يملكه وحده، بل هو خاصية كونية منتشرة في الوجود كله. عندها لن يرى الإنسان نفسه كعقل منفصل يفكر في الكون، بل كجزء من وعي كوني أكبر يفكر من خلاله.

وهنا يصل الفكر إلى فكرة مذهلة:
ربما الكون لم يخلق الإنسان فقط…بل خلقه ليعي نفسه من خلاله.
ولهذا يتسع الوعي الإنساني يومًا بعد يوم، لأنه ببساطة جزء من رحلة الكون الطويلة نحو إدراك ذاته.

*أولًا: هل الوعي الكوني يتطور عبر الإنسان نفسه؟
هل الإنسان مجرد كائن يعيش داخل الكون، أم أنه أداة يستخدمها الكون ليعي نفسه؟
لو نظرنا إلى الوجود من زاوية أعمق قليلًا، سنجد أن الكون بدأ في صورة مادة صامتة: نجوم، غازات، طاقات، وحركات كونية هائلة… لكنها بلا إدراك ظاهر. ملايين السنين مرت والكون يتحرك وفق قوانينه دون أن يوجد كائن يسأل: ما هذا الكون؟ ولماذا هو موجود؟
......ثم ظهر الإنسان.......
مع ظهور الإنسان حدث أمر فريد في تاريخ الكون: ظهرت الأسئلة. ظهر عقل قادر على التأمل، وروح تبحث عن المعنى، ووعي يتساءل عن أصل الوجود ومصيره. وكأن الكون الذي كان يتحرك بصمت بدأ فجأة ينظر إلى نفسه عبر عين الإنسان.
من هنا جاءت فكرة فلسفية مدهشة قال بها بعض المفكرين عبر العصور:
أن الإنسان ليس مجرد ساكن في الكون، بل هو نقطة الوعي التي اكتشف بها الكون نفسه.
فالنجوم لا تعرف أنها نجوم، والمجرات لا تدرك أنها مجرات. لكن الإنسان يعرف… ويتساءل… ويتأمل.
بهذا المعنى يصبح الإنسان أكثر من مجرد كائن بيولوجي؛ يصبح مرآة الوعي الكوني. كل فكرة يولدها العقل، وكل سؤال يطرحه الإنسان عن الوجود، هو في الحقيقة لحظة يتأمل فيها الكون نفسه من الداخل.
لكن الأمر لا يقف عند هذا الحد. فالوعي البشري لا يتوقف عن النمو. الإنسان القديم كان يرى السماء سقفًا فوق الأرض، ثم أدرك أنها فضاء بلا حدود. كان يرى المادة صلبة، ثم اكتشف أنها طاقة. كان يرى نفسه مركز الكون، ثم اكتشف أنه يعيش على كوكب صغير في مجرة واحدة بين مليارات المجرات.
كل هذا يعني أن الوعي الذي ينظر به الكون إلى نفسه يتسع تدريجيًا عبر الإنسان.
وهنا يمكن القول إن رحلة الوعي الإنساني ليست مجرد تطور حضاري، بل جزء من حركة أعمق:
حركة الكون نحو إدراك ذاته.

*ثانيًا: هل وعي الإنسان أمس يناسب الوعي الكوني اليوم؟
وعي الإنسان في الأمس كان مناسبًا لزمنه، كما أن وعي الطفل مناسب لمرحلة طفولته. لم يكن ناقصًا بقدر ما كان مرحلة من مراحل النضج.
في الأزمنة القديمة كان وعي الإنسان مرتبطًا بالبقاء والنجاة من قسوة الطبيعة. كان العالم واسعًا وغامضًا، وكانت المعرفة محدودة. لذلك تشكل وعي بسيط لكنه قوي الفطرة، يرى الوجود في صور رمزية ويمنحه معاني مقدسة.
لكن مع مرور الزمن توسعت معرفة الإنسان، واتسعت شبكة العلاقات بين البشر، وبدأ العقل يطرح أسئلة أعمق عن الحقيقة والوجود. هذا الاتساع في التجربة الإنسانية جعل الوعي القديم يبدو أحيانًا ضيقًا إذا قورن بما وصل إليه الإنسان اليوم.
ومع ذلك، لا يمكن القول إن وعي الأمس أصبح غير صالح. بل الحقيقة أن الإنسان يحتاج إلى مزج الوعيين معًا.
فوعي الأمس كان يحمل صفاء الفطرة والاتصال العميق بالطبيعة والروح، بينما وعي اليوم يحمل أدوات المعرفة والتحليل الواسع. إذا فقد الإنسان صفاء الأمس ضاع في تعقيد المعرفة، وإذا رفض معرفة اليوم بقي أسير الماضي.
لذلك فإن الوعي الذي ينسجم مع الكون اليوم ليس وعي الأمس وحده ولا وعي اليوم وحده، بل وعي جديد يولد من اتحادهما.
وعي يجمع بين الحكمة القديمة والعقل الحديث. بين صفاء الروح واتساع المعرفة. بين التأمل العميق وفهم قوانين الكون.
عند هذه النقطة يبدأ الإنسان في الاقتراب من وعي كوني أوسع، ويدرك أن رحلته ليست مجرد تقدم علمي أو روحي، بل هي رحلة مستمرة لاكتشاف مكانه في هذا الوجود الهائل.
وفي النهاية قد يصل الإنسان إلى إدراك بسيط لكنه عميق:
أن الكون لم يكن يومًا بعيدًا عنه…بل كان دائمًا يسكن داخله.

***الإنسان بين وعي الأمس ووعي اليوم، رحلة الوعي بين طاقة الإنسان وطاقة الكون – (برؤية صوفية)
حين ينظر المتصوف إلى الوجود لا يراه مجرد مادة تتحرك في الفراغ، بل يراه بحرًا من المعاني، وموجًا من الطاقات التي تتراقص في صمت عميق. فالكون في نظر الروح ليس جسدًا جامدًا، بل كائن حيٌّ يتنفس بالحكمة، وتنبض في أعماقه أسرار لا تُدرك إلا بقلب يقظ.
ومن هنا يصبح الإنسان أكثر من مجرد كائن عابر في هذا الكون. إنه نقطة التقاء بين الأرض والسماء، بين المادة والروح، بين المحدود واللامحدود. ففي داخله شرارة الوعي التي تجعله قادرًا على أن يشعر بالكون ويبحث عن معناه.
لكن هذا الوعي لم يكن ثابتًا عبر الزمن. لقد مرّ بمراحل، كما تمر الروح بمقاماتها في الطريق.
في الأمس، كان وعي الإنسان قريبًا من الفطرة. كان يعيش في حضن الطبيعة، ويشعر أن كل شيء حوله يحمل سرًا: النهر، والريح، والنجوم، وحتى الصمت. لم يكن يملك العلم الذي نملكه اليوم، لكنه كان يملك نوعًا من الحضور الداخلي؛ حضور يجعل القلب أكثر إصغاءً للوجود.

أما اليوم، فقد اتسع عقل الإنسان اتساعًا هائلًا. لقد اقتحم أسرار المادة، وفكك الذرة، وفتح عيونًا جديدة على أعماق السماء. صار يعرف عن الكون ما لم تعرفه أجيال طويلة قبله. ومع ذلك، يشعر أحيانًا أن شيئًا ما ينقصه… كأن المعرفة كثرت لكن السكينة قلّت.
وهنا تظهر المفارقة العجيبة بين وعي الأمس ووعي اليوم.
وعي الأمس كان محدود الأدوات لكنه غني بالصفاء.
وعي اليوم واسع الأدوات لكنه مثقل بالضجيج.
والحقيقة الصوفية تقول إن الوعي لا ينمو بالمعرفة وحدها، بل بالنقاء الداخلي. فالعقل يفتح الأبواب، لكن القلب هو الذي يرى ما وراءها.
ومن هنا نفهم أن تطور الوعي الإنساني لم يحدث فقط بسبب التقدم العلمي، بل بسبب أدوات خفية تشكل الوعي عبر الزمن.
*أول هذه الأدوات هي التجربة الإنسانية. فكل جيل يضيف طبقة جديدة من الإدراك إلى ما سبقه. الألم، الحب، الفقد، الاكتشاف، كلها تصنع في الإنسان حساسية أعمق تجاه الوجود.

*والأداة الثانية هي السؤال. فالسؤال هو الشرارة التي توسع الوعي. حين يسأل الإنسان: من أنا؟ ولماذا وُجدت؟ وما سر هذا الكون؟ فإنه يفتح بابًا في داخله لم يكن موجودًا من قبل.

*أما الأداة الثالثة، وهي الأعمق في الطريق الصوفي، فهي العودة إلى الداخل. فالمتصوفون يقولون إن الكون كله قد يتجلى في قلب الإنسان إذا صفا. لأن القلب ليس مجرد عضو في الجسد، بل مرآة قادرة على عكس الوجود كله عندما تخلو من غبار الأنانية والضجيج.
لهذا لم يكن هدف الحكماء عبر العصور أن يعرف الإنسان العالم فقط، بل أن يعرف نفسه. لأن معرفة النفس هي الطريق إلى معرفة الكون.
وفي هذا السياق يصبح السؤال عن طاقة الكون سؤالًا عن طاقة الإنسان نفسه. فالإنسان ليس منفصلًا عن الكون، بل هو جزء من نسيجه الطاقي العميق. ما يجري في الكون من حركة وتغير يترك صداه في وعي الإنسان، وما يتغير في وعي الإنسان ينعكس بدوره على طريقته في رؤية الكون.
ولهذا يبدو أحيانًا أن البشرية كلها تدخل مراحل جديدة من الإدراك. كأن الوعي الإنساني يتسع ببطء ليصبح أكثر قدرة على استقبال طاقات أعمق من المعنى.
لكن الحقيقة التي يهمس بها التصوف في نهاية الرحلة هي أن الكون لم يتغير كثيرًا…بل الإنسان هو الذي يتغير في قدرته على الرؤية.
فالشمس التي أشرقت على إنسان الأمس هي نفسها التي تشرق اليوم. والنجوم التي تأملها الأولون ما زالت في مكانها.
لكن العين التي تنظر قد أصبحت أوسع، والقلب الذي يتأمل قد أصبح أعمق.
ولهذا فإن رحلة الوعي الإنساني ليست انتقالًا من جهل إلى معرفة فقط، بل انتقال من غفلة إلى حضور.
وكلما اتسع حضور الإنسان، أدرك سرًا بسيطًا لكنه مدهش: أن الكون لم يكن يومًا بعيدًا عنه…بل كان دائمًا يسكن في أعماق روحه.
المتصوفة كانوا يقولون عبارة شديدة العمق: "الكون كتاب كبير… والإنسان صفحته الأوضح."

فوعي الإنسان لم يتسع لأن الكون تغيّر فجأة، بل لأن الإنسان بدأ يقرأ هذا الكتاب بطريقة أعمق.
في الأمس كان الإنسان يقرأ الحروف الأولى من الوجود:
النار، المطر، الليل، النجوم…وكان يشعر بقدسيتها دون أن يفكك أسرارها. أما اليوم فقد بدأ يقرأ السطور الخفية:الذرة، الطاقة، المجرات، قوانين الكون.
لكن الرحلة لم تنته بعد…
ففي الطريق الصوفي يقال إن هناك قراءة ثالثة أعمق من العلم والفطرة معًا، وهي قراءة القلب.
حينها لا يرى الإنسان الكون كشيء خارجي فقط، بل يشعر أنه جزء من نسيج حي واحد.
عند هذه النقطة يتبدل السؤال كله:
لم يعد السؤال:ما هو الكون؟
بل يصبح:
كيف يتجلى الكون في داخلي؟
وهنا يصل الوعي إلى مقام جميل قال عنه الحكماء:
ليس الإنسان مجرد كائن يعيش في الكون…بل الكون يعيش لحظة وعي داخل الإنسان.
ولهذا فإن رحلة الوعي لا تنتهي بالعلم ولا بالفلسفة، بل تبدأ منهما لتصل إلى الحضور…حضور يجعل الإنسان يرى أن كل شيء في الوجود يهمس بسر واحد:أن الوعي الذي يبحث عن الحقيقة…هو نفسه جزء من هذه الحقيقة.

***هل كان إنسان الأمس أقرب إلى السر الكوني من إنسان اليوم رغم بساطة علمه؟"
هذا السؤال يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه في عمقه يمس جوهر العلاقة بين الإنسان والوجود. لأن السر الكوني لا يُدرك بالعلم وحده، ولا يُدرك بالبساطة وحدها، بل بطريقة حضور الإنسان داخل هذا الكون.

إنسان الأمس كان يعيش في حضن الطبيعة بلا حواجز تقريبًا. لم تكن بينه وبين السماء طبقات من الزجاج والضوء الصناعي، ولم يكن عقله مزدحمًا بفيض المعلومات. كان الليل عنده ليلًا حقيقيًا، والنجوم كانت كتابًا مفتوحًا، والريح كانت رسالة لا ضجيج فيها. لهذا كان يشعر بالكون أكثر مما يفسره. كان يعيش الوجود كحضور مباشر، لا كمفهوم نظري.
ومن هنا يمكن القول إن إنسان الأمس كان أقرب شعورًا إلى السر الكوني. ليس لأنه فهمه علميًا، بل لأنه لم يبتعد عنه نفسيًا. كان قلبه مفتوحًا للدهشة، والدهشة هي الباب الأول لكل معرفة عميقة.
لكن في المقابل، لم يكن إنسان الأمس يرى إلا جزءًا صغيرًا من الصورة الكبرى. السماء التي تأملها بعينيه لم تكن في نظره سوى سقف بعيد، بينما نعرف اليوم أنها فضاء هائل يموج بالمجرات. المادة التي لمسها بيده لم يكن يعلم أنها تخفي داخلها عوالم من الطاقة. لذلك فإن قربه من السر كان قربًا وجدانيًا أكثر منه إدراكًا واعيًا.
أما إنسان اليوم فقد دخل مرحلة مختلفة. لقد اقتحم أبواب الكون بعقله. أصبح يرى ما وراء حدود الحواس، ويكتشف أن الوجود أعظم بكثير مما تخيله الإنسان القديم. هذا الاتساع المعرفي جعل الإنسان أقرب إلى فهم بنية الكون، لكنه في الوقت نفسه جعله أبعد قليلًا عن بساطة الشعور الأول.

# لقد ربح الإنسان المعرفة، لكنه خسر شيئًا من السكينة الأولى.
وهنا تظهر المفارقة العميقة:
إنسان الأمس كان قريبًا من السر لأنه يشعر به، وإنسان اليوم يقترب منه لأنه يفهم بعض قوانينه.
لكن السر الكوني نفسه لا ينكشف بالكامل لأي منهما. لأنه ليس شيئًا يُمتلك، بل أفق يظل يتسع كلما اقترب الإنسان منه.
في الرؤية الصوفية يقال إن الحقيقة الكونية لها بابان: باب العقل وباب القلب. العقل يكشف القوانين، والقلب يلمس المعنى. إنسان الأمس دخل من باب القلب، وإنسان اليوم دخل من باب العقل. أما الطريق الأعمق فهو أن يلتقي البابان معًا.
فإذا اجتمع صفاء القلب القديم مع اتساع العقل الحديث، يولد نوع جديد من الوعي. وعي يستطيع أن يرى النجمة بعين العلم، وأن يشعر بجمالها بعين الروح في الوقت نفسه.
عندها لا يعود الإنسان يسأل فقط عن كيفية تشكل النجوم، بل يشعر أن الضوء الذي يلمع في السماء هو نفسه الضوء الذي يلمع في أعماق روحه.
ومن هنا يمكن القول إن السر الكوني لم يكن أقرب إلى إنسان الأمس ولا إلى إنسان اليوم وحده. بل هو أقرب إلى الإنسان الذي يجمع بين الاثنين: بساطة القلب القديم…واتساع العقل الحديث.
ذلك الإنسان هو الذي يبدأ في إدراك أن الكون ليس مجرد فضاء شاسع، بل تجربة وعي عميقة يعيشها الوجود عبر الإنسان.
وعندما يصل الإنسان إلى هذا المقام، يدرك حقيقة صوفية جميلة:
أن السر الكوني لم يكن يومًا بعيدًا عنه…بل كان ينتظر فقط أن يتسع وعيه بما يكفي ليراه.

هل كان إنسان الأمس يرى الكون خارجَه… بينما بدأ إنسان اليوم يكتشف أن الكون في داخله أيضًا؟
حين نتأمل رحلة الإنسان مع الوجود عبر العصور، نجد أن نظرته إلى الكون لم تكن ثابتة، بل كانت تتغير مع اتساع وعيه. فالإنسان في بداياته كان يرى الكون كعالم خارجي عظيم يقف أمامه في هيبة وغموض. السماء فوقه، الأرض تحته، والنجوم بعيدة في أعالي الوجود. كان يشعر أنه كائن صغير يعيش داخل كون هائل، لذلك كانت علاقته بالكون علاقة تأمل وخشوع أمام شيء خارجي أكبر منه.

لقد نظر إنسان الأمس إلى الكون بعين الدهشة. كان يرى فيه قوة غامضة تحيط به وتؤثر في حياته، لكنه لم يكن يتخيل أن هذا الكون الهائل يمكن أن يكون له صدى عميق داخل ذاته. بالنسبة له، كان الكون كتابًا مفتوحًا أمام عينيه، لكنه لم يكن يعلم أن بعض صفحاته مكتوبة أيضًا في داخله.
لكن مع تطور الفكر الإنساني حدث تحول عجيب في زاوية النظر. بدأ الإنسان يكتشف أن الحدود بين الداخل والخارج ليست حادة كما كان يظن. فالكون الذي يراه في السماء ليس منفصلًا تمامًا عن كيانه.
العلم نفسه بدأ يلمّح إلى ذلك بطرق مختلفة. فالمادة التي يتكون منها جسد الإنسان هي نفسها المادة التي تتكون منها النجوم. والعناصر التي تجري في دمه صُنعت في قلب انفجارات نجمية قديمة. بمعنى آخر، جسد الإنسان يحمل تاريخ الكون في خلاياه.
لكن الفلسفة والتصوف ذهبا أبعد من هذا بكثير. فقد قال الحكماء منذ قرون إن الإنسان هو كون صغير، أو كما عبّر بعضهم: "الإنسان عالمٌ صغير والكون إنسانٌ كبير". لم يكن المقصود بذلك التشابه المادي فقط، بل التشابه في البنية العميقة للوجود.
ففي داخل الإنسان عالم كامل: أفكار تتحرك كالكواكب، ومشاعر تتقلب كالفصول، وأعماق من الوعي لا يعرفها حتى هو نفسه. وعندما يغوص الإنسان في نفسه بصدق، يبدأ في اكتشاف أن الداخل ليس أقل اتساعًا من الخارج.
ومن هنا يولد إدراك جديد:
أن الكون ليس فقط فضاءً نعيش فيه، بل تجربة وعي نعيشها أيضًا من الداخل.
إنسان الأمس وقف أمام الكون كمتأمل. أما إنسان اليوم فقد بدأ يقف أمام نفسه أيضًا كمتأمل.
وهذا التحول في زاوية النظر هو أحد أعظم التحولات في تاريخ الوعي البشري. لأن الإنسان حين يبدأ في اكتشاف عوالمه الداخلية، يدرك أن المعرفة ليست رحلة إلى الخارج فقط، بل رحلة إلى الداخل كذلك.
وفي الرؤية الصوفية يبلغ هذا الفهم ذروته. فالمتصوفة يرون أن القلب الإنساني قادر – إذا صفا – على أن يعكس الوجود كله كما تعكس المرآة الضوء. ليس لأن الإنسان أكبر من الكون، بل لأنه يحمل في أعماقه القدرة على إدراك معناه.
ولهذا قال بعض الحكماء إن الإنسان إذا عرف نفسه حق المعرفة، رأى في داخله صدى الكون كله. فالرحلة إلى السماء لا تكون دائمًا بالصعود إلى الفضاء، بل أحيانًا بالنزول إلى أعماق الروح. وهنا تتلاقى حكمة الأمس مع معرفة اليوم.

إنسان الأمس علمنا كيف ننظر إلى السماء بدهشة. وإنسان اليوم بدأ يتعلم كيف ينظر إلى أعماقه بالدهشة نفسها.
وعندما تلتقي الدهشتان، يحدث الاكتشاف الأعظم:
أن الكون الذي كان الإنسان يبحث عنه في البعيد…كان يرسل إشاراته إليه من أعماق ذاته منذ البداية.
أرى أن كل هذا الوعي واتساعه وطاقة الكون وتوهجها على مر الأزمنة هى رسالة من خالق الكون لنا لنكتشف ذواتنا ودواخلنا ....
فلماذا يريد الخالق منا أن نكتشف ذواتنا ونعود إلى دواخلنا واعماقنا؟
عبر التاريخ حاول الحكماء والمتصوفة والفلاسفة فهم لماذا يدعونا الخالق إلى معرفة أنفسنا. لا توجد إجابة واحدة نهائية، لكن هناك رؤى عميقة تلتقي حول معانٍ مشتركة. إليك طرحًا صوفيًا-فلسفيًا يضيء الفكرة.

*أولًا: لأن معرفة الذات هي الطريق لمعرفة الخالق
في التجربة الروحية كثيرًا ما تتردد الحكمة: من عرف نفسه عرف ربّه.
المعنى ليس أن الإنسان يصبح إلهًا أو يساوي الخالق، بل أن الإنسان حين يغوص في أعماق نفسه يكتشف آثار الحكمة والرحمة والنظام التي وضعها الخالق في كيانه.
الإنسان يحمل في داخله: قدرة على الوعي، قدرة على المحبة، قدرة على الإبداع، قدرة على الاختيار
هذه الصفات ليست عشوائية؛ بل هي إشارات صغيرة إلى معانٍ كونية أعظم. لذلك فالتأمل في النفس يصبح طريقًا لاكتشاف بصمات الخالق في الخلق.

*ثانيًا: لأن الإنسان خُلق ليكون كائنًا واعيًا لا مجرد كائن حي
الكائنات الحية تعيش وتتكاثر وتموت، لكن الإنسان يتميز بشيء إضافي: الوعي بالوجود نفسه.
الإنسان يستطيع أن يسأل:
لماذا وُجدت؟.....ما معنى الحياة؟......ما الخير؟ وما الشر؟.....ما علاقتي بالكون؟
هذا النوع من الأسئلة يدل على أن الإنسان لم يُخلق ليعيش فقط، بل ليعي وجوده. وكأن الوعي هبة إلهية، والبحث عن الذات هو الطريقة التي ينضج بها هذا الوعي.

*ثالثًا: لأن الداخل هو بوابة الحرية الحقيقية
حين يعيش الإنسان خارج ذاته فقط—في الضجيج، والمظاهر، والصراعات—يصبح أسير الظروف.
لكن حين يعود إلى أعماقه يبدأ في فهم دوافعه ومخاوفه ورغباته.
هذه المعرفة الداخلية تمنحه حرية حقيقية:
حرية الاختيار الواعي، لا مجرد ردود فعل عمياء. ولهذا فإن الدعوة إلى معرفة النفس هي في جوهرها دعوة إلى تحرير الإنسان من الجهل بذاته.

*رابعًا: لأن الكون كله مدرسة للوعي
من منظور روحي، يمكن رؤية الكون كرحلة تعليمية عظيمة.
التجارب، الألم، الحب، الفقد، الاكتشاف… كلها أدوات تُصقل بها النفس. فليس الهدف من الحياة مجرد المرور عبر الزمن، بل النضج الداخلي. وكلما ازداد وعي الإنسان بذاته وبالكون، ازداد قربه من الحكمة التي خُلق من أجلها.

*خامسًا: لأن العودة إلى الداخل تعيد التوازن بين العقل والروح
العصر الحديث منح الإنسان معرفة هائلة، لكنه أحيانًا يبعده عن سكينة القلب. الرجوع إلى الداخل ليس هروبًا من العالم، بل محاولة لإعادة التوازن:
العقل يفهم العالم، القلب يمنح هذا الفهم معنى، وعندما يتكامل الاثنان يصبح الوعي أعمق وأكثر إنسانية.

***الخلاصة الروحية
قد يكون السبب الأعمق لكل هذا النداء الداخلي بسيطًا لكنه عميق:
الخالق لم يخلق الإنسان ليكون مجرد شاهد على الكون، بل ليكون واعيًا به… وواعياً بنفسه داخل هذا الكون.
وحين يبدأ الإنسان في اكتشاف ذاته بصدق، يكتشف شيئًا مدهشًا:
أن الطريق إلى أعماق النفس ليس ابتعادًا عن الخالق…بل هو في كثير من الأحيان أقرب الطرق إليه.
كلما ازداد وعي الإنسان بذاته وبالكون، ازداد قربه من الحكمة التي خُلق من أجلها، وادرك رسالته التي جاء من اجلها في تجربته الحياتية ليعود إلى موطنه الأصلي" عالم الذر" بعد أن يكون قد أدى رسالته ودوره الذي جاء من أجله للأرض.
فكلما ازداد وعي الإنسان بذاته وبالكون، كلما أصبح أكثر انسجامًا مع الطاقة الكونية التي تحيط به، وأكثر قدرة على إدراك الحكمة التي خُلق من أجلها. فالوعي ليس مجرد معرفة عقلية، بل هو شعور داخلي بالغاية، إدراك لمعنى الرحلة، ووضوح للمكان الذي جاء منه الإنسان وإلى أي موطن سيعود في النهاية.

الإنسان في تجربته الأرضية لم يُخلق ليكون مجرد متفرج، بل فاعلًا وواعٍ. كل تجربة، كل تحدٍ، كل فرح أو حزن، هو أداة لتشكيل وعيه، وصقل روحه، وتفعيل طاقاته الداخلية. من خلال هذه التجربة، يتعلم الإنسان دوره الخاص في الكون، رسالته على الأرض، ويكتشف موهبته الفريدة التي يجب أن يقدمها للوجود.
وهكذا، تصبح الحياة رحلة تعليمية متكاملة: رحلة إلى الخارج والداخل في آن واحد. فالكون يمنحه الأحداث، والظروف، والفرص، والإنسان يكتشف داخله الحكمة التي تجعله يقرأ هذه الأحداث قراءة صافية، ويفهم الرسالة المخبأة وراء كل موقف وكل لقاء.
وعندما يكتمل هذا الإدراك، يبدأ الإنسان بالعودة تدريجيًا إلى موطنه الأصلي: عالم الذر. ليس بالرحيل الجسدي فقط، بل بالعودة الروحية، بالاتصال العميق بالذات العليا، بالوعي المطلق، بالصفاء الذي كان عليه قبل نزوله إلى الأرض. في هذا الموطن، يدرك الإنسان أن كل ما عاشه على الأرض كان جزءًا من تجربة أكبر، تجربة اختبرت قلبه وعقله وروحه، لتجعله مؤهلًا ليتحد مع النور الذي خلقه، ومع الخلق كله، بشكل أعمق وأكثر حضورًا.
الغاية إذن من وعي الإنسان الأرضي ليست البقاء أو التملك، بل النضج الروحي والمعرفي الذي يسمح له بالعودة إلى حضن الكون بحكمة، بصفاء، وباكتمال طاقته، ليعيش في انسجام مع نفسه ومع مصدر وجوده.



#راندا_شوقى_الحمامصى (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تحرّي الحقيقة: فريضة الوعي ومسار الروح في كل مناحي الحياة
- -العدالة وبني الإنسان-
- الغيب… أفق العقل المفتوح
- نبذ التعصّبات بكافة أنواعها: وصمة لا تليق بإنسان هذا العصر
- -إلى متى نستمر بهذه العبثية الفكرية وبعيداً عن إعمال العقل و ...
- تطوّر الوعي وتلاشي الهوية: من سجن الأنا إلى ميلاد الحرية
- معضلة الإسراء والمعراج بالعقل وبلا تعصّب
- الحياة بعد الموت – الرؤية الكبرى من مرايا الأديان
- الدين الواحد... سرّ التجلّي الإلهي في مرايا الأديان، و حين ت ...
- إن لم تستطع تغيير العالم، فغيّر من نفسك… فالعالم فيك
- ليلة الأبدية… افتتاح المتحف المصري الكبير – حين استيقظت أروا ...
- مصر... مجد الأزل ونور الأبد
- حين يتنفس الشرق من جديد و ينتصر صوت السلام على ضجيج الحرب... ...
- الدين: جوهره وماهيته المطلقة
- الإنسانية والدين: ثنائية التكامل لا التعارض
- -الإنسان والأديان وحرية المعتقد وإنسانية الإنسان-
- -التوحد (Autism Spectrum Disorder - ASD)-
- مرض الديسلكسيا (عسر القراءة)
- حين نُولد من النور وننسى…
- -أنا من هناك… من حيث قُلتُ: بَلَى-


المزيد.....




- فلسطين: تصريحات نتنياهو بحق المسيح انحراف فكري وتبرير لجرائم ...
- حي يهودي في الإمارات: ترسيخ للتطبيع أم إعادة تشكيل للمنطقة؟ ...
- بابا الفاتيكان: حرب الشرق الأوسط عار على البشرية
- بابا الفاتيكان: الحرب في الشرق الأوسط -عار- على البشرية
- المقاومة الإسلامية تستهدف مستوطنة ديشون بصلية صاروخية في إطا ...
- المقاومة الاسلامية في لبنان تستدف تجمّعًا لجنود جيش العدوّ ا ...
- في اليابان.. أصبحت الأمور خارجة عن السيطرة في هذه الجنة الثل ...
- لبنان.. المقاومة الإسلامية تستهدف قاعدة الدفاع الجوي في حيفا ...
- تحذيرات من تقييد شعائر المسيحيين في القدس بعد إغلاق كنيسة ال ...
- حرس الثورة الاسلامية: في عملية خاطفة ومستمرة، وتلت مباشرة مو ...


المزيد.....

- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله للمراهقين / يل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- صداقة مع الله / نيل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله / المستنير الحازمي
- أنه الله فتش عن الله ونبي الله / المستنير الحازمي
- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - راندا شوقى الحمامصى - الإنسان بين وعي الأمس ووعي اليوم