أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - مذكرات ست سعيدة ( 13)














المزيد.....

مذكرات ست سعيدة ( 13)


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8674 - 2026 / 4 / 11 - 16:16
المحور: الادب والفن
    


ترميم الفراغ
​أم نوفل.. وأشياء لا تطالها المكنسة

​في فلسفة الإدارة التي لقنوني إياها، كانت المدرسة "هيكلاً"؛ جداول صماء، وتواقيع تجف فوق ورق باهت. لكنني مع مرور السنوات، اكتشفتُ أن الأمكنة لا تقوم على أعمدتها الإسمنتية، بل على تلك الأرواح التي تتحرك في "الهامش" لتصنع "المركز".
​كانت أم نوفل هي التوازن الخفي لهذا المكان. امرأة تسبق الضوء إلى الممرات، وتغادر بعد أن يذوب آخر ظل. لم تكن تحمل شهادة معلقة، لكنها كانت تملك بصيرةً تتجاوز حدود الورق. كانت تقرأ الوجوه كما يقرأ تلميذٌ مجتهدٌ سطراً في كتاب؛ تعرف الغصة قبل أن تتحول إلى بكاء، وتدرك التعب قبل أن يرتخي الكتف.
​كانت تمر بمكتبي، تضع فنجان القهوة كأنها تضع تميمة حظ، وتهمس بيقين العارفين:
​"لا تحملين كل شيء وحدكِ يا ست.. الأكتاف خُلقت لتسند، لا لتُكسر."
​كنتُ أعتمد عليها في حماية "إنسانية" المكان، فهي لم تكن تنظف الغبار فحسب، بل كانت تمسح عن أرواحنا كدر القرارات الجافة.
​لكنّ يوماً جاء، كسر تلك القاعدة. دخلت أم نوفل بعد الحصة الأولى، بخطوات ثقيلة كأنها تجر خلفها جبالاً من الرصاص. عيناها اللتان كانت تلمعان بالرضا، صارتا كبئرين مهجورتين.
​حين سألتها بقلبٍ منقبض: "أم نوفل.. شكو؟"
لم تتباكَّ. رفعت رأسها بابتسامة هي أقرب إلى النحيب الصامت، وقالت بجملة فلسفية فطرية:
"ابني ضاع مني يا ست.. لم يمت، لكنه سلك طريقاً الغبارُ فيه يغطي القلوب."
​قالتها وهي تصف ضياع ابنها في دهاليز "السموم" أو "الرفقة السوء"، كأنها تصف قدراً لا رادّ له. كانت المفارقة موجعة؛ المرأة التي تقضي عمرها في تطهير المكان من أدنى شائبة، تقف الآن عاجزة أمام "غبار" تسلل إلى روح قطعة من قلبها.
​حين حاولتُ إعفاءها من العمل ذلك اليوم، باغتتني بسؤال وجودي عميق:
"والمكان؟ البنات يحتاجوني.. والشغل يستر الوجع."
​راقبتها في نهاية الدوام. كانت تحرك مكنستها ببطء طقوسي، كأنها تحاول كنس قدرها. اقتربتُ منها، سألتها: "تعبتي يا أم نوفل؟"
​توقفت، نظرت إلى الأرض النظيفة التي تعكس ضوء الشمس الغاربة، وقالت بصوت هادئ يختصر مجلدات من الحكمة:
​"التعب ليس من الشغل يا ست.. التعب من أشياء تسكن في العمق، أشياء.. لا تُكنس."
​في تلك اللحظة، أدركتُ أن أم نوفل ليست "فراشة" المدرسة، بل هي "ضميرها". هي الدرس الحقيقي الذي لم يُدرج في المناهج؛ درس الوقوف بثبات حين ينهار كل شيء بالداخل.
​منذ ذلك اليوم، لم يعد النظافة تعني لي خلوّ الأرض من القذى، بل أصبحتُ أتساءل أمام كل ممر نظيف:
كم من الحزن كُنس هنا؟ وكم من وجعٍ عُطر بالصمت كي لا يتعثر به العابرون؟



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مذكرات ست سعيدة ( 12 )
- مذكرات الست سعيدة ( 11 )
- مذكرات ست سعيدة ( 10 )
- مذكرات الست سعيدة ( 9 )
- ​مذكرات ست سعيدة (8)
- مذكرات الست سعيدة ​( 7 )
- مذكرات الست سعيدة ( 6 )
- مذكرات الست سعيدة ( 5 )
- مذكرات الست سعيدة (4)
- مذكرات الست سعيدة ( 3 )
- مذكرات الست سعيدة (2)
- مذكرات الست سعيدة (1) ​
- البابُ الذي لم يُغلق
- قيود من رمل وصدى
- الضحية / 3 والاخيرة
- الضحية / 2
- الضحية / 1
- خربشات قلم / 5 والاخيرة
- خربشات قلم / 4
- خربشات قلم / 3


المزيد.....




- ما تبقى منكم ..؟! فيلم مدهش يصور هوية و ذاكرة الانسان الفلسط ...
- -جزء من الثقافة الجماهيرية-.. خبير روسي يعلق على دعوات حظر م ...
- شاهد.. في غزة كتب ناجية من الحرب والأنقاض تغدو مكتبة في خيمة ...
- تطورات جديدة في قضية إيجي إرتيم.. تقرير أولي يستبعد العنف وا ...
- البالالايكا.. كيف تحوّلت آلة الفلاحين إلى أشهر رموز الموسيقى ...
- تفضيلات الموسيقى في روسيا تتغير.. ما النوع الفني الذي تضاعف ...
- العثور على جثة تيكتوكر عراقية داخل منزل فنان شهير
- سناء الشعلان: سيرةٌ لا تُختزل في هوامش -قراءة في مشوار امرأة ...
- بميزانية 250 مليون دولار.. ملحمة -الأوديسة- تستعد لاجتياح ال ...
- نقابة الفنانيين الأردنيين: قرار شطب صبا مبارك نهائي


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - مذكرات ست سعيدة ( 13)