أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد عبدالله الخولي - جدلية الصمت والتأويل: الوظيفة الإبستمولوجية للنقد في مساءلة صمت الخطاب الفني














المزيد.....

جدلية الصمت والتأويل: الوظيفة الإبستمولوجية للنقد في مساءلة صمت الخطاب الفني


محمد عبدالله الخولي
كاتب/ ناقد/ باحث

(Mohammed Elkhooly)


الحوار المتمدن-العدد: 8666 - 2026 / 4 / 3 - 00:27
المحور: الادب والفن
    


تطرح مقولة نورثروب فراي: «إن هناك سببًا يجعل وجود النقد ضروريًا، هو أن النقد قادر على الكلام بينما الفنون كلها خرساء» إشكالية معرفية تتجاوز حدود العلاقة التقليدية بين الإبداع والنقد، لتلامس سؤالًا أكثر عمقًا يتعلق بطبيعة المعنى ذاته: كيف يمكن لخطاب جمالي كثيف الدلالة أن يظل صامتًا، بينما يصبح خطابٌ ثانوي ـ ظاهريًا ـ هو الأقدر على الكلام؟ إن هذه المفارقة لا تشير إلى نقص في الفن، بل إلى اختلاف أنطولوجي بين نمطين من الخطاب: خطاب يُنتج التجربة، وخطاب يُنتج الوعي بها.
الفن لا يصمت لأنه عاجز عن القول، بل لأنه يعمل داخل نظام دلالي غير تقريري. فالقصيدة أو الرواية لا تقدمان معرفة في صورة مفاهيم، بل في صورة خبرة مُعاشة تتجسد عبر الإيقاع والصورة والبنية السردية. ومن هنا فإن العمل الفني يظل، بحسب طبيعته، خطابًا قبل-مفاهيميًا؛ أي أنه يسبق اللغة الشارحة التي يمكنها أن تعرّفه أو تحدد معناه. إن الفن يخلق المعنى بوصفه تجربة حسية–رمزية، لا بوصفه أطروحة فكرية قابلة للبرهنة.
هذا الصمت البنيوي هو ما يمنح الفن طاقته التأويلية. فالمعنى في العمل الفني ليس معطى جاهزًا، بل إمكانية مفتوحة تتشكل داخل فعل القراءة. غير أن هذه الإمكانية تحتاج إلى جهاز مفهومي يسمح بانتقالها من مستوى التلقي الفردي إلى مستوى المعرفة الثقافية المشتركة، وهنا يتأسس دور النقد بوصفه ممارسة إبستمولوجية. فالنقد لا يضيف معنى خارجيًا للنص، بل يحوّل التجربة الجمالية إلى موضوع للتفكير.
وبذلك يصبح النقد فعل ترجمة بين نظامين: نظام العلامة الجمالية ونظام المفهوم. إنه ينقل النص من مجال الإحساس إلى مجال المعرفة، دون أن يلغي غموضه الأصلي. فحين يقرأ الناقد نصًا شعريًا، لا يفسر فقط ما يقوله النص، بل يكشف شروط إنتاج المعنى داخله: علاقات اللغة، أنماط التخييل، البنية الرمزية، والأنساق الثقافية الكامنة وراءه. النقد، إذن، لا يتكلم لأن الفن صامت فحسب، بل لأنه يسعى إلى جعل هذا الصمت قابلاً للتداول الفكري.
ومن هذا المنظور يمكن فهم النقد بوصفه وعي الأدب بذاته. فالعمل الفني يوجد أولًا كحدث جمالي، لكن النقد يمنحه بعدًا تاريخيًا ومعرفيًا، إذ يُدرجه داخل شبكة من العلاقات النصية والثقافية. ولهذا لا يدخل النص تاريخ الأدب إلا عبر القراءة النقدية التي تعيد تحديد موقعه داخل النسق العام للثقافة. إن النقد لا يشرح العمل بعد اكتماله، بل يشارك في اكتمال وجوده الثقافي.
غير أن العلاقة بين الصمت والكلام ليست علاقة تعويض، بل علاقة جدلية. فالفن يحتاج إلى صمته كي يحتفظ بانفتاحه، بينما يحتاج النقد إلى هذا الصمت كي يجد موضوعه. ولو أصبح الفن خطابًا شارحًا لذاته لانتهت الحاجة إلى النقد، ولو ادعى النقد امتلاك المعنى النهائي لألغى الطبيعة الاحتمالية للفن. إنهما يشكلان معًا نظامًا ديناميًا يقوم على التوتر الخلاق بين الإيحاء والتفسير.
وهنا تتبدى الوظيفة الأعمق للنقد: ليس إنتاج تفسير نهائي، بل إبقاء المعنى في حالة حركة. فكل قراءة نقدية هي إعادة كتابة للنص داخل أفق تاريخي جديد، ما يجعل النقد فعلًا زمنياً بامتياز. الفن يخلق بنية قابلة للاستمرار، بينما النقد يعيد تنشيطها عبر العصور، محولًا الصمت الجمالي إلى حوار ثقافي لا ينتهي.
وعليه، فإن عبارة فراي لا تُفهم باعتبارها تفضيلًا للنقد على الفن، بل باعتبارها تحديدًا لاختلاف وظيفتين معرفيتين: الفن ينتج العالم الممكن، والنقد ينتج إمكان فهم هذا العالم. وبين إنتاج المعنى وتأويله تتشكل الحضارة بوصفها تراكمًا للقراءات لا للأعمال وحدها.
إن صمت الفنون، بهذا المعنى، ليس نقصًا بل شرط وجودها؛ والنقد ليس كلامًا زائدًا، بل هو الوعي الذي يجعل الصمت نفسه قابلًا لأن يُفكَّر فيه. وفي هذه الجدلية تحديدًا تتأسس شرعية النقد بوصفه ممارسة معرفية لا تقل إبداعًا عن الفن، لأنها تمنح التجربة الجمالية قدرتها على الاستمرار داخل الذاكرة الإنسانية.



#محمد_عبدالله_الخولي (هاشتاغ)       Mohammed_Elkhooly#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أزمة التأسيس في اللسانيات الحديثة: أسئلة إبستمولوجية ونقد بن ...
- الشِّعر بوصفه سلطة جمالية متعالية على الأشكال - مقاربة نقدية ...
- بيان نحو نظرية عالمية للأدب: تجاوز المركزية وبناء الأفق الإن ...
- نحو نظرية عالمية للأدب: من مركزية النموذج الغربي إلى أفق إنس ...
- الاستعارة بوصفها معرفة: حين يتحول المجاز إلى طريقة في فهم ال ...
- النقد الثقافي: حين يصير النص مرآةً للسلطة الخفية في الحياة.
- نحو شعرية لسانية حديثة: إسهام رومان ياكبسون في تحليل الوظائف ...
- الشِّعريّات: من بنية اللغة إلى تجربة الوجود الجمالي
- ألف ليلة وليلة: السرد الذي عبر العالم وتعددت أصواته بين الذا ...
- جدلية الإبداع والنقد وتحولات المنهج في الفضاء النصي
- الشعر الحقيقي: بين جوهر الرؤيا وضجيج العبارة
- الشعر والسرد: جدل المنطق والدهشة في اللغة الأدبية
- إدراك العالم واكتشاف بنية الوجود: من الوعي المحايث إلى الممك ...
- آليات السرد في الشعر العربي المعاصر قراءة في مشروع الدكتور ع ...
- من تعدديّة الأصوات إلى أحادية الذات: تمثيلات الأنا والآخر في ...
- الحكاية في فضاء القصيدة: تحولات السرد من التوثيق الجاهلي إلى ...
- غنائيات الذات وتجليات العزلة في شعر العامية المصرية ديوان -ف ...
- تجليات الشعرية في العامية المصرية جدلية الخفاء والتجلي في دي ...
- الواقع الرقمي وتمثيلاته السردية في فضاء القرية: مقاربة نقدية ...
- تجليات السريالية في الشعر العربي المعاصر: سلطوية اللاوعي وته ...


المزيد.....




- مصر.. الفنان عبدالرحمن أبو زهرة في العناية المركزة
- ذاكرة المكان بين إبراهيم نصر الله وأورهان باموق
- الخوف على الساردة في رواية -الغناء في الرابعة فجراً-
- وفاة الفنانة العراقية ساجدة عبيد عن عمر يناهز 68 عامًا
- جيل -ألفا- يعيد العائلات إلى السينما
- -مدخرات 15 عاما اختفت-.. شاهد دمار مدرسة للموسيقى ضربتها غار ...
- من رواد الفن الشعبي.. وفاة الفنانة العراقية ساجدة عبيد
- البوكر الدولي 2026.. الأدب العالمي يقرع جرس الإنذار
- المخرج من أزمة هرمز.. كيف تبدو مواقف وخيارات الأطراف المعنية ...
- آلام المسيح: ما الذي يجعل -أسبوع الآلام- لدى أقباط مصر مختلف ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد عبدالله الخولي - جدلية الصمت والتأويل: الوظيفة الإبستمولوجية للنقد في مساءلة صمت الخطاب الفني