أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد عبدالله الخولي - الشِّعريّات: من بنية اللغة إلى تجربة الوجود الجمالي














المزيد.....

الشِّعريّات: من بنية اللغة إلى تجربة الوجود الجمالي


محمد عبدالله الخولي
كاتب/ ناقد/ باحث

(Mohammed Elkhooly)


الحوار المتمدن-العدد: 8660 - 2026 / 3 / 28 - 16:28
المحور: الادب والفن
    


لم يظهر حقل الشِّعريّات بوصفه ترفًا نظريًا داخل النقد الأدبي، بل نشأ من قلقٍ معرفيٍّ عميق: لماذا يكون نصٌّ ما أدبًا بينما يبقى نصٌّ آخر مجرد خطابٍ عادي؟ هذا السؤال، الذي يبدو بسيطًا في ظاهره، هو في حقيقته أحد أكثر الأسئلة تعقيدًا في تاريخ الفكر الإنساني؛ لأنه لا يبحث في معنى النص بقدر ما يبحث في شروط إمكان الأدب ذاته. ومن هنا تشكّل حقل الشعريات بوصفه انتقالًا من قراءة الأدب إلى التفكير في قوانينه الداخلية، أي من تفسير النصوص إلى اكتشاف البنية التي تجعل النص قابلًا لأن يُعاش جماليًا.
البذرة الأولى لهذا الحقل يمكن ردّها إلى كتاب فن الشعر للفيلسوف أرسطو، حيث لم يكن الهدف تفسير المآسي الإغريقية بقدر ما كان البحث عن المبادئ التي تنظّم فعل المحاكاة، وبذلك انتقل التفكير من مضمون الحكاية إلى شكل بنائها. لقد وضع أرسطو، دون أن يسمّي ذلك صراحة، الأساس الأول لفكرة أن الأدب نظامٌ له قوانينه الخاصة، وأن الجمال ليس أثرًا غامضًا بل نتيجة تنظيم محدد للعناصر الفنية. غير أن الشعريات بقيت قرونًا طويلة أسيرة البلاغة والمعايير الذوقية، إلى أن أعاد القرن العشرون اكتشافها بوصفها علمًا للأدبية.
مع الشكلانيين الروس، خاصة عند رومان ياكوبسون، حدث التحول الحاسم؛ إذ لم يعد السؤال: ماذا يقول النص؟ بل: كيف يقول ما يقول؟ هنا ظهرت فكرة “الأدبية” باعتبارها خاصية ناتجة عن انزياح اللغة عن استعمالها اليومي. فاللغة الأدبية لا تضيف معلومات جديدة فقط، بل تغيّر طريقة إدراكنا للعالم عبر إعادة تنظيم العلاقة بين الدال والمدلول. إن الشعرية، وفق هذا التصور، ليست موضوعًا بل وظيفة؛ وظيفة تجعل اللغة تلتفت إلى ذاتها، فتتحول الكلمات من وسيلة نقل إلى موضوع تجربة.
ومن هذا المنعطف، اتسع حقل الشعريات ليصبح مشروعًا نظريًا عامًا مع نقاد مثل تزفيتان تودوروف الذي رأى الشعريات علمًا يبحث في القوانين الكامنة وراء جميع النصوص الممكنة، لا النصوص الموجودة فقط. فالشعريات لا تفسّر عملًا أدبيًا بعينه، بل تحاول بناء نموذج نظري لما يمكن أن يكون عليه الأدب. إنها علم الاحتمالات الأدبية بقدر ما هي علم النصوص.
ثم جاءت السرديات الحديثة مع جيرار جينيت لتدفع الشعريات نحو تحليل دقيق لهندسة السرد: الزمن، التبئير، الصوت، ومستويات الحكي. لم يعد النص بنية لغوية فقط، بل نظام علاقات زمنية وإدراكية يعيد تشكيل تجربة الواقع داخل الوعي. هنا أصبحت الشعريات أشبه بعلم معماري يدرس تصميم التجربة الجمالية، حيث لا تُقرأ الرواية بوصفها قصة، بل بوصفها طريقة مخصوصة لتنظيم الزمن الإنساني.
غير أن التحول الأكثر عمقًا جاء مع ميخائيل باختين الذي نقل الشعريات من بنية مغلقة إلى فضاء حواري مفتوح. فالنص، في نظره، ليس صوتًا واحدًا بل ملتقى أصوات ووعيات متجاورة، تتصارع وتتجاوب داخل بنية سردية متعددة. وهكذا لم تعد الشعريات علم الشكل فقط، بل علم العلاقة بين الذوات داخل اللغة. لقد أصبحت الأدبية حدثًا حواريًا، لا خاصية تقنية فحسب.
في هذا السياق، يمكن فهم حقل الشعريات بوصفه انتقالًا معرفيًا من مركزية المؤلف إلى مركزية النص، ثم إلى مركزية العلاقة بين النص والقارئ. فالأثر الجمالي لا يسكن الكلمات وحدها، بل يتولد في المسافة بين البنية والتلقي؛ أي في اللحظة التي يعيد فيها القارئ بناء النص داخل خبرته الخاصة. ومن هنا تداخلت الشعريات مع السيميائيات ونظرية التلقي وفلسفة اللغة، لتغدو حقلًا عابرًا للتخصصات، لا مجرد فرع من فروع النقد الأدبي.
إن أهمية الشعريات اليوم تكمن في أنها تعيد تعريف الأدب خارج ثنائية الشكل والمضمون. فالشكل ليس وعاءً، والمضمون ليس مادةً منفصلة، بل كلاهما يتكوّن في عملية واحدة هي إنتاج المعنى عبر التنظيم الجمالي. ولهذا يمكن القول إن الشعريات لا تدرس النصوص بقدر ما تدرس شروط تأثيرها؛ إنها علم الأثر قبل أن تكون علم البنية.
وعندما ننظر إلى التحولات المعاصرة — خاصة مع الكتابة الرقمية والذكاء الاصطناعي — يكتسب حقل الشعريات بعدًا جديدًا؛ إذ لم يعد السؤال مقتصرًا على كيفية بناء النص، بل امتد إلى كيفية إنتاج الإبداع ذاته. هل الشعريّة خاصية إنسانية خالصة، أم أنها بنية يمكن توليدها خوارزميًا؟ هنا تعود الشعريات إلى سؤالها الأول ولكن بصيغة أكثر راديكالية: ما الذي يجعل التجربة الأدبية تجربة إنسانية؟
وهكذا يظهر حقل الشعريات لا كمرحلة في تاريخ النقد، بل كوعيٍ دائم بالأدب وهو يفكّر في نفسه. إنه المجال الذي يتحول فيه الأدب من موضوع للقراءة إلى موضوع للتفكير، ومن نص يُحكى إلى نظام يُفهم. فالشعريات، في جوهرها، ليست علم النصوص فحسب، بل علم الكيفية التي يصبح بها العالم قابلاً لأن يُروى.



#محمد_عبدالله_الخولي (هاشتاغ)       Mohammed_Elkhooly#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ألف ليلة وليلة: السرد الذي عبر العالم وتعددت أصواته بين الذا ...
- جدلية الإبداع والنقد وتحولات المنهج في الفضاء النصي
- الشعر الحقيقي: بين جوهر الرؤيا وضجيج العبارة
- الشعر والسرد: جدل المنطق والدهشة في اللغة الأدبية
- إدراك العالم واكتشاف بنية الوجود: من الوعي المحايث إلى الممك ...
- آليات السرد في الشعر العربي المعاصر قراءة في مشروع الدكتور ع ...
- من تعدديّة الأصوات إلى أحادية الذات: تمثيلات الأنا والآخر في ...
- الحكاية في فضاء القصيدة: تحولات السرد من التوثيق الجاهلي إلى ...
- غنائيات الذات وتجليات العزلة في شعر العامية المصرية ديوان -ف ...
- تجليات الشعرية في العامية المصرية جدلية الخفاء والتجلي في دي ...
- الواقع الرقمي وتمثيلاته السردية في فضاء القرية: مقاربة نقدية ...
- تجليات السريالية في الشعر العربي المعاصر: سلطوية اللاوعي وته ...
- تفكيك البنية السردية في رواية -السيدة الكبرى-: ديالكتيك الظا ...
- التمثيل التاريخي في فضاء الرواية العربية الحديثة
- الإبداع السِّيَري الخروج على منطق السِّيرة -التحديق في الشرر ...
- تجليات الشعر وفضاءات التجريب: تحولات الشعرية العربية
- الحضور الشعري واشتغاله البلاغي في فن المقامة
- قصيدة النثر من الحقيقة إلى التحقق -تحولات النص وفضاءات التجر ...
- تيارات الوعي وتفكيك المركزيات حلم الأنا وسلطة الواقع – دراسة ...
- اللُّغَةُ مَوْضُوعَاً شِعرِيَّاً- الشاعرُ مُحَمَّد عبدالسَّت ...


المزيد.....




- غزة وفنزويلا وإيران.. عندما يطبق ترمب ما كتبه حرفيا
- رحيل المخرج مهدي أوميد أحد أبرز رواد السينما العراقية والكرد ...
- دليلك لاستخدام ليريا 3 برو.. النموذج الأكثر تقدما من غوغل لت ...
- -بوتّو-.. فنان رقمي مدعوم بالذكاء الاصطناعي يجني الملايين
- في حبِّ الحُزانى
- مارس .. موت و ميلاد
- أزمة الوعي: لماذا لا يكفي الذكاء والثقافة لإنقاذ العالم؟
- من يحاسب الذكاء الاصطناعي؟!
- أفلاطون ولغز المحاكاة
- وقفة لبنانية تؤكد أن قرار رجي ترجمة للأجندة الصهيوأمريكية


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد عبدالله الخولي - الشِّعريّات: من بنية اللغة إلى تجربة الوجود الجمالي