محمد عبدالله الخولي
كاتب/ ناقد/ باحث
(Mohammed Elkhooly)
الحوار المتمدن-العدد: 8642 - 2026 / 3 / 10 - 08:53
المحور:
الادب والفن
الذات الشاعرة لها هيمنتها المطلقة على عملية الإبداع برمتها، ولا يشاركها في إنتاجية نصها ذات أخرى، فالنص الإبداعي (الشعري) موقوف على ذات بعينها، وصوت واحد، إذ لا تتداخل الأصوات في عملية الإنتاج النصي، فكل عمل إبداعي أحادي الذات لا متعدد الأصوات.
ولكن تتداخل هذه الأصوات، وتتعدد في البنية الشعرية، بوصفها الآخر الذي يُعرف به وعي الــ (أنا- الذات)، ولعلنا في هذا المقام نستدعي قول "باختين" في المبدأ الحواري " لا يُعرف وعي ذاتٍ إلا بآخرها"، فإذا أردت تعرف وعي الــ (أنا) عليك أن تعرف وعي الآخر، فلكل شيء نقيضه في الحياة، وبضدها تتميز الأشياء.
تستدعي الذات الشاعرة أصواتا مختلفة تتشابك معها وتتداخل في البنية النصية، فتتجلى في العالم الشعري جدلية الأنا والآخر، وليس مقصودا – دائما – بالآخر النقيض أو الضد، فأحيانا، تتسق رؤية الذات مع آخرها، فمصطلح (الآخر) تختلف كينونته ويتغير تعريفه، باختلاف المنظور الذي يعالج الناقد من خلاله تلك الجدلية، في كل نص وفق سياقاته التي تختلف – بالضرورة – عن سائر النصوص.
إذا اعتمدنا أن تعريف "الآخر" – وفق ما ذُكر في المعجم الفلسفي -: " هو كلُّ ما كان موجودًا خارج مركز الذات المدركة أو مستقلا عنها"، فكلّ شيء خارج حدود الذات هو آخرها، ومن هنا تتوسع ثنائية أو جدلية الأنا والآخر عند تناول النص الشعري، فالذات الفردانية مستقلة حتى عن صوت القبيلة أو المجتمع، ولكنها لا تتحقق هويتها إلا بانتمائها لصوت جمعي تنتمي إليه طبقيا كالقبيلة أو المجتمع، سواء اتفقت رؤية الذات مع الجماعة أو اختلفت، ومن هذا المنظور، تجلّت لنا ثنائية الأنا والآخر في معلقة عمرو بن كلثوم من زاوية أخرى، فإذا كان عمرو بن هند، هو الآخر المناوئ أو الندّ لعمرو بن كلثوم، فثمة ثنائية أخرى بين (أنا) الشاعر ونحن الجماعة أو القبيلة، حيث تدامجت الأنا الفردانية مع طبقتها الاجتماعية الكبرى، وتلاشت فيها، وأصبح صوت القبيلة هو المهيمن على النص، لا صوت الــ (أنا)، فيقول:
أَبَا هِنْـدٍ فَلاَ تَعْجَـلْ عَلَيْنَـا
وَأَنْظِـرْنَا نُخَبِّـرْكَ اليَقِيْنَــا
بِأَنَّا نُـوْرِدُ الـرَّايَاتِ بِيْضـاً
وَنُصْـدِرُهُنَّ حُمْراً قَدْ رُوِيْنَـا
فقد تماهت ذات المبدع الفردانية مع صوتها الجمعي، ليتلاشى الجزء في الكل، فتتحول الــ (أنا) إلى (نحن)، عندما تتسق الرؤى بين مبدع النص وطبقته المجتمعية، وقد لاحظنا هذا الأمر في مقام الفخر القَبَلي أو الوطني، حيث تتحرك الأنا (الفرد) باتجاه جماعتها، وكأنها تحتمي بطبقتها الاجتماعية، حتى وإنْ كانت الذات تفتخر أو تزدهي بنفسها، فلا مناص – أمامها – سوى أن تتحد مع قبيلتها أو مجتمعها؛ لتستقوي بذلك على من تفاخره، كما نجده عند عمرو بن كلثوم في قوله:
وَرِثْنَا المجدَ قدْ علمتْ مَعَدٍّ نطاعنُ دونَه حتى يَبِينَا
ونحن إذا عماد الحيِّ خرَّت عن الأحفاض نمنع من يلينا
لا يخفى علينا: أنَّ عمرو بن كُلثوم يزدهي بنفسه في حقيقة الأمر، وإنْ كان هذا الأمرُ مسكوتا عنه ومضمرا في البنية، حيث اختفت (أنا) عمرو بن كلثوم وتماهت/تلاشت في صوت القبيلة، حيث تمثل الأخيرة ضميرا جمعيا تنطوي تحته وتتماهى فيه أنا الشاعر، ولذا، يتجلى ضمير المتكلم (نحن)، وتتشظَّى في البنية النصية (نا) الفاعلين التي تحيل إلى القبيلة التي تمنح عمرو بن كلثوم مقامه الذي ينافح عنه في القصيدة، والأخيرة سياقها/ غرضها الفخر، ولكنه الفخر بالقبيلة لا بالذات التي لا وجود لها في صورتها الفردية، فالقبيلة هنا تمثل الهوية الكبرى التي تمنح الذات وجودها، وهذا ما أدركه عمرو بن كلثوم فغيّبَ ضمير المتكلم (أنا)، ومنح الضمير (نحن) حق الوجود والهيمنة على النص الشعري، فمن يكون عمرو بن كلثوم إذا انتُزعتْ أناه من نحن القبيلة؟ وما يتوجب علينا الإلماح إليه، أن الذي سمح بهذا التدامج بين أنا الفرد ونحن القبيلة هو التوافق في الرؤى بين الذوات، حيث تنمحي أنا الفرد في نحن الجماعة.
يختلف موقف عمرو بن كلثوم في قصيدته وموضوعها عن "الشنفرى" في لاميته الشهيرة، حيث اعتصمت أنا الشاعر بوعيها، فلم تندمج/ تتداخل مع وعي الجماعة، حيث لم تتوافق الرؤى، وهنا حضر صوت الجماعة بوصفه وعيا مغايرا لوعي الشنفرى، فانفرد الأخير ومنح أناه الهيمنة الكاملة على نصه الشعري، بل جعل أهله وقبيلته صوتا مغايرا مناوئًا له، وهنا يتغير مسار الذات أو الأنا في لامية الشنفرى عن نونية عمرو بن كلثوم، حيث تلاشى صوت الأخير في ضمير الوعي الجمعي، بينما تشظَّت أنا "الشنفرى" معتصمة بموقفها الإنساني، فيبتدر قصيدته قائلًا:
أقيموا بني أمِّي، صدورَ مطيِّكم
فإنّي، إلى قومٍ سواكمْ لأمْيَلُ
فقد حُمَّت الحاجات، والليلُ مقمرٌ
وشُدَّتْ لطياتٍ، مطايا وأرْحُلُ
ولكن، عند التأمل في البنية الصوتية لنص الشنفرى، والتنقيب في البنية العميقة، ندرك مدى المعاناة، والألم النفسي، والتشتت الذي يعانيه "الشنفرى"، وهو ينتوي الرحيل عن قبيلته التي نشأ فيها، بداية من أسلوب النداء: "بني أمي"، حيث حذفت أداة النداء، لقرب المنادَى ومكانته في قلب الشاعر، وأظن أنَّ الأداة لم تحذف لسبب آخر غير ما ذهبت إليه، وما يعضد قولنا، ذكره لمفردة "أمي"، والتي تفيض بالرحمة وفيض من مشاعر جليلة تحملها مفردة الأم دلاليا وتداوليا في سياقنا العربي، وقد وجدنا ما يعضد هذا القول من ناحية أخرى، في قوله:
ولي دونكم أهلون: سِيدٌ عملَّس
وأرقطُ زهلُولٌ، وعرفاءُ جيألُ
همُ الأهلُ. لا مستودَع السر ذائعٌ
لديهم، ولا الجاني بما جرَّ يُخذلُ
فكأنّ الشاعر فتش في الوجود فلم يجد معادلًا لقومه، فلم يستأنس بغيرهم، وفضل أن يكون له "أهلون" من جنس آخر غير بشري؛ تعويضا للفقد لا عوضا عن الأهل، وشتان الفرق بين هذا وذاك، ومن هنا، يتجلى لنا الموقف الإنساني النبيل "للشنفرى" الذي اتخذ موقفا مناوئا للقبيلة، ولكنه لم ينفصل عنهم شعوريا، فانتزاع الفرع عن أصله، كانتزاع خيط من قماشة صوف، أو اختلاع عضو من جسد.
تتجلى جدلية "الأنا والآخر" – وفق منظورنا السابق – في شعر "عنترة العبسي"، وهو من الشعراء السود، وقد حمل هذا التصنيف مضمرات ثقافية تشظت في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام. ولذا، ارتفع صوت الأنا/الذات في شعر "عنترة" مفاخرا بذاته الإنسانية وما تنطوي عليه هذه الذات من نبل، وشجاعة، وقوة يذود بها عن أهله، ويكرّ بها على عدوه، فانتصف لذاته وأناه، وافتخر بلونه وأمِّه، فيقول:
أنا ابن سوداءَ الجبينِ كأنَّها
ضبعٌ ترعرعَ في رسومِ المنزلِ
الساقُ منها مثلُ ساقِ نعامةٍ
والشعرُ منها مثلُ حَبِّ الفُلفلِ
يبتدر "عنترة" البيتين – السابقين – بضمير المتكلم (أنا)؛ ليجعل من هذا الضمير مرتكزا ينبني عليه النص في عموميته، وكأنّ كل بيت، أو معنى يأتي بعد هذا الضمير تفصيل لما أجمله "عنترة" في قوله: "أنا"، حيث أصبحت المضامين الشعورية المختزلة في الضمير موضوعا للنص، ومن هنا ارتفع صوت الذات/ الأنا في النص، واتخذت القصيدة مسارا أحاديا لا متعددا.
إنّ الذي يجب الإلماح إليه: أنّ صوت الأنا الذي فرض سلطته على النص، لم يكن صوتا نرجسيا، أو معاديًا لقبيلته، ولكنه الصوت أو الأنا التي تنافح عن حقها في الوجود والحرية، فلم نصادف في شعر "عنترة" بيتًا واحدا يحمل ضغينة ضد قومه، بل كان يفاخر بهم وبذاته في آن، فيقول:
لله درُّ بني عبسٍ لقد نسلُوا
من الأكارمِ ما قد تنسلُ العربُ
لقد ركز المقال على ثنائية "الأنا والآخر" من زاوية معينة، ندرك من خلالها علاقة الذات/الأنا بالقبيلة أو الجماعة، ويشف عن علاقة الجزء بالكل، من خلال تجاذب – تنافر أنا الفرد بنحن الجماعة، ولعلّ هذا المنظور المغاير، فتح لنا مسارب مختلفة لقراءة النصوص الشعرية محل التطبيق، فقد لاحظنا اختلاف البنية الإيقاعية عند عمرو بن كلثوم، والتي انبنت على كل ما يتصل بــ (نحن) أو (نا) الدالتين على ارتفاع صوت القبيلة على صوت الذات. بينما علا صوت الأخيرة في قصيدتي: الشنفرى، وعنترة العبسي؛ نظرا، لاختلاف وجهات النظر بين الذات وطبقتها المجتمعية.
تغير مفهوم الآخر، وتفككت الثنائية – وإن ظلت متخافية في نفس العربي ردحا طويلا من الزمن – عند دخول الإسلام، فلم يعد الآخر، ينظر إليه على قاعدتي: اللون والقبيلة، ولكن من المنظور الأخلاقي/العقدي الذي رسّخه الإسلام في نفس العربي، ومن هذا ما جادت به قريحة "كعب بن زهير" في وصف الصحابة، حيث يقول:
لا يفرحون إذا نالت رماحهُمُ
قومًا وليسوا مجازيعا إذا نِيلوا
ولعلّ هذا البيت - وما أتى على شاكلته في القصيدة – دليل واضح على عبقرية كعب بن زهير، الذي وصف المتحلقين حول الرسول من الصحابة، وميّزهم بمرتكزات دينهم وعقيدتهم، وهو لم يزل حديث عهد بالإسلام، ولم يلج بابه بعد؛ إذن المفاضلة هنا في نص "بانت سعاد" كانت على قاعدة الأخلاق، وليست تعصبا للون أو قبيلة.
ولكننا، وبعد أن حاول الإسلام تفكيك هذه المركزية، ظلت النعرة القبلية موجودة في نسق الخطاب الشعري، خاصة في العصرين: الأموي والعباسي، ففي الأول، ظهر شعر النقائض، واستشرى الهجاء في جسد الخطاب الشعري، وظلت القبيلة عمادا ومرتكزا للذات الشاعرة، كما فعل "جرير" في هجاء الراعي النميري حيث قال:
فغُضَّ الطرف إنك من نميرٍ
فلا كعبًا بلغت ولا كلابَا.
وفي العصر العباسي، شق المتنبي لنفسه طريقا مختلفا/مغايرا، فلم تعد القبيلة أساسا للفخر، أو فضاء للمديح، فقد تعالت أناه واستفحلت نرجسيته، فيقول:
لا بقومي شُرفت بل شرفوا بي
وبنفسي فخرت لا بجدودي
من مرتكز الزاوية التي حددتها – آنفا -: الذات – الجماعة، تحوّل الآخر من نحن الجماعة إلى نحن الوطن، في الشعر المعاصر، حيث أصبح الوطن براحا للذات وفضاء متعاليا، تنوجد الذات من خلاله، وتتشكل هويتها، فتغيرت أنماط التعبير الفني عن تلك الثنائية، وأصبح التعبير عن جدلية الـ (أنا) و (الوطن) تعبيرا يميل إلى الغموض والرمزية، نظرا لاتساع رؤية الذات للعالم، وميلها إلى الفلسفة والعمق والتحليل، فتحولت تلك الثنائية إلى ثنائية معقدة، كالذي نراه، في شعر محمد عفيفي مطر:
أحبك.. في دمي النيران والبردُ
وفي صدري الأساطير التي تلدُ
وهذا يغسل قلبَه في وجهك الخمريِّ،
يشرب ثم يرتعدُ
ويقبل ثم يبتعد.
يتغير مفهوم "الآخر" وفق سياقات النص، ويتحول مفهوم الذات وآخرها، كلما تغيرت زاوية الرؤية. ليس شرطا، أن يكون الآخر نقيضا/ضدا، فأحيانا، يكون الآخر اكتمالًا، أو مرآة كاشفة عن مضمرات في النفس البشرية. تنفرد الذات بنصها تارة، وتارة أخرى تسمح بتعدد الأصوات في البنية الشعرية، وفق ما يقتضيه القصد.
#محمد_عبدالله_الخولي (هاشتاغ)
Mohammed_Elkhooly#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟