|
|
غنائيات الذات وتجليات العزلة في شعر العامية المصرية ديوان -فاض البحر- ل طارق بركة نموذجًا
محمد عبدالله الخولي
كاتب/ ناقد/ باحث
(Mohammed Elkhooly)
الحوار المتمدن-العدد: 8578 - 2026 / 1 / 5 - 10:55
المحور:
الادب والفن
إنّ العملية الإبداعيّة يتجاذبها قطبان – لا ثالث لهما -: الذات- العالم، فلا يخرج فن من الفنون – لا سيما الأدبي منه – من قبضة هذين القطبين. وينظر لهذه القضية من منظورين: الأول، يرفض انطواء النص على الذات وحدها، كي لا يتحول النص الأدبي إلى نوع من التجريد. والثاني: يرفض انمحاء الذات في العالم، بحيث يصبح الواقع هو المسيطر على النص الأدبي، فلا يتبقى من الذات سوى رؤيتها أو صياغتها اللغوية للعالم، "وقد أشار يونج في تفسيره للعمليات الإبداعية إلى أنّ سبب الإبداع الفني الممتاز هو تقليص اللاشعور الجمعي في فترات الأزمات الاجتماعية، بما يقلل من اتزان الحياة النفسية لدى الشاعر ويدفعه إلى محاولة الوصول إلى اتزان جديد."، وكلام "يونج" يعني: أنّ العملية الإبداعية كلما اقتربت من الذات الإنسانية تأنقت وازدات بهاء وجمالًا، وكلما هيمن العالم/الواقع على العملية الإبداعية خفت نورها وقلَّ توهجها. بناءً على ما سبق، يتجلى لنا أنّ غنائيات الذات أو الشعر الغنائي – بوجه عام – يحمل قيمة فنية/جمالية ربما لا تنوجد في نص يحمل موضوعا لا تتمظهر فيه الذات الإنسانية، ولذا رسَّخت غنائيات الذات لوجودها بداية من التقسيم الأرسطي للشعر إلى عصرنا، بيد أنّ الأخير أحدث "نوعا من تعديل الاتجاه فيما يتعلق بمفهوم (الغنائية) تحديدًا، نتيجة للحراك الاغترابي الذي طرأ على مفهوم الذات، وكذلك الإحساس بالقلق والعزلة داخل العالم. وقد أدت تلك التغيرات بالشعر لكي يمضي في اتجاهين متضادين: التأكيد على مركزية الذات على مستوى الشعر، في مواجهة اغترابها وعزلتها الواقعية، كما في الشعر الرومانتيكي. التأكيد على نفي الذات من النص الشعري تماما، والانتقال من الغنائية باتجاه التجريد، كما في حالة الشعر الرمزي."، ولكل اتجاه من الاتجاهين فكره ومرتكزاته الفنية التي لا يسع المقام لشرحها والتوغل فيها. إنّ الذي يعنينا في هذا المقام هو تسليط الضوء على غنائيات الذات وتجليات العزلة في ديوان "فاض البحر" للشاعر طارق بركة، "فالشعر الغنائي – بشكل عام – هو ذلك النوع من الشعر الذي يتغنّى فيه الشاعر بآماله وأفراحه وأتراحه، وبمعنى آخر هو الشعر الذي يعبر عن دخيلة الشاعر، حيث تطغى فيه المشاعر والانفعالات، فتطفو فوق سطح الكلمات، بهدف نقل تجربة الشاعر الداخلية إلى المتلقي."، وهذا هو المرتكز الفني الذي ينبني عليه ديوان "فاض البحر" بداية من العنوان يتبدّى لنا، أنّ "البحر" هو الذات، أما الفعل "فاض" فيدل على امتلاء الذات بالتجربة الإنسانية واحتشادها بشعوريات وجدانية لا يعيها سوى الشاعر نفسه. عند استقراء العنوان على محوري: (التركيب – الاستبدال)؛ يتجلى لنا: أنّ البحر مختار – من قبل الشاعر- ضمن سلسلة من التنويعات التي تتماس مع البحر أحيانًا وتبتعد عنه أحيانا؛ فالنهر بعذوبة مائه لا يتناسب مع قسوة التجربة التي يصدرها لنا الشاعر، ولا البحيرة التي لا تتناسب مع عمق التجربة واتساعها، فكان "البحر" هو الأليق في هذا السياق. أما الفعل "فاض" الذي جعل العنوان يقع في حيز الجملة الفعلية بصيغتها الماضوية، وهذا لا يعني انتهاء التجربة الشعورية/الإنسانية التي يخوض غمارها الشاعر، فالفعل "فاض" واقع في ماضويته ولكنه ممتد إلى الزمن الحاضر الذي انبنى فيه هذا النص الشعري، فالتجربة هنا يستغرقها زمنان: الماضي، والحاضر (الآني)، وهذا يعني أن التجربة مرت بمستويين: الأول، مترسخ في الذاكرة الشعورية للذات، وهذا يمثله الجزء الأول من الديوان، والذي عنونه الشاعر بــ "وعشت أغني للهوى". أما المستوى الثاني، فهو بمثابة محاولة لإعادة استقراء الزمن واستنطاق الذات بعد مرورها بهذه الخيبات، وهذا يمثله الجزء الثاني من الديوان والمعنون بــ "وعشت أغنيني"، إذن فالتشابه بين دوافع تجربة شعورية تمت في الزمن الماضي، وربما تكون قد سقطت من الذاكرة واستقرت في عمق اللاوعي، وبين دوافع تجربة شعورية راهنة، هو المعول الأساسي في استدعاء التجربة الأسبق التي تم تمثلها. كما يشترط في الدوافع المشتركة بين التجربتين أن تكون نشطة، أي ذات قدرة على تحفيز العملية الإبداعية."، وهذا يدل أنّ التجربة -أو ما مرّ به الشاعر في الزمن الماضوي- لم يزل ممتدًا في الزمن الراهن. ومن هنا نستطيع القول أن ديوان "فاض البحر" يمثل سيرة ذاتية للشاعر، ولكنها – أعني السيرة الذاتية – كتبت تحت تأثير النزعة النفسية لا العقلية، "فالشاعر مصاب بنوع من الشيزوفرينيا، إذ أنه يمتلك ذاتين- لا ذاتًا واحدة – تفرض كلٌّ منهما نوعًا مختلفًا من الرؤية عليه... وقد عبّر رامبو حين أطلق صيحته الشهيرة (الأنا شخص آخر). فالذات التي تبدع غير الذات التي تحيا، ولكل منهما مجال في التفكير والشعور."، فالسيرة الذاتية التي يخطها الشاعر في نصه مرتهنة بخيالات النفس لا بقانون العقل/المنطق، فالسيرة التي تتمظهر في ديوان "فاض البحر" لطارق بركة هي استغوار لحقيقة التجربة، واستقراء لها على مرايا التخييل النفسي، وهذا ما نلحظه في قوله: "يا أيها الصمت كفاك ما كان مني قد كفى عديت على الورد...انكفى ومشيت مع النجم البعيد لما اختفى..." تشير الأسطر الشعرية السابقة إلى تعثر الشاعر في زمنه الأول، الذي وسمه بــ "وعشت أغني للهوى". ولكن الشاعر ضمَّخ هذا التعثر بماء التخييل، فلم يسرد لنا هذه الانكسارات الشعورية بواقعها الحياتي المعيش، ولم يستنطقها باستدعاء موقف محدد/معين من الواقع، ولكنه استنطق هذه الخيبات على مرايا الجمال الشعري. فالسيرة الذاتية في العالم الشعري مزيج مما هو معاش وما هو متخيل عن طريق العقل الشعوري، حيث، "يجب أن ندرك أننا نمتلك عقلين: عقل يفكر، وعقل يشعر. هاتان الطريقتان المختلفتان جوهريا تتفاعلان لبناء حياتنا العقلية: طريقة العقل المنطقي... وفي المقابل فإنّ هناك نظامًا آخر للمعرفة، قويا، ومندفعا، وأحيانًا غير منطقي، هو العقل العاطفي... وقد أكدت الدراسات السيكولوجية الحديثة: أن ثمة علاقة بين العقلين؛ فالمشاعر ضرورية للتفكير، والتفكير مهم للمشاعر."؛ فالشعرية تعني – في عموميتها "التحويل الإبداعي ونعني به الانتقال من التجربة الحياتية إلى التجربة الشعورية، أي الانتقال بالتجربة من الوعي إلى اللاوعي." وهنا تكمن الشعرية التي نتغياها في الشعر الغنائي الذي ينطوي على الذات وحدها، وهذا متلاحظ في قول طارق بركة: فيه حد يخبي البحر أنا خبيته فيه حد يداري الليل في عنيه أيوا داريته فيه حد يكلم شمس بروح الهمس مات الأمس وبكره الحلو في عنيكي.. لقيته إنتي... زي ما قلت آخر حب وأجمل شارع أشواق وحدي مشيته." يُتلاحظ – لدينا – في هذه الأسطر الشعرية خفوت صوت العالم/ الواقع من النص – تماما- فلا يتبدّى لنا سوى عوالم التخييل حيث استطاع الشاعر أن يغيّب العالم بانكساراته وخيباته في العالم الشعري المتخيل، ليس هذا فحسب، ولكنه استطاع أن يقهر العالم وتتسع ذاته لتصبح أكبر من هذا العالم وممارساته العنيفة؛ فقد أخفى البحر- بوصفه معادلا رمزيا للعالم – والليل الذي يحيل على الظلم والقهر- في جوانيات الذات، وهذا يدل على مدى عنفوان الذات الشاعرة وهي تواجه هذا العالم؛ فالشعر الغنائي يتطلب مزيدا من ممارسات التخييل؛ ليتمكن من التعبير الشعوري/النفسي عن الذات، وأعتقد أن عوالم التخييل في الشعر الغنائي شرط لتحقق الغنائية ذاتها، فـ "في رسالة يرد بها على أحد أصدقائه الذي يشكو من غياب القدرة الإبداعية، كتب شيللر: (على ما يبدو لي أنّ شكواك وعدم رضائك يعودان للإكراه الذي يفرضه عقلك على خيالك.. وأريد أن أوضّح ذلك عبر التعبير المجازي... ففي حالة الروح المبدعة، يبدو لي أنّ العقل يسحب حرَّاسه من (المدخل)، وأنّ الأفكار تنصب على الروح مختلطة، ومن بعد ذلك تحلق فيها وتراقبها."، ولهذا لا بد أن ينسحب التفكير العقلي/المنطقي بحراسه لتتمكن الذات الشاعرة من ممارسة حقوقها في التعبير بطرائق تتواءم مع حالتها الشعورية، وهذا ما نلحظه في قول طارق بركة: لما الهوى يمطر ليل إتوجع لكن وجع إتفرش بيه المدى غنوة... الحب طير والجناح قولي والورد حاسس ضلي وأصولي معقولي دايب بين خيال فعشقت معقولي." يدرك الشاعر – هنا – فاعلية عوالم التخييل في النص الشعري الذي ينطوي على الذات وحدها. ولكن القارئ الواعي – الذي يتخطى نمط القراءة العادي إلى قراءة شبكية تعامل النص بوصفه كتلة جمالية واحدة – تلحظ أنّ الشاعر أنهى المقطوعة الشعرية السابقة بقوله: "فعشقت معقولي" حيث تنفتح المفردة الأخيرة (معقولي) على دلالتين: الأولى أن الذات لم تزل متعلقة بالعالم، خاصة في زمنها الأول: "وعشت أغني للهوى". والثانية: أنّ إضافة (المعقول) إلى ياء المتكلم تحيل إلى العالم المتخيل الذي يعيه الشاعر ويعرفه، وهذا يعني أنّ العالم الواقعي بالنسبة للشاعر محض خيال، أما الحقيقة المعقولة هي العالم الذي يتخيله الشاعر، وهنا – من وجهة نظر الذات الشاعرة – تصبح الحقيقة خيالا، والخيال حقيقة معقولة. انعزال الذات عن العالم وهيمنة المتخيل: تتحقق الغنائية الشعرية عندما تنعزل الذات عن العالم فتتوحّد مع عالمها الخاص، فــ "الغنائية – بدورها – تحتاج إلى مجال خاص بها، ويمثل شرطها اللازم لتحققها. وفي هذا الصدد يشير هيجل إلى أنّ ظهور الشعر الغنائي بدأ عندما انعزلت (الأنا) الفردية عن التوحد الجوهري للجماعة... فتستحيل النفس جزئيا إلى عالم قائم بذاته، وعندما يترسخ وجود هذا العالم في النفس يتكون الشعر الغنائي الخاص، وذلك عندما تصبح الشخصية موضوعا لنفسها."، فعندما تصبح الذات/الشخصية موضوعا هنا يتحقق شرط "الغنائية" التي ينشدها النقد أنا شاعر... بيخاف من شعره بيخاف على شعره بيخاف يتحمل غيره أحزانه... وتملي بيقفل باب الحيرة ويصدق إن الحلم مكانه ! يغزل على توب الأفراح دايره... بتأكد عنوانه ! أنا أول سكان الشمس وآخر عاشق لعنيها أناديها." ينسلخ الشاعر بالكلية من العالم/الواقع بعد أن أغلق "باب الحيرة" الذي يمثل العالم بتغيراته وعنفه، جاعلا من الحلم مكانه، ومن الفرح عنوانه، ومن الشمس سكناه، بل هو أول من سكن الشمس. تحيل الجمل الشعرية: [ويصدق إن الحلم مكانه/يغزل على توب الأفراح دايره بتأكد عنوانه/أنا أول سكان الشمس/وآخر عاشق لعنيها]، إلى انعزالية الذات عن العالم بالكلية، وهذا هو المجال الحيوي الذي تنتعش فيه الغنائية الشعرية، بل هو شرط وجودها وتحققها؛ فكلما اقترب النص من الذات ارتفعت غنائيته. تجليات الشعر الغنائي في ديوان: فاض البحر" يرتكز الشعر الغنائي على عناصر بعينها لا يتخطاها إلى غيرها، وإن شئت فقل هي مرتكزات نصية للشعر الغنائي تميزه عن غيره من الصنوف الشعرية، ولذا، "يمكن حصر مجموعة من العناصر التي تحدد الطبيعة الغنائية للقصيدة، والتي يمكن أن نوجزها في مجموعة من العناصر الشكلية أو المضمونية، كالتالي: هيمنة الأنا، الحدس الميتافيزيقي (النبوئي- الصوفي)، الغنائية الصوتية (الإيقاع)." بهذه المرتكزات البنيوية يتجلى الشعر الغنائي في أبهى صورة ممكنة. وقد تحققت هذه العناصر بتجلياتها المختلفة في ديوان "فاض البحر" لطارق بركة، وسنعرض لها على هذا النحو: أولًا: هيمنة الأنا على النص الشعري: قلنا في بداية الدراسة أنّ هذا الديوان ينتمي إلى الشعر الغنائي بشروطه وحيثياته، وسردنا فيما بعد مجاله الحيوي الذي ينوجد فيه. ولكل صنف من صنوف الشعر عناصره/تجلياته التي يتحقق بها من نوعه الذي يفترضه الناقد، وقد تلاحظ – لدينا – أن ثمة عناصر يتوجب وجودها في الشعر الغنائي متحققة بالفعل في هذا الديوان. أول هذه التجليات: هيمنة "الأنا" على النص الشعري. قبل التوغل في استعراض الأنا وتجلياتها في "فاض البحر" يتوجب علينا أن ننوه على الفرق بين الذات التي تعايش الواقع وتتماهى فيه، وبين "الأنا" التي تتسامى على هذا الواقع بل تنفصل عنه بالكلية مندمجة بعالمها المتخيل. تهيمن "الأنا" على الديوان – بوجه عام – بل تتشظى في مفاصل الديوان وفي بنيتيه: السطحية والعميقة؛ وتمكن هذه "الأنا" من جسد الديوان دليل كاف على انتمائه بالكلية إلى الشعر الغنائي. وبعد اختبار هذه الديوان قراءةً لاحظنا هيمنة الأنا على العالم النصي، ففي في نص براح يقول: مفيش شاعر بيضحك للسما زيي مفيش شجرة ما شورتش على قلبي برغم الرغم اللي أنا عيشه براح الحلم جوايا..يدوب خطى ذنبي أنا في حضن البحر متعود على السرحه ف حضن الشمس متزوق بميت فرحه يا خدني الطير أطير أطول النخل أجيب الشعر من عينها حبيبتي مطيرة الطرحة ضفايرها." يهيمن صوت "الأنا" على النص السابق بأكمله، حيث لا وجود في العالم النصي سوى لهذه الأنا التي لا ترى غيرها في العالم. رسّخت الذات لوجودها حيث لا وجود في عالمها إلا لأناها الفردانية، وهذا لا يعني استعلاء الذات على غيرها أو نفيها له، فالذات الشاعرة لا تهيمن على العالم/الواقع ولكنها تهيمن على عالمها الخاص رافضة وجود غيرها في هذا العالم. ثانيًا: الحدس الميتافيزيقي (النبوئي-الصوفي): كلّ ما أبتغيه من أية دراسة أعالج بها نصًا أدبيًّا؛ أنْ يتعلَّم القارئ كيف يستغور النص ويسائله ويستنطقه، فالنص الأدبي شبكة من العلاقات المضمرة، شفيرات علاماتية يبثها الشاعر في النص؛ بغية أن يصادفها قارئ نخبوي يفض بها خاتم النص، لا ليستبيح جسد النص بإكراهات التأويل، بل لينسرب القارئ إلى النص محاولا تفكيك بنيته، ثم يعيد بناءه مرة أخرى ممارسا حقه في العملية الإبداعية، ومن هنا تتحول القراءة إلى متعة حقيقية. في ديوان "فاض البحر" لطارق بركة – بعد تيقننا من تيمته الغنائية- لم نزل نبحث عن تجليات الشعر الغنائي فيه. فبعد تحققنا من تمكن "الأنا" من الجسد النصي، نبحث – الآن – عن تجلٍّ ثانٍ من تجليات الغنائية في الديوان، وهذا التجلي هو "الحدس الميتافيزيقي" الذي يتوزع على نمطين: نبوئي- صوفي، فالأول يدل على استعلاء الذات الشاعرة وخروجها من حيز المفعولية إلى حيز الفاعلية "حيث، تحول الشاعر – بامتداد التاريخ- من كائن اعتيادي إلى كائن استثنائي، يتميز عن الآخرين بصلته الوثيقة بذلك المصدر العلوي الذي يستقي منه معانيه وأخيلته وإيقاعاته... وبهذا يمتلك الشاعر الرؤية/القوة الميتافيزيقية الثاقبة، لتفكيك الواقع وإعادة ترتيبه، ومن هنا يتحول الشاعر من كونه منفعلا بالعالم الخارجي، كي يصبح فاعلا فيه، بفضل حدسه النبوئي"، ففي قصيدة" "إديتها روح" يقول: كلمة وسط الكلام إديتها روح حملتها دمعي اللي بات مجروح رسمت فيها سكاتي كأنه دايرة بوح أنا الهوا الطاير بجناحات الشوق لهفه وحنين بيسافر مـ الأرض لمّا لفوق ألمح بعين الهوى كل السحاب إنتي ومدينتي في عنيكي فيها اللقا مسموح كلمة وسط الكلام إديتها روح شوِّفتها قلبي كأنه باب مفتوح." تخرج الذات نفسها من حيز المفعولية إلى حيث الفاعلية، فالكلمة التي تمثل العالم الثاني (الحقيقي) للشاعر، هو من وهبها الحياة، وهذا متلاحظ لدى القارئ من خلال البنية اللغوية التي اصطفاها الشاعر لتتمظهر هيمنته على العالم والنص معًا؛ فهو الفاعل – وحده – الذي يمارس سلطته على عالمه المتغيا. وقد صدّر لنا الشاعر في سطره الشعري الأول هذا التجلي (النبوئي) الذي تنماز به القصيدة الغنائية، حيث يقول: [كلمة وسط الكلام إديتها روح]، وهذا يعني أنّه يمارس فعل الخلق، فالكلمة دونه لا روح فيها وتنعدم حركيتها في العالم الشعري، فالشاعر يرى نفسه يمتلك قوى روحية تمكنه من إيجاد الأشياء من خلال اللغة، ليس هذا فحسب، ولكنه منح نفسه حق تشكيل عالمه من خلال اللغة في قوله: [رسمت فيها سكاتي، كأنه دايرة بوح]، ثم يمنح "الكلمة" حاسة البصر ولكن من خلاله هو، فالكلمة عمياء لا ترى إلا من خلال قلب الشاعر: [شوِّفتها قلبي كأنه باب مفتوح]، فاللغة التي انبنت عليها هذه القصيدة تشير إلى سلطة الشاعر المطلقة في خلق عالمه. ينماز ديوان "فاض البحر" لطارق بركة بمسحة صوفية لها تمظهرات مختلفة في البنية النصية، وبهذه المسحة أو القبس الصوفي ينحاز الديوان بصورة متحققة إلى "الغنائية" التي وسمنا بها الديوان. ولم يكن استدعاء النسق الصوفي إلا وسيلة لتبيان حال الذات التي انتوت العزلة. فاالذات التي تحاول الخروج من العالم حالها كحال الصوفي تماما، حيث يرى الصوفي كلَّ الوجود عَدَمًا محضًا، فلا تتجلى له سوى ذاته، فيتخافى العالم وتبهت صورته، "فالصوفية حين تدخل النص الشعري فإنها تؤدي بالشاعر إلى الانشغال بذاته عن العالم، أي أنه لا يصبح في الجبة غير الذات، ومن هنا فإن العالم يتلاشى ليصبح مجرد خلفية باهتة لحركة الذات، وهو موجود لمجرد أن يشير إليها لا أن يحتويها، فالذات المتصوفة أكبر من أن تحدها حدود أو أن يستوعبها مكان."، وهنا يتحول العالم من كونه حاملًا للذات إلى محمول عليها، فالروح المطلقة (الصوفية) ترى ذاتها أوسع وأكثر رحابة من هذا العالم، ولكن هذه الذات عندما تتخلص من عالم الجسد إلى عالم الروح، ويتقمصها الدرويش وترتدي عباءة الصوفية ويتلبّسها الحال فلا ترى غير معشوقها الأبدي، ففي نص: "عباية شوقي" يقول: أول ما ياخدني الدرويش ويلبسني عباية شوقي! بكره أرضي.. وبعشق فوقي.. والطير السابح.. بياخدني لمعشوقي الله.. لما الورد يحب نداه لما الصمت يكون مناجاة." ليس النص السابق – وحده – هو الذي هيمن عليه النسق الصوفي، فالأخير مبثوث في العالم النصي للديوان بين ظاهر من حيث اللغة، ومتخاف في المضامين التي تحولت – وفق السياق النصي- إلى شحونات روحانية صوفية، حتى تحولت أنثى الشاعر إلى أيقونة مقدسة، وقد أفرد الشاعر لها قصائد بعينها. تلك الأنثى التي احتلت مساحةً كبيرة من الجسد النصي للديوان، ولكنّ الشاعر حولها إلى رمزية صوفية منفتحة على التأويل، فربما تكون الأنثى (الجسد) ويكون الأخير سبب تعلق الذات بالذات، وربما تكون (الأنثى) هي الحياة أو العالم الذي يطمح إليه الشاعر، ويحتمل أن تكون (الأنثى) هي القصيدة التي تحولت إلى جسد معمّدٍ بماء الشعر، فتكون الأنثى رموزية للطهارة يعتصم بها الشاعر من دنس الواقع/العالم، وهذا في قوله: أنا وهي وهي النية جوايا ودقة قلب مـ الدايبين ومين خلّى الحنين بحره ومين بحره صبح بحرين؟! مفيش غيري من العايشين أنا شوق اخترع عمره وأنا بأمره مصدق صحبتك فيه يا مروية بماية الجنة تعالي فرّعي بيا شجرة تحبها العاصافير." هنا تتحول الأنثى إلى أيقونة مقدسة يخفيها الشاعر عن العالم فلم يصرّح بها، فتتحول الأنثى إلى جوهر ومحل للطهارة والحياة، ولذا، قلنا أنها تنفتح على أبواب متعددة من التأويل. ولكن الشاعر يعيش قلقا وجوديا فهو منشطر في الزمن الأول: "وعشت أغني للهوي" بين عالم الأرض حيث الجسد- العالم، وبين عالم السماء حيث الفضاء الذي تنوجد فيه الذات الصوفية، وهذا القلق – أحيانا – يجعل الشاعر متلبسا بالواقع فتتحول الأنثى إلى جسد حقيقي يتماهى فيه الشاعر هروبا من قسوة العالم، فيقول: غريق والبحر في عنيكي بريء مني عايش فيكي كأني في الهوا عصفور بيندهلك تحبيني وتنسيني أدوب في شفايفك السكر لا انا ناسي ولا مفكر." تنسرب إلى الديوان النزعة الصوفية بأحوالها ومقاماتها، فيستدعي الشاعر مقامي: الجمع- الفرق، وهما مقامان يتدرج فيها أهل التصوف، فأحيانا تتوحد الذات مع الأشياء/الموجودات بوصفها مرايا يتجلى عليها معشوقهم الأزلي، وفي مقام (الفرق) تنسلخ الذات عن العالم/الموجودات كما تنسلخ الحية عن جلدها، فيقول في قصيدة "جمعي وفروقي": أنا والشعر والأيام في لحظة ضعف بنسلم أماني كتيرة... عليك طلّة.. يا مالكني ! أنا مـ الحزن هالكني.. بسمي الطير جناح مكسور واسمي النور بليل مقهور.. واسميني بلا ...إسمي! لأني خلاص مانيش مندوه عرفت إزاي لوحدي أتوه ومعرفتش لفين أرسى؟ لكن.. لسه ! ولسه بسألك وعارف إني مش هنسى.. أقول يارب.. عانيت الصعب.. وأسهل منه ما شفتوش أنا مكروش.. من الفرحة.. تحاصرني جيوش ووشوش.. خالية من المعنى.. أغمض عيني.. يجمعنا الزمن تاني! أفتح عيني ما ألقاني! في بداية الأسطر الشعرية – السابقة – تتحد ذات الشاعر مع الشعر والأيام، وهذا يعني انشطار الذات بين العالمين: الشعري-الواقعي، ولكنه سرعان ما يتخلص من مقام (الجمع)، ليتوحد مع ذاته متماهيا فيها، فينسلخ عن كلِّ شيء في الوجود حتى اسمه، فتتحول الذات إلى جوهر/معنى متحررة من كل القيود حتى اسمها تنفك عنه: [واسمي النور بليل مقهور، واسميني بلا اسمي]، ليس هذا فحسب، ولكنه أصبح يتلذذ بالعذاب في رحاب محبوبه المقدس: [عانيت الصعب وأسهل منه مشفتوش]، وهذه المرحلة من الروحانية لا يصل إليها إلا أهل التصوف، وهذا يعني أننا بصدد ذات ترى الحياة/العالم من منظور صوفي. ثالثًا: البنية الصوتية ودلالة الإيقاع: تنماز البنية الصوتية للشعر الغنائي بتيمات إيقاعية معينة، فالذات التي تكابد العالم، وتنطوي على نفسها، فتنعزل عن الوجود، ولا ترى في هذا العالم سواها، فيصبح العالم فضاءً خاليا، وهذا يزيد من درجة القلق الوجودي الذي تعانيه الذات، فيرتفع إيقاعها ويتسارع. وعلى هذه التيمة الإيقاعية انبنى ديوان "فاض البحر" لطارق بركة، خاصة، في الجزء الأول من الديوان: "وعشت أغني للهوى"، فالأمل/العالم الذي ينشده الشاعر متوهما تحققه جعل الذات في حالة تربص لتحقق حلمها الوجودي، فترى الإيقاع متسارعا عاليا مرتفعة نبرته، ومن هذا قوله: في قصيدة "حروف": من أول نظرة وأنا زي حروف الجر مش قادر أمر إلا عليكي.... مش عارف أروح غير فيكي ولا يحضر قلبي غير ليكي أنا زي ما اكون مجنون وبعيش بلا كون وإن كنت بأكون تكوين...رسماه بعنيكي."
المونولوج الداخلي وتيارات الشعور: بعد ارتفاع البنية الصوتية وصخب إيقاعها في الجزء الأول من زمن التجربة: "وعشت أغني للهوى"، بدأت البنية الإيقاعية في الانحدار من المرتفع إلى الهادئ في زمن التجربة الثاني: "وعشت أغنيني". ولعل السبب في ذلك أنّ الذات في زمنها الأول كانت رهن المحاولة ولم تزل متعلقة بالعالم، فهي مشتتة بين الخلاص منه والتورط فيه، فهذا القلق هو الذي جعل البنية الصوتية تحمل إيقاعا مرتفعا متسارعا، وكأنّ الزمن الأول حوار متصاعد بين الذات والعالم. ولكن الزمن الثاني للتجربة: "وعشت أغنيني."، هو مونولوج أو تيار شعوري نفسي، أو بالأحرى هو السؤال الداخلي الذي تناقشه الذات بعد ضياع زمنها الماضوي الأول: "من أنا"، وهذا السؤال لا يخرج عنه كونه "مونولوج" داخلي، معاناة شعورية تكابدها الذات في الداخل، وليس مقصودنا من المونولوج هنا استقراء الداخل النفسي عن طريق الراوي كما يحدث في الفنون السردية، فالراوي عن طريق المونولوج – ينقل لنا أفكار الذات بعد أن تحولت إلى لغة ساكنة في النفس، ولكن الذي نعنيه بالمونولوج في العالم الشعري هو نقل الشعوريات النفسية قبل أن تترجمها اللغة فكرا في الداخل النفسي، فــ "هناك خلط دائم بين مصطلحي المونولوج الداخلي وتيار الشعور، الأول صاغه الكسندر دوماس الأب، والثاني صاغه وليم جيمس، واعتبرا – في البداية – مترادفين، ثم ظهرت تمييزات فيما بينهما. فالمونولوج الداخلي تصوير لأفكار اتخذت من قبل شكلا لفظيا في ذهن الشخصية، هو المحاكاة المباشرة لكلام المرء لنفسه. أما تيار الشعور فهو اقتباس مباشر للوعي كله، لا للمساحة اللغوية وحدها، ولا للأفكار المصاغة لغويا (المونولوج الداخلي)، بل كل الانطباعات الحسية التي لم يضعها ذهن الشخصية في كلمات، كما أنها ليست نتاج تحليل الراوي."، ولذا يتوجب علينا أن نفرق بين المونولوج في العالم الشعري والعالم السردي، فالمونولوج الداخلي هو ذلك التكنيك المستخدم بغية تقديم المحتوى النفسي للشخصية والعمليات النفسية لديها. فلم يكن زمن التجربة الثاني: "وعشت أغنيني" سوى "مونولوج" داخلي يحمل للمتلقي عذابات الذات بعد إخفاقها في زمنها الأول، وكأن الذات تعيد ترتيب العالم في الداخل مرة أخرى عن طريق السؤال، وهذا متلاحظ في قوله: غنيت على الناي الدموع دمعت ع الناي الغنا ما جاني من حضن الحياة غير السؤال مين أنا...؟ أنا البعيد اللي هنا أنا الحديد اللي انتنا.؟
المصادر والمراجع: -أمل طاهر نصير، فضاء النص بين إيقاع الشعر وإيقاع العصر، وزارة الثقافة، ط1، الأردن، 2014. -عبدالعزيز موافي، الرؤية والعبارة: مدخل إلى فهم الشعر، المجلس الأعلى للثقافة، ط1، القاهرة، 2008.
#محمد_عبدالله_الخولي (هاشتاغ)
Mohammed_Elkhooly#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
تجليات الشعرية في العامية المصرية جدلية الخفاء والتجلي في دي
...
-
الواقع الرقمي وتمثيلاته السردية في فضاء القرية: مقاربة نقدية
...
-
تجليات السريالية في الشعر العربي المعاصر: سلطوية اللاوعي وته
...
-
تفكيك البنية السردية في رواية -السيدة الكبرى-: ديالكتيك الظا
...
-
التمثيل التاريخي في فضاء الرواية العربية الحديثة
-
الإبداع السِّيَري الخروج على منطق السِّيرة -التحديق في الشرر
...
-
تجليات الشعر وفضاءات التجريب: تحولات الشعرية العربية
-
الحضور الشعري واشتغاله البلاغي في فن المقامة
-
قصيدة النثر من الحقيقة إلى التحقق -تحولات النص وفضاءات التجر
...
-
تيارات الوعي وتفكيك المركزيات حلم الأنا وسلطة الواقع – دراسة
...
-
اللُّغَةُ مَوْضُوعَاً شِعرِيَّاً- الشاعرُ مُحَمَّد عبدالسَّت
...
-
تجلياتُ السردِ في البناءِ الشعريّ- قصيدة -كُلْ بِعَقْلِي قطع
...
-
سردية الذات وقلق الهوية في قصيدة العامية المصرية ديوان- مخطو
...
-
شعر الفصحى: ديالكتيك الشكل وماهية الجنس الأدبي -دراسة تطبيقي
...
-
قراءة نقديّة في كتاب -النقش على سطوح سائلة: مقالات في الثقاف
...
-
تيارات الوعي وتفكيك المركزيات حلم الأنا وسلطة الواقع – دراسة
...
-
رؤية نقدية شارحة لكتاب -بلاغة الحواس في الشعر العربي العربي
...
-
إيقاع الزمن النفسي ودلالاته الشعورية في رواية -لازورد- ل عبي
...
-
القصة القصيرة بناء الشخصية وترميز الواقع وتقنيات ما بعد الكل
...
-
القصة القصيرة المتخيل الذاتي والتخييل المرجعي ورصد تحولات ال
...
المزيد.....
-
المجلات الثقافية العراقية في المعهد الثقافي الفرنسي
-
على خطى الساموراي.. استكشف بلدات -ناكاسندو- التي لم يغيرها ا
...
-
الفنانة السودانية بلقيس عوض.. سيدة المسرح التي رحلت بهدوء وت
...
-
المخرجة التونسية وفاء طبوبي: الهاربات ليس عرضا نسويا
-
كوميدي أمريكي من أصول إيرانية يشارك نصيحته لصناع المحتوى.. م
...
-
تعزيزاً لثقافة المشاركة.. محمد نبيل بنعبد الله يستقبل شباب ن
...
-
-خذلنا الشعب وفشلنا-.. الممثلة البريطانية الإيرانية نازانين
...
-
7نصوص هايكو:الشاعر محمد عقدة ,دمنهور.مصر.
-
أغاثا كريستي -ملكة الجريمة- الأعلى مبيعاً في التاريخ
-
عشرات الفنانين العالميين يطالبون بإنهاء الهجمات الإسرائيلية
...
المزيد.....
-
دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس
/ السيد حافظ
-
مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ
/ السيد حافظ
-
زعموا أن
/ كمال التاغوتي
-
خرائط العراقيين الغريبة
/ ملهم الملائكة
-
مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال
...
/ السيد حافظ
-
ركن هادئ للبنفسج
/ د. خالد زغريت
-
حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني
/ السيد حافظ
-
رواية "سفر الأمهات الثلاث"
/ رانية مرجية
المزيد.....
|