محمد عبدالله الخولي
كاتب/ ناقد/ باحث
(Mohammed Elkhooly)
الحوار المتمدن-العدد: 8641 - 2026 / 3 / 9 - 16:41
المحور:
الادب والفن
إنّ تحقق الشعرية يرتكز – وفق العناصر البانية – على لغة لها طابعها الخاص، وإيقاع من شأنه أن يمنح النص شعريته، بيد أنّ الحكاية – لمن يطالع الخطاب الشعري العربي- كانت عنصرا – لا نقول بانيا – ولكنّه أضحى ملازما لمعمارية النص الشعري قديمه وحديثه.
بناء على ما سبق، تصبح الحكاية وتقنيات سردها من جملة المكونات الجمالية للنص الشعري، فالحكاية ليست عنصرا مؤسسا (بانيا) للخطاب الشعري، ولكنها من تجليات الجمال التي يتوسّل بها النص. إن المتتبع لحركية السرد ومساره المتطور في شعرنا العربي، يكتشف أنّ كل عصر من العصور يجتذب الحكاية والسرد وفقا لغايات يتطلبها كل عصر، فمن المشهدية والتوثيق في العصر إلى الجاهلي إلى رؤية فلسفية وتقنية فنية في العصر الحديث، وهذا يرجع إلى تطور وعينا بفلسفة الجمال.
ولذا، ارتكز هذا المقال على تتبع الحكاية ومسار تطورها في بنية الخطاب العربي؛ بغية الوقوف على الغاية المنشودة من استدخال الحكاية وتقنيات السرد على النص الشعري، والبحث عن القيمة الجمالية التي ينشدها النص الشعري من تداخله الأجناسي مع السرد.
السرد التوثيقي والمشهدي:
كان المشهد الحكائي حاضرًا بقوة في شعرنا القديم، ولا سيما الجاهلي منه؛ وكانت الغاية من حضور الحكاية في النص الشعري القديم التوثيق لهذا العربي، الذي لا يعرف طريقة يحفظ بها تاريخه ومآثره سوى النص الشعري الذي يمثل وعاءً يحفظ تاريخ هذا الرحال.
تنوعت المشهديات السردية في الشعر القديم، وتوزعت على سرديات الرحلة والصيد، سرديات الأطلال، والسرديات الخبرية التي يقوم فيها الشاعر بدور الراوي الذي ينقل لنا وقائع القبيلة وأيامها، وحلها وترحالها، بأسلوب يمزج بين الفخر والحكي وبينهما يضمر هذا الشاعر/الراوي فكرة التأريخ لأيام القبيلة، حيث يؤدي السرد هنا وظيفة توثيقية فتتحول الأبيات الشعرية إلى سجل حكائي، ويصبح النص ذاكرة لأيام العرب.
قد رصدنا هذا التوثيق المشهدي في الشعر القديم، فلا تكاد قصيدة تخلو من هذا التوثيق، الذي لا ينفك عن نمط المشهدية الحكائية، التي يتحول بها النص إلى مشاهد سينمائية غنية بالحركة والصوت، حيث تكتمل الصورة الفنية بأركانها، وهي متوزعة بين لغة الشعر وفعل الحكي في آن، وبهذا استهل لبيد بن ربيعة العامري معلقته، فيقول:
عفت الديارُ محلُّها فمُقامُها
بمنىً تأبَّد غَوْلُها فرِجامُها
فمدافعُ الرَّيانِ عرِّيَ رسمُها
خلقًا كما ضَمِنَ الوُحِيَّ سِلامُها
دِمنٌ تَجَرَّمَ بعدَ عهدِ أنِيسِهَا
حِجَجٌ خَلَوْنَ حلالُهَا وحَرَامُهَا
ترتكز هذه الأبيات في عموميتها على سردية "الطلل"، حيث أصبح الأخير حاضرًا يتوسّل الشاعر به؛ بغية استنطاق الزمن الماضي، ويتجلى المكان بوصفه عنصرا حكائيا ينسل الشاعر منه الحكاية. فالوقوف على الأطلال ليس نهجا تقليديا في النص القديم، أو سنة متبعة كما يزعم بعضنا؛ لأن هذا المعتقد يجعل من هذا النهج تقليدًا لا إبداعًا، وهذا يتنافى مع تيمة الخلق الإبداعي للشعر؛ فالوقوف على "الطلل" تيمة موضوعية أو قماشة يحيك منها الشاعر ثوب قصيدته. وإن تشظّى هذا النهج في الشعر العربي – قديما – فهذا ليس تقليدًا كما ترسَّخ في أذهاننا، ولكنه التوثيق المشهدي الذي دعت إليه الحاجة، والدليل على ذلك والمتلاحظ لدينا، أنّ كلَّ "طلل" في نص شعري ينماز عن سائر الأطلال في قصائد أخرى، ولذا لا تستطيع أن تجمع بين طلل وآخر من خلال سمات أسلوبية وموضوعية تجمع بينهما.
إنّ سرديات الوقوف على الأطلال تتطلب من النقد أن يعيد النظر إليها، فهي الصورة الفطرية الأولى التي تعدّ باكورة رمزية لحب المكان بوصفه وطنًا عند العربي القديم، فقد تجاوزت سرديات الأطلال البكاء على ديار الحبيبة إلى تذكر الماضي والبكاء عليه، لتتحول هذه السرديات إلى أيقونة رمزية للضياع والاغتراب، فتعمد ذكرها – بنمط حكائي في مستهل قصائدهم – يدل على تعلقهم بالمكان والمكين في آن، ولذا يتوجب علينا أن نمنح هذه السرديات درجة قصوى من التأويل تضعها في مقام يليق بها.
أما عن القيمة الفنية للحكاية في الشعر القديم – ولا سيما سرديات الطلل – أنها تحول النص من الوصف الشعري إلى فعل الحكي، حيث تتجلى القصيدة لا بوصفها تأملا مجردا عن الواقع، بل بوصفها نمطا حكائيا يمزج بين القول والفعل، كما نلحظ ذلك في قول طرفة بن العبد:
لخولةَ أطلالٌ ببرقةِ ثهمدِ
تلوحُ كباقي الوشمِ في ظاهرِ اليدِ
وقوفًا بها صَحبي عَلَيَّ مطيَّهُم
يقولون لا تهلِك أسىً وتَجَلَّدِ
كأنّ حُدوجَ المالكيَّةِ غُدوةً
خَلَايا سَفينٍ بالنواصفِ مِن دَدِ
إنَّ التيمة المشتركة بين لبيد بن ربيعة وطرفة بن العبد في معلقتيهما: الوقوف على الأطلال، ولكن لكل طلل منهما خصائصه الفنية والأسلوبية، مع اختلافهما – أيضا – في المضامين، وتفرد كلّ نص بشعور مختلف عن الآخر، ولكن الذي يهمنا – في هذا الصدد – أنّ الحكاية مستدعاة إلى العالم الشعري؛ ليتخفف النص من غنائيته المفرطة متحولا من التأمل الذاتي إلى الفعل.
تتجلى بنية السرد داخل إطار الوزن والقافية ليتحول الزمن الماضي – بوصفه تاريخا – إلى سيولة متدفقة في النص الشعري، وهنا تتبدّى مقدرة الشاعر الذي يقع فريسة لصرامة الوزن العروضي وجفاف الحكاية، ولكنه بلغته الشعرية وأسلوبيته يحول هذه الصرامة إلى كتلة جمالية درامية تصل إلى أقصى درجة من التكثيف، مما جعل الحكاية يُتَغَنَّى بها في العالم الشعري بأسلوب مغاير عن نمطية الحكي السردية.
فطرفة بن العبد في معلقته – التي أشرت إليها آنفًا – استدعى الراوي وتماهى معه، كما ارتكز على الحوار من خلال الفعل "يقولون" الذي منح النص حركية حكائية، استدخل بها الشاعر الزمن الماضي في أفق اللحظة الراهنة، حيث ابتدر معلقته بتقنية "الفلاش باك"، ليأخذ النص مسارا أفقيا يسرد الشاعر من خلاله حكايته. كما اعتمد طرفة بن العبد على المشهدية أو اللقطة السينمائية التي تلمّح ولا تصرّح، وتشير ولا تعبر، وهذا يشير إلى تعمد الشاعر ترك مساحات بيضاء فارغة في النص ليفتح للقارئ بابا للتأويل.
تجليات الحوار وسرد الذاكرة في الشعر الأموي:
في العصر الأموي انعطفت الحكاية واتخذت مسارا مختلفا، حيث تخلصت الحكاية من كونها وصفًا داخل النص الشعري في العصر الجاهلي، إلى حوار صريح ينبني على "قال وقالت" فيما يخص – على سبيل التمثيل لا الحصر – شعر الغزل كما في الخطاب الشعري عند عمر بن أبي ربيعة. وهذا يعني تطور مسار الحكاية في النص الشعري، فاعتماد النص على الحوار يفلته من قبضة الوصف الشعري إلى التوصيف السردي عن طريق الحوارية، وهذا يعني تعدد الشخصيات في النص مما يمنحها بعدًا جماليا مغايرا ومختلفا.
كما أصبحت الحكاية سردا للذاكرة عن طريق المقارنة بين أزمنة أو زمنين مختلفين، ففي قول جميل بثينة:
وإن قلتُ ما بي يا بثينة قاتِلي
من الحبِّ قالتْ ثابتٌ ويزيدُ
وإنْ قلتُ رُدّي بعضَ عقلي أعشْ بِهِ
تولّت وقالتْ ذاكَ منك بعيدُ
ينبني هذا النص في مجمله على المقارنة بين زمنين يمثل كلُّ زمن منهما حكاية، فالنص متوزع بين حكاية تنطوي على الوصل، وأخرى تشي بالبعد والهجران، وهذا واضح في استهلال القصيدة بـــ:
ألا ليتَ ريعانَ الشبابِ جديد
ودهرًا تولّى يا بثينُ يعود
فنبقى كما كنا نكون وأنتم
قريب وإذ ما تَبذلين زهيد
لا يخرج هذا النص عن كونه حكاية تخلصت من نمطيتها، وتجلت بشكل مغاير في عالم مختلف، حيث حوّل النص الشعري هذه الحكاية إلى غنائية، تنكسر بها رتابة السرد الذي يحتشد بالتفاصيل. أما الشعر فيعتمد على اللغة المكثفة التي تشف ولا تبين، وهنا تتخذ الحكاية مسارا مختلفا، وهذا ما يسديه الشعر خِدْمةً للحكاية، والأخيرة تمنح الشعر بعدًا جماليا مائزا.
وهنا يختلف مسار الحكاية – في العصر الأموي – من كونها مرتهنة بالوصف الشعري، إلى حوار واضح ترتسم من خلاله الحكاية فيستحيل النص ذاكرة عن طريق المقارنة بين زمنين.
سردية الزمن النفسي وتراجيديا الموقف الدرامي:
في سابقة لم يقف النقد عندها طويلا، ولم يعطها حقها من التأويل، والوقوف على تقنيات الجمال الفني بها: مرثية مالك بن الريب، ذاك الذي استدعى زمنا استباقيا ووضعه في أفق الحاضر، وهذه تقنية تخص السرد وحده، بيد أنّ الشاعر استدخل هذا الزمن وكأنه يبدأ حكايته من لحظة النهاية ويسردها:
يقولون: لا تبعد وهم يدفنوني
وأين مكان البعد إلا مكانيا
غداةَ غدٍ يا لْهفَ نفسي على غدٍ
إذا أدلجوا عنّي وأصبحت ثاويا
هل يمكنننا القول: أن مالك بن الريب هو أول من استدعى الزمن الاستباقي في العالمين: الشعري- السردي، على حدّ السواء، لا ريب إن ادعينا ذلك حتى يثبت العكس. إن مالك بن الريب يسرد لنا حكاية من أفق المستقبل، وهو بذلك يبدّل مواقع الأزمنة، بل يدمج بينها في لحظة شعرية واحدة.
فالشاعر تماهى مع السارد، بل تحول الجسد الحيّ إلى جثة هامدة محمولة على أعناق الرفاق، ولكنها – أعني الجثة – تنقل لنا مشاهد الدفن من أفق المستقبل، وهذا ما يمنح النص عمقا نفسيا، ويتحول الزمن في عموميته إلى زمن نفسي يكابد فيها الشاعر وحده مراسم دفنه، وبهذه التقنيات السردية تحول النص إلى مشهد تراجيدي تتحول الحكاية فيه إلى نوع من المقاومة.
سرديات البوح واستنطاق الداخل:
تجلى هذا النمط في روميات "أبو فراس الحمداني" حيث استنطق الداخل النفسي، وهو رهين القيد، وقد اعتمد على "المونولوج" الداخلي كثيرا، ولكنه لم يستدع "المونولوج" وحده – بوصفه تقنية حكائية – ولكنه استدعى معه عناصر السرد: الراوي، الزمان، الحوار الباطني، الحدث السردي، فتحول نصه "أراك عصيَّ الدمع" إلى نوع من المعالجة لهذه الذات، وكأنّ هذه الاستدعاءات السردية – التي تجسدت من خلالها الحكاية – عملية استشفاء ذاتي لهذه النفس المعذبة، فيقول:
هو الموت فاختر ما علا لك ذكره
فلم يمت الإنسان ما حيي الذكر
الرؤية الفلسفية للحكاية في الشعر الحديث:
تطورت الحكاية وتعددت تقنياتها في الشعر الحديث وتوزعت على مسارات متعددة منها: القناع، المشهدية السينمائية، تفتيت الرمز والأسطورة، الإسقاط التاريخي، تعدد الأصوات، الزمن الدائري، السرد السريالي، والتراجيديا التاريخية التي نلحظها عند شوقي في قصيدته: "كبار الحوادث في وادي النيل"، وسرد النكتة السوداءعند بشارة الخوري:
هل رأيت النسر ينقض على
جثة؟ هذا هو الحب الأخير.
انبنى البيت السابق على تيمة المفارقة التي ترتكز على السخرية أو النكتة السوداء التي تنطوي على سردية مختزلة ومكثفة.
فالحكاية لها تاريخها مع النص الشعري، وتتغير أنماطها وفق ما يطرأ على وعينا، وما يحمله العالم من رؤى فلسفية متغيرة ومتعمقة، وستظل الحكاية وتقنيات السرد فضاءً للنص الشعري، حيث ينولد من هذا التداخل النوعي قيمة جمالية لا ينتجها النص الشعري إلا في فضاء الحكاية.
#محمد_عبدالله_الخولي (هاشتاغ)
Mohammed_Elkhooly#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟